هل تحوّل الفيس بوك ليكون منصة للقراءة

الأيام السورية؛ خالد المحمد

منذ نعومة أظافرنا كان موضوع التعبير الأبرز في مدارسنا “أهمية المطالعة”، ولا يوجد فرد منّا إلا وكتب هذا الموضوع عدة مراتٍ من خلال مراحله الدراسية، ورغم افتقاد الغالبية لممارسته.

اليوم بات الجميع يمارس المطالعة أو القراءة، وبساعات طويلة يومياً، مع اختلاف المقصد ما بين قراءة الكتب إلى قراءة وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها الفيس بوك، وتحول حتى من يعشقون قراءة الكتب، وأنا منهم، إلى قراءة الفيس بوك ومطالعة منشوراته.

بالأساس كان مجتمعنا يعاني سابقاً وقبل انتشار الأجهزة الذكية، من ضعف القراءة ومطالعة الكتب، حيث تطالعنا الإحصاءات بمعدل قراءة للفرد العربي سنوياً لا يزيد عن ربع صفحة مقارنة مع /11/ كتاباً للفرد الأمريكي وسبعة كتب سنوياً للفرد البريطاني، وغيرها من الدول؛ كالكيان الإسرائيلي، ودول أوربا، واليابان.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: ترى هل لازالتْ هذه الربع صفحة على قيد الحياة؟

تغيرتْ المفاهيم كثيراً هذه الأيام فباتت الصفحة هي صفحة الفيس بوك، والسطر هو التغريدة، والأدلة والبراهين هي مقطع الفيديو.

فمن الصعب جداً أن يشكل قراءة الفيس بوك بديلاً عن قراءة الكتاب لأسباب أهمها:

  • دخول الغالبية للفيس بوك أساسا بقصد التصفح السريع.
  • القراءة السريعة المكثفة لمنشورات الفيس بوك.
  • التنقل خلال ثواني بين مواضيع لا تمت لبعضها بصلة.
  • التشتت في أثناء القراءة بين الإشعارات والإعلانات.
  • النظرة في اللاوعي إلى الفيس بوك على أنه وسيلة ترفيه.
  • اكتظاظ الفيس بوك بالمتناقضات والتكرار.
  • الأسلوب الركيك وكثرة الأخطاء اللغوية.
  • عدم اتباع منهجية بحث أو نشر.
  • ضعف المصداقية وكثرة الحسابات والصفحات المزيفة.

لا أنكر أن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل مصدراً من أهم مصادر المعرفة وأسرعها “كمصدر يحمل معلومة” ولكن عدم الرقابة على المحتوى، وانتشار المعلومات والأخبار المضللة والزائفة، وحرية النشر لمن يفقه ولا يفقه بأمور الثقافة والإعلام، أعطتْ هذه الأداة خطراً يهدد ثقافة المجتمع، وتشوّه الحقائق، فالمجتمع اليوم يسير وفق ما يريده الإعلام، والضخ الإعلامي الكبير الذي تمارسهُ هذه الوسائل، تسيطر على المجتمع وتجعله صاحبَ صوتٍ واحد تجاه أي قضية.

والخطورة الأكبر على فئة الشباب التي تفتقد إلى النظرة النقدية الواعية لما يُنشر، نتيجة افتقادها للثقافة والمعرفة الموروثة، بسبب ضعف قراءة الكتب قديمها وحديثها والتي تصقل الشخصية وتتيح بناء حكم نقدي لما تسمع وتقرأ.

فنرى الشباب والجيل اليوم ينبهرون بكل ما يقرؤون على وسائل التواصل الاجتماعي (والانبهار هنا منبعه الضعف الثقافي والعجز عن المحاكمة والنقد) وتصديقهم لكل ما يشاهدون أو يقرؤون، مع انتشار ظاهرة النسخ واللصق، لأمور وأخبار أقل ما يقال عنها قمة السخافة واللامنطقية، وربما الخرافية أحياناً.

شيوع هذه الوقائع كان سببه الرئيسي أساساً ما عاناه واقعنا من ضعف القراءة وحب الكتب في العصر الحديث، والتي خلقتْ فراغاً في الوقت والفكر، جاءت وسائل التكنولوجيا الحديثة لتملأه، ويغتر البعض بأنها بديل عن الكتاب، بفضل خصائصها التي تمتع بها، من سهولة الوصول والتنوع الكبير، وحرية النشر والمتابعة، وانخفاض التكلفة، وتواجدها مع الشخص بشكل مستمر بحكم حمله الدائم لهاتفه، فصار يحسب نفسه من المثقفين بحكم قراءته الواسعة واطلاعه العميق، لكن على الفيس بوك، فوصلنا اليوم لمرحلة الغرق التي سيصعب علينا كثيراً انتشال أنفسنا وجيلنا القادم منه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.