هل تشهدُ العلاقات التركية ـ الروسية انفصالًا بسبب إدلب؟

كيف يمكن لروسيا أن تكون شريكًا موثوقًا به لدى تركيا؛ إذا لم تمتثل للاتفاقات الموقَّعة معها بخصوص إدلب؟

الأيام السورية؛ د. محمد عادل شوك

في خطابه ظهيرة يوم الجمعة 31 كانون الثاني/ يناير 2020، أمام نواب حزب العدالة والتنمية، ظهر الرئيس أردوغان، وملامح التوتر والانزعاج بادية على ملامحه وكلماته، ممّا تشهده إدلب، كمنطقة خفض تصعيد، خاضت تركيا وروسيا من أجل أن تكون تتويجًا للعلاقات المتنامية بينهما في شتّى المجالات، حيث خاضتا “14” جولة في أستانا، ناهيك عن اتفاق سوتشي الشهير في: 17 أيلول/ سبتمبر 2018، بخصوص الحالة التي ستكون عليها ريثما يتبلور الحلّ السياسيّ لسورية.

لقد وجَّه رسالته الأخيرة إلى بوتين: “لقد أخذ صبر تركيا ينفد بخصوص ما تشهده إدلب، وإنّه إذا لم تتوقّف العمليات العسكرية هناك، فستكون تركيا مضطرة لخوض عملية عسكرية فيها”.

يبدو أنّ الرئيس التركي قد باتَ متيقَّنًا من مراوغة الروسي، وأنّه بات يستغل الضمانة التركية للفصائل بشكل غير مقبول لدى الأتراك، وأنّه قد جعل من بعض بنود اتفاق سوتشي، ذريعة للتصعيد في إدلب، ففتحُ الطرق الدولية، والفصل بين العناصر الإرهابية والأخرى المحلية، أمرٌ لا صلة له بما تقوم به روسيا من التصعيد، الذي فاقت فيه القذائف المدفعية والصاروخية والجوية “19 ألف قذيفة”.

وتشير مصادر متابعة للشأن التركي، أنّ تركيا باتت تأخذ على محمل الجد محتوى الرسالة التي حملها الممثل الأميركي للشأن السوري، والمبعوث الخاص إلى التحالف الدولي، جيمس جيفري، بأنّ واشنطن أوضحت مرارًا للرئيس التركي، أنّه لا يمكن الوثوق بالرئيس الروسي، وذلك على خلفية هجوم روسيا وحلفائها المستمر على إدلب، منذ بداية شهر يناير الفائت.

أرادت أنقرة من التقارب مع موسكو، أن تجعل من نفسها بيضة القبان في علاقات الناتو مع روسيا، وأن توصل رسالة إلى أمريكا، بعدم الضغط عليها أكثر، فالبديل الروسي بات في متناول اليد.

وقال جيفري في مؤتمر عبر الفيديو: “لقد أوضحنا لأردوغان عدة مرات بأن جهوده لعقد صفقات مع الروس في شمال شرق سورية وشمال غرب سورية، لن تجدي نفعًا، وأنا بنفسي قلت له: لا يمكنك الوثوق ببوتين. وها هو بنفسه يرى نتائج ذلك الآن”.

وكشفت صحيفة “قرار” التركية عن تزايد التوتر بين تركيا وروسيا، وسط خيبة أمل لدى الرئيس أردوغان من التصرفات الروسية والحملة العسكرية على ريفي إدلب وحلب.

ففي مقال له أشار مصطفى كارالي أوغلو، إلى أنّ تصريحات الرئيس أردوغان تشير إلى أنه وصل إلى نقطة لا مفر منها من اتخاذ إجراءات جديدة شمال سورية، ونوَّه إلى أن أنقرة تعيش أزمة كبيرة بسبب التصرفات الروسية في إدلب، وأنّ تهديداته الأخيرة بتحرك عسكري في سورية، كانت الرسالة والنداء الأخيرين إلى روسيا، للتوقف عن عملياتها العسكرية في شمال سورية، وبأنّه يجب الأخذ بعين الاعتبار، أنّه إذا لم تتم الاستجابة من روسيا لنداء تركيا، فإن البلدين على أبواب توتر في العلاقة بينهما.

وفي مقال له في صحيفة “صباح” الموالية للعدالة والتنمية، أشار د. كمال عنات، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سقاريا، إلى أنّ أحد الأسباب الرئيسة في التقارب التركي ـ الروسي، كان انعدام الثقة بالولايات المتحدة بسبب سياساتها في سورية، ليتبيَّن لاحقًا أنّ سياسة موسكو فيها لا تختلف عن واشنطن.

لقد أرادت أنقرة من التقارب مع موسكو، من خلال المزيد من التعاون الوثيق في المجالين الاقتصادي والأمني، خلال السنوات الماضية، أن تجعل من نفسها بيضة القبان في علاقات الناتو مع روسيا، وأن توصل رسالة إلى أمريكا، بعدم الضغط عليها أكثر، فالبديل الروسي بات في متناول اليد.

يبدو أنّ الرئيس التركي قد باتَ متيقَّنًا من مراوغة الروسي، وأنّه بات يستغل الضمانة التركية للفصائل بشكل غير مقبول لدى الأتراك، وأنّه قد جعل من بعض بنود اتفاق سوتشي، ذريعة للتصعيد في إدلب.

ففي لقاءاته ومحادثاته، مع نظيره الروسي منذ 2016، التي زادت على ” 16 ” لقاء، وهو الأمر الذي لم يحصل مع أيّ من الرؤساء الآخرين، سعى الرئيس أردوغان لأن يتجاوز مفهوم “المصلحة” في العلاقات الدولية إلى مرحلة “الثقة”، ليتبيّن له لاحقًا أنّ هذا الخاطر لم يكن في ذهنية الرئيس بوتين، الذي نسف جميع تعهداته بخصوص إدلب، وضرب بها عرض الحائط، على غرار ما كان منه في التفاهمات الأخيرة حول انسحاب الوحدات الكردية من منبج ومناطق تل رفعت، وتسليمها إلى القوات التركية والفصائل الموالية لها من الجيش الوطني.

وهو يرى أنّ المصلحة المشتركة لا تعني خرق الاتفاقات بين البلدان، وهو ما تفعله الآن موسكو في سورية، بانتهاكها التزاماتها في أستانا وسوتشي.

وعليه فإنّ على روسيا التقاط رسالة أردوغان جيدًا، وألّا تستمرئ اختبار صبر تركيا، وعليها التعامل معها بشكل مختلف، وحملها على محمل الجد.

فأنقرة تولي اهتمامًا كبيرًا للحفاظ على الشراكة مع روسيا في المسألة السورية، غير أنّ تصرفات موسكو في إدلب باتت تزعج أنقرة كثيرًا، وغير مستبعدٍ أن تصل إلى مرحلة الانفصال الجدّيّ، بعد تلويحها بعمل عسكريّ في إدلب.

إذْ كيف يمكن لروسيا أن تكون شريكًا موثوقًا به لدى تركيا؛ إذا لم تمتثل للاتفاقات الموقَّعة معها بخصوص إدلب؟

وعليها أن تأخذ الاتصالات المكثفة بين الرئيس التركي ونظيره الأمريكي، والمستشارة الألمانية، على محمل الجِدّ بعد الآن، وتقرأها بشكل مغاير عمّا سبق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.