هل ستتحقق العدالة بإعدام الديكتاتوريين!

أية عدالة تلك تحققت لشعب العراق عندما وقف صدام بعنجهيته المشرقية الذكورية الحمقاء وهو يصرخ بأنه رجل الوطن؟ وأي عدالة لرومانيا عندما كان ينتظر تشاوتشيسكو موته بكل فخر؟ والأمثلة لا تنتهي.

علي الأعرج

منذ فترة كنت أشاهد برنامج وثائقياً حول محاكمة الرئيس الروماني السابق نيكولاي تشاوتشيسكو، والتحولات الجذرية التي أطاحت به في أقل من ثلاثة أسابيع، بتحويل رومانيا من بلد تهتف باسم الزعيم الشيوعي المطلق، والهادئة والتي لا يشوبها أي شيء، إلى بلد تهتف بإعدام الزعيم خلال أقل من عشرين يوماً؛ تحولات دراماتيكية مذهلة وكأننا نعيش داخل فيلم سينمائي حقيقي.

في أحد المشاهد المصورة ضمن الوثائقي، وتقريباً النهاية للزعيم، كان تشاوتشيسكو يقف ويخطب أمام ملايين من الناس في العاصمة بوخارست باستمرار الشيوعية ويتوعد بإبادة المندسين ضد الاشتراكية وداعمي مشروع البيريسترويكا وعملاء الرأسمالية الغربية، والبشر يصفقون ويهتفون ويحييون، وفجأة دون سابق إنذار تعلو هتافات ضد الزعيم، وتبدأ مرحلة احتشاد جميع من كان يهتف باسمه أصبح يهتف ضده في نفس الموقف، وانقلبت بوخارست في أقل من نصف ساعة إلى مستوى من الهيجان الشعبي الرائع، ودخلت في حالة صدام مع الأمن السري والشرطة والجيش، وبدأت حملة التصفية في الشوارع.

تمت محاصرة المبنى المركزي للحزب من قِبل الشعب، وهرب نيكولاي مع زوجته إيلينا خارج المبنى وتم إعلان سقوط الديكتاتور وتشكيل حكومة انتقالية، وبعد ثلاثة أيام تم إلقاء القبض على نيكولاي وزوجته في إحدى القرى بعد أن انقلب الجيش عليه ووقف مع الشعب وتم إعدامه بمحاكمة سريعة في 25 ديسمبر 1989.

من الصحيح أنّ الذين قاموا بالانقلاب ومن استلموا الحكم ودخلوا مرحلة البيريسترويكا مع غورباتشوف لاحقاً وبدأت مرحلة الإصلاح الاقتصادي، قد أثبتت التحقيقات بعد ربع قرن تورطهم في جرائم ضد الإنسانية وفتح ملفات قديمة، وكان هذا هو السبب بتسريع عملية إعدام الزعيم وزوجته خوفاً من أن تكون محاكمته عامة وتنتشر أقواله أو اعترافاته على من خانوه بمعيار الديكتاتوريين أنفسهم، مما يؤدي إلى أن يقوم الشعب بتصفيتهم أيضاً، لكن بالمجمل أراد الجميع إخفاء الحقائق، وهذا الأمر ما جعلني أتوقف عند لحظة إصدار الحكم عليهم وهو حكم مصوّر.

عند تجريمهم وقف تشاوتشيسكو وإيلينا صارخين ومعارضين بأنّ ما جرى هو خيانة وطنية وبأنهما عملا لمصلحة اشتراكية البلاد وبأنهما حافظا على أبناء رومانيا من كل تهديد وخطر يحيق بهم.

لم يكن الزعيم وزوجته يقولان ذلك عبثاً، على الإطلاق، لقد كانا مؤمنين فعلياً بكل حرف ينطقانه، كانا مؤمنين في العمق أنّ محاكمتهما ظالمة، وبأنهما كانا يحققان العدالة بمنظورهما؛ وفي اللحظة التي تم إطلاق الرصاص عليهما، كانا واقفين بشموخ ولحظة الموت مقتنعان بأنهما أبطال.

في ذلك المشهد شيء ما جابهني، فكرة مقيتة شعرت معها بعدم العدالة. تشاوتشيسكو يتلقى الرصاص تماماً مثلما غارسيا لوركا العظيم كان يتلقى الرصاص بكل شموخ من قبل عسكريي فرانكو، طبعاً مع فارق مهول بين أخلاقية لوركا وإنسانيته، وانحطاط تشاوتشيسكو وقذارته؛ فأحدهما فنان والآخر رئيس، وهذا بتصوري سبب كافي لندرك فارق السفالة بينهما وبين كل فنان ورئيس في هذا العالم.

من الصحيح أن الرومانيين تخلصوا من الديكتاتور وأكملوا حيواتهم، لكن الديكتاتور وزوجته ماتا وهما مؤمنان بعدالتهما؛ أي عدالة تلك أن نجعل سفاحاً يموت وهو يشعر بأنه بطل! إنه مؤمن ببطولته.. سحقاً لتلك العدالة!.

طبعاً بغض النظر عن المسرحية التي تمت فيها المحاكمة والإعدام، إني أتحدث عن عمق الإيمان لديهم، الديكتاتور لا يجب أن يُقتل فوراً، لا يجب أن تتم تصفيته، لأسباب كثيرة، منها أنه الوحيد الذي يعرف أغلب الحقائق والمجازر التي تمت في عهده، وعملة الإسراع بقتله تعني ضياع حقوق اجتماعية ومدنية وثقافية واقتصادية وسياسية على الشعب، قتل هذا الكائن (المقصود كل ديكتاتور في العالم) ليس من مصلحة أي أحد، إنما اعتقاله والحفاظ على حياته للوصول للحقائق المخفية؛ العدالة لا تتحقق بموت الظالم مباشرة بل بإيصال الظالم إلى ذلك المستوى الذي يصبح أن يتمنى فيه الموت ولا يطاله بالمعنى النفسي، ولا أتحدث هنا عن تعذيب جسدي، بل أن نوصل الديكتاتور إلى تلك القناعة الكلية بأنه ليس بطلاً وأنه لن يموت كالأبطال، يجب أن يعلم – ولو استغرق إقناعه عشرات السنوات – بأنه كان سفاحاً بالمعنى الحرفي، أن يصل إلى تلك اللحظة التي يبكي فيها ندماً بشكل فعلي.

العدالة وهمية عندما نقتل فيها ديكتاتوريين مثل تشاوتشيسكو أو عيدي أمين أو صدام حسين.. الخ، هذه نماذج تموت وهي مقتنعة بأنهم أبطال حققوا العدالة لبلادهم والخير والسلام، إيمانهم في لحظة موتهم بأنهم ضحايا مؤامرة هي سقوط لمفهوم العدالة وعدم تحقيقيها فعلياً.

أية عدالة تلك تحققت لشعب العراق عندما وقف صدام بعنجهيته المشرقية الذكورية الحمقاء وهو يصرخ بأنه رجل الوطن؟ وأي عدالة لرومانيا عندما كان ينتظر تشاوتشيسكو موته بكل فخر؟ والأمثلة لا تنتهي.

فيا شعب سوريا – ليس العظيم – شعب سوريا العادي، العدالة هي تلك اللحظة التي نأخذ فيها كل شيء من كل ما سُلِب منا، وأن نحافظ على حياة الديكتاتور بعد السعي لسقوطه وإيصاله إلى تلك اللحظة التي يجب أن يموت فيها دون أن يعتقد بأنه كان بطلاً وطنياً، لأنه لا شيء حقاً.. يجب أن يؤمن بأنه فعلاً لا شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.