هل باتَتْ هيئةُ تحرير الشام أمامَ استحقاقات مفصليّة ؟

تلعب هيئة تحرير الشام في الوقت الضيق، أمامها استحقاق كبير، في ظلّ حراك دبلوماسيّ غير مسبوق، ما بين لغة متشنجة وأخرى تحاول تجنيب إدلب مجزرة، هل تنجو المنطقة، وما الذي يسعى له الجولاني؟

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

يبدو أنّ الوقت قد ضاق كثيرًا أمام هيئة تحرير الشام، في ظلّ حراك دبلوماسيّ غير مسبوق، حيث شهدت الأيام القليلة الماضية عددًا من التحركات المنصبة حول منطقة خفض التصعيد الرابعة، المسمّاة اصطلاحًا ( إدلب )، قامت بها الأطراف الراعية للملف السوريّ ( روسيا، تركيا، إيران: مجموعة أستانا ) بشكل ثلاثي، و ثنائي، تمثَّلت في زيارة لافروف إلى أنقرة، و خلوصي آكار و هاكان فيدان إلى موسكو، و حسين دهقان إلى دمشق، و جواد ظريف إلى أنقرة، و وليد المعلم إلى موسكو، و كذا الدول الإقليمية المنخرطة فيه، ( السعودية، و لبنان) عادل الجبير، و جبران باسيل إلى موسكو.

هذا فضلاً على لقاء ضمّ رئيس هيئة التفاوض ( د. نصر الحريري )، مع نائب وزير الخارجية الروسي ( ميخائيل بوغدانوف )، يوم: 30/ 8، لبحث آفاق التسوية السياسية في سورية بمرجعية مقررات جنيف، و ملف إدلب في ظلّ التصعيد الحالي.

و سيشهد يوم: 7/ 9، لقاء قمة في طهران لمجموعة أستانا، و سيعقبه اجتماع موسع لمجموعة جنيف في: 14/ 9 بحضور أمريكي؛ لمناقشة أعمال اللجنة الدستورية بشكل أساسي، إلى جانب تفعيل عملية التسوية السياسية، بعد عودة الولايات المتحدة إلى الملف السوريّ، عقب تسمية السفير الأمريكي السابق لدى أنقرة ( جيمس جيفري ) كمبعوث أمريكي جديد للسلام في سورية، من خلال الإشراف على المفاوضات التي ستجرى بين دول المنطقة.

و غيرُ خافٍ أنّ ملف هيئة تحرير الشام قد وُضِع على الطاولة، و بشكل مُلحّ، لدرجة أنّه قد راجت تصريحات، أنّه لم يتبق أمام تركيا سوى مهلة قليلة، حددت بعشرة أيام ( مضى ثلُثها )، و ستناقش بشكلّ جديّ و نهائيّ في قمة طهران القادمة.

و قد اكّد وزيرا الخارجية: التركي و الروسيّ، على تطابق وجهتي نظر البلدين على ضرورة الفصل بين الفصائل المسلحة في إدلب و الهيئة ( جبهة النصرة )، في مؤتمرهما الصحفي في أنقرة، في : 20/ 8 ، مثلما أكّد على ذلك وزيرا الخارجية: السعوديّ و الروسي، في المؤتمر الصحفي في موسكو، في: 29/ 8.

كلُّ ذلك في ظلّ تحشيد من طرفي الأزمة المحليين: النظام و المليشيات الموالية له من جهة، و الفصائل و الهيئة من جهة أخرى، مع خشية من أن تخرج الأمور عن مساراتها الطبيعية، و يتدفق ما يربو على ( 800 ألف مهاجر ) نحو أوروبا، بحسب تقارير أممية.

و هو ما يجعل الأطراف مجتمعة، ولاسيّما الروسي و التركي، و حتى الأمريكي، تبدي عدم رضاها عن أيّ تحرّك عسكريّ ينوي النظام القيام به، لا بل لوحت روسيا صراحة أنّه لن يحظى بدعمها الجويّ، و هو ما جعل المراقبين يستبعدونه، على الرغم من كلّ التحشيد الإعلامي الذي رافقه، و حملوه في أحسن الأحوال على عملية محدودة، في الجهة الغربية، من جهة جسر الشغور ( حيث المقاتلين التركستان، و جبهة حراس الدين )، و من الجهة الجنوبية، من جهة حماة ( حيث هيئة تحرير الشام و حليفها جيش العزة )، و هي العملية التي لا تمانع تركيا فيها، شريطة ألاَّ تطال العمق الأدلبي.

و أنّها في حال حصلت ستكون جراحة موضعية و سريعة، شريطة أن تفضي إلى مؤتمر دوليّ، توضع على طاولته قضية الجهاديين المهاجرين في مقابل الميليشيات الشيعية المستقدمَة من إيران، بحسب ما رشح عن مصادر تركية، و ستقود إلى مفاوضات تمهّد للانخراط في العملية السياسية، المتوقّع أن تبدأ جولاتها في مطلع 2019.

و هناك من ذهب إلى أن تركيا قد عرضت على قيادة الهيئة، نقل عناصرها الرافضين الانخراط في الحلول السلمية ـ في حال قبلت أن تحلّ نفسها ـ إلى مناطق غرب الفرات في مواجهة الوحدات الكردية في شرقه.

في الوقت الذي راجت فيه معلومات عن أنّ الجناح المتشدّد فيها، بقيادة أبي اليقظان المصري ( محمد ناجي: المسؤول الشرعي في الجناح العسكري )، يرفض مناقشة هذا الرأي؛ الأمر الذي حمل عليه مراقبون محاولة الاغتيال التي تعرّض لها في: 21/ 8، في منطقة العيس، و أصابته إصابة بليغة، في ذات الوقت الذي تعرّض فيه أمير قاطع البادية ( أبو رأفت ) للاغتيال أيضًا، و هو المعروف بميله إلى حلّ الهيئة نفسها، تساوقًا مع الرغبة التركية؛ في محاولة لخلط الأوراق بضربة مزدوجة.

أمّا فيما يتعلّق بالشيخ أبي محمد الجولاني، المعروف بديناميكيته، فقد خلط الأوراق مجددًا، عندما غمز في المساعي التركية لحلحلة الوضع في إدلب، من خلال دعوته إلى عدم الركون إلى نقاط المراقبة التركية، و رفضه التفاوض على تسليم السلاح الثقيل إلى الجيش التركي، في كلمته التي وجهها في عيد الأضحى المبارك، مع تركه البابَ مواربًا، حيث نقل عن مصادر مقربة أنّ قرار حل الهيئة ـ في حال صحَّ ـ لن يكون نتيجة ضغوط خارجية، بقدر ما هو نتيجة نقاش داخليّ.

و هو الأمر الذي حمله عدد من المراقبين على رفع سقف المطالب للهيئة، في أيّة جولة مفاوضات جادّة مع الجانب التركي، بضغط من الأطراف الممسكة بالملف السوريّ؛ و هو ما جعل الظواهري يتحسَّب لذلك، و يوعز إلى أطراف في الهيئة تواليه، في: 24/ 8، بالانشقاق عنها ( مجموعة ثقيل: أبي قتادة حمص، مجموعة ميدانيين: عزام الشامي، مجموعة تفخيخ: سيف الله المهاجر، مجموعة أبي اليمان الشامي، مجموعة أبي زيد البادية، مجموعة أبي الخير الدرعاوي )، و اللحاق بتنظيم حرّاس الدين، الفرع المعتمد للقاعدة في سورية، بقيادة أبي همام الشامي، الذي تشكّل في: 27/ 2/ 2018، بعد تباين الرؤى مع الشيخ الجولاني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.