هل تتحول البوتينية لتكون نموذجاً جديداً لأنظمة الحكم في العالم؟

هل يمثل مصطلح البوتينيّة، مفهوم النظام الاستبداديّ المعبّر عن مصالح مجموعات معيّنة في روسيا، والمبني على آليّة السلطة الرأسيّة؟ وهل يعني المصطلح أنّ روسيا ليست مستعدّة لتقبّل نموذج الديمقراطيّة الغربيّة بأيّ شكل من الأشكال، أو ما يشبهه.

93
الأيام السورية؛ محمد نور الدين الحمود

كتابان صدرا في السنوات الأخيرة عن فلاديمير بوتين؛ الرئيس الحالي لجمهورية روسيا الاتّحاديّة. الذي ولد عام 1952في لينينغراد وتخرّج من كلّيّة الحقوق في جامعتها عام 1975، وأدى خدمته العسكريّة في جهاز أمن الدولة.

ثمّ عمل في المخابرات في جمهورية ألمانيا الشرقيّة من 1985إلى 1990، تولّى منصب النائب الأوّل لرئيس حكومة مدينة لينينغراد منذ عام 1994حتّى 1999، حين شنّ الحرب الثانية على الشيشان كرئيس وزراء وبعد عام رئيساً لروسيا الاتّحاديّة بانتخابات قيل إنّها مزوّرة، في 2008 يعود كرئيس للوزراء حتّى 2012، ومرّة أخرى يشغل فلاديمير بوتين منصب رئيس جمهوريّة روسيا الاتّحاديّة وحتّى الآن.

كتاب والتر لاكيور “البوتينيّة ـ روسيا وعلاقاتها المستقبليّة مع الغرب”

تناولت وسائل الإعلام العالميّة – الأميركيّة خاصّة – كتاباً للمؤرّخ الأميركيّ “والتر لاكيور” بعنوان: “البوتينيّة – روسيا وعلاقاتها المستقبليّة مع الغرب” وتأتي أهمّيّة الكتاب أوّلاً من جهة المؤلّف فهو مؤرّخ لأهمّ الأحداث السياسيّة في الاتّحاد السوفيتّي السابق، وقد توقّع بعضاً من الأحداث التي عصفت ثمّ أطاحت به.

كذلك فإنّ صدور الكتاب أتى في وقت ازداد فيه التوتر بين والولايات المتّحدة وروسيا إلى ذروة، بسبب أحداث أبرزها احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم الأوكرانيّة وضمّها إليها،

غلاف كتاب والتر لاكيور البوتينيّة

إسقاط القوّات الروسيّة للطائرة المدنيّة الماليزيّة فوق الأراضي الأوكرانيّة؛ ما أعاد للأذهان صور الحرب الباردة، وبالتالي التخوّف من دور بوتين الدكتاتوريّ في صنع ذلك.

لا يرى لاكيور أنّ تقارباً جدّيّاً محتملاً بين روسيا والولايات المتّحدة على المدى القريب، بل ربّما على العكس، فالعلاقات لن تكون ودّيّة أو سلسلة بينهما في الغالب، طالما أنّ “البوتينيّة” التي عنون بها كتابه سارية، ومصطلح البوتينيّة – بحسب الكتاب – يمثّل مفهوم النظام الاستبداديّ المعبّر عن مصالح مجموعات معيّنة في روسيا، والمبني على آليّة السلطة الرأسيّة، بمعنى أن هناك أوامر مطلقة تصدر من الرأس إلى القاعدة. ويفسّر المصطلح “البوتينيّ” المتداول بأنّ روسيا “ديمقراطيّة سياديّة” ما يعني أنّ روسيا ليست مستعدّة لتقبّل نموذج الديمقراطيّة الغربيّة بأيّ شكل من الأشكال، أو ما يشبهه.

ويرى لاكيور أنّ غالبيّة الروس يعتقدون بذلك. ويسوق للبرهان على فكرته عن البوتينيّة ما أسماه “الأعمدة الثلاثة”، التي يُجمع عليها الشعور الشعبيّ وتشكل وحدة مجتمعيّة روسيّة، وهي:

الاعتقاد الثابت بالكنيسة الأرثوذكسيّة، والإحساس العميق بالانتماء “الأوربّي – الآسيوي” الذي يؤمن به الروس كقدر لهم، أمّا العمود الثالث فهو الخوف من عدو خارجيّ والاستعداد له.

ويستنتج المؤلّف أنّ هذه الأعمدة الثلاثة تجعل الروس الآن أشبه بأنفسهم قبيل العام 1904، ويلعب بوتين دور الخادم للشعب في هذا التشابه.

ولا يضيف الكاتب جديداً حين يصف حكم بوتين بالنوستالجيا إلى روسيا كقوّة عظمى في العالم، وما يستتبع هذا من إيديولوجيّات قوميّة وعدوانيّة.

كتاب هوبرت سايبل “بوتين ـ مشاهد من داخل السلطة”

وجاء الكتاب الثاني بعنوان “بوتين – مشاهد من داخل السلطة” لمؤلّف ألمانيّ متخصّص في التاريخ وتربطه ببوتين لقاءات تلفزيونيّة عديدة، وهو “هوبرت سايبل” الذي يعتبر من أهمّ الخبراء الألمان في الشؤون الروسيّة، وقد يبدو الكتاب تبريريّاً لسياسات بوتين من جهة، لكنّ “سايبل” يردّ على ذلك مستشهداً بقول سابق له: “إنّ السياسة هي التعامل مع المصالح، ولا يتحقّق ذلك دون معرفة مصالح الطرف الآخر كما يراها هو”.

ويعطي هذا الكتاب ـ ولو قليلاً ـ اهتماماً للوضع في سورية بالنسبة للعلاقة مع السلطة البوتينيّة، مقارنة بالكتاب الأوّل الذي لم يقترب من هذا الموضوع.

يستنكر المؤلف ما يسمّيه السياسات التوسّعية الأطلسيّة والأوروبّيّة شرقاً، ويرى أنّه يجب النظر إلى السياسات الروسيّة بوصفها ردود فعل على ذلك، وشبّه الأوضاع العالميّة الآن بما جرى مع نهاية الحرب الباردة في تسعينيّات القرن الماضي.

غلاف كتاب هوبرت سايبل بوتين مشاهد من داخل السلطة

ثمّ يسوق الأوضاع في أوكرانيا كمثال على ذلك، ويضيف سورية إليها بشكل مختصر.

ويرفض المؤلّف التحدّث عن قواعد “جديدة” في السياسيّة الدوليّة، فهي واقعيّاً “دون قواعد”، بعد أن أصبحت الزعامة الانفراديّة الأميركيّة” بمثابة “عقيدة” راسخة تصدر عنها السياسات الغربيّة، ويستنكر تبرير الغرب استخدامه للقوّة في العراق وليبيا مثلاً ثمّ اعتراضه على تدخّل روسيا في أوكرانيا.

كذلك يقارن بين تعاطي بوتين مع احتجاجات المعارضة السوريّة عام ٢٠١٢، وبين الدعم الأميركيّ ماليّاً عبر منظّمات المجتمع المدنيّ وبشكل معلن.

ولمعرفة الكاتب ببوتين عن قرب، خاصّة وأنّ الأخير كان له نشاط مخابراتي في ألمانيا الشرقيّة، فقد أظهر صورة مباشرة عن سياسات بوتين وكيف صعد حتّى قمة السلطة في روسيا، بدءاً من لينينغراد إبّان انهيار الاتّحاد السوفيتّيّ، وكيف انقلب بوتين لاحقاً على أبرز رفاقه وحلفائه وداعميه.

فقد تحوّل “فلاديمير بوتين” بحسب “سايبل” من العمل في المخابرات الروسيّة إلى السياسة، وخاصّة بعد الاضطرابات السياسيّة والفساد الماليّ في فترة حكم “بوريس يلتسين”، ولكن بوتين فشل ولم يثنه ذلك عن إعادة المحاولة في جولة سياسيّة أخرى، واستفاد من فشل يلتسين ووهنه، وسيطر على أهمّ اجهزة الحكم، وووثق العلاقة مع رجال المالي وسيطر على وسائل الإعلام الكبرى، إلى أن صار رئيساً بدل يلتسين نفسه.

وتبقى نظرة الكاتب إلى السياسة الروسيّة تجاه سورية متوافقة مع مجمل المبادئ الغرّبيّة، إذ تردّد باستمرار “غياب الأدلّة القاطعة” ما دامت المصادر الغربيّة غائبة عن ساحة الحدث. لكنّ الكاتب يلجأ إلى المراوغة والهروب حين يتحدّث عن المسؤوليّة في استخدام الأسلحة الكيميائيّة في غوطة دمشق، وينفي اعتبار التدخّل الروسيّ بسحب الأسلحة الكيميائيّة اضطراريّاً، إذ ينطوي على إقرار ضمنيّ بالمسؤول عن ارتكاب الجريمة، ويشبّه الكاتب الاقتراح الروسيّ بأنّه “قارب نجاة” لأوباما!.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.