هل القشة السورية هي التي قسمت الاتحاد الأوربي

بقلم: د. أسامة الملوحي – اسامة الملوحي

البرلمانية البريطانية “جو كوكس” كانت أبرز شخصية بريطانية دعمت قضية اللاجئين السوريين بقوة…وهي نفسها التي انخرطت بقوة في حملة الدفاع عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوربي “حركة بريطانيا في أوربا”.

في يوم 17 حزيران قُتلت النائبة جو كوكس وكان قاتلها قد صاح وهو يطعنها “بريطانيا أولاً”…”بريطانيا أولا ” وهذا الشعار هو نفسه الذي استخدم في حملة الانفصال عن الاتحاد الأوربي “بريكزيت”.

صحيفة “نيو رببلك” في يوم 21حزيران أي قبل التصويت للانفصال بيومين تقول تحت عنوان “لا تنخدع بما يقولون” …(فأسباب حملة الانفصال ليست مشاكل اقتصادية مع الاتحاد الأوربي, إنما السبب الحقيقي للدعوة للانفصال هو قضية الهجرة واللاجئين).

عند البريطانيين عقدة كبرى من المهاجرين وسببها الأساسي كانت هجرة مواطني أوربا الشرقية ثم هجرة المتضررين من أزمة منطقة اليورو الاقتصادية التي عصفت بالدول الأوربية الفقيرة نسبيا كاليونان واسبانيا والبرتغال في بداية تسعينيات القرن الماضي… وبريطانيا لأنها لم تنضم أصلاً لمنطقة اليورو لم تتأثر بالأزمة واستقبلت أعدادا كبيرة من المهاجرين.

وقد رصد الباحثون في جامعة أكسفورد أرقاما ملفتة مؤثرة فوجدوا:” بين عامي 1993 و 2014 ازدياداً في نسبة السكان المولودين في خارج بريطانيا (المولودين في دول أوربية أخرى) لأكثر من الضعف : من 3.8 مليون إلى حوالي 8.3 مليون, وخلال الفترة نفسها، ارتفع عدد المواطنين الأجانب من 2 مليون إلى أكثر من 5 ملايين.”

وأرقام رسمية أخرى تؤكد تدفق آلاف من الأوروبيين إلى سوق العمل البريطاني كل سنة وأنهم استفادوا من نظام الإعانات الاجتماعية البريطاني، وكانت بريطانيا تحاول دائما أن تُعدِّل من القواعد المرتبطة بالهجرة بين الدول الأوربية، ولكن كانت دائمًا تُقابل برفض أوربي.

وعندما حدثت موجة اللاجئين الكبرى وأغلبيتهم من السوريين وسجلت أكبر موجة منذ الحرب العالمية الثانية ,سجلت بريطانيا أقل نسبة استقبال في أوربا وأخذت بريطانيا تتهرب من النسبة المحددة لها أوربيا وهي نسبة تعتمد على حساب القوة الاقتصادية وعدد السكان ورفضت الالتحاق بمشروع الاتحاد الأوربي حول توزيع اللاجئين وآخر ما سُجل في ذلك أنها قررت “نظريا” استقبال خمسة آلاف لاجئ سوري فقط لغاية نهاية عام 2016 بدلاً من الحد الأدنى الذي يجاوز العشرين ألف لاجئ وكثير من المسؤولين الأوربيين ذكروا أن بريطانيا تستطيع استيعاب أكثر من خمسين ألفا لهذا العام وحده ولكنها تتهرب.

 

وآخر تصريح أوربي كان للنائب الفرنسي” كزافييه برتران” الذي قال:” إذا استمرت بريطانيا في رفض استقبال حصتها من اللاجئين السوريين فسنترك اللاجئين يصلون إلى بريطانيا بطرقهم الخاصة وليعالج البريطانيون أمورهم هناك على جزيرتهم بسياستهم الخاصة”.

واستنفرت بريطانيا كل أجهزتها لمنع دخول اللاجئين إليها وخاصة عبر نفق المانش الذي تشكلت قرب مدخله الفرنسي وتحديداً قرب مدينة كالييه الفرنسية… تشكلت مدينة صفيح لآلاف المهاجرين, كثير منهم سوريون الذين يحاولون باستمرار الدخول عبر نفق المانش إلى بريطانيا وكان صيف عام 2015 حافلاً فقد مات في حزيران من ذلك العام ثمانية عشر من المهاجرين لدى محاولاتهم العبور…وأقامت بريطانيا سياجا بطول 37كم حول مدخل النفق فكان كجدار عزل عنصري ضد المهاجرين وخصصت له مؤخراً 10 ملايين يورو لزيادة تحصينه…وبدأت بريطانيا بإيقاف و تفتيش القطارات قرب الجانب الفرنسي بحثا عن المهاجرين.

أما الصرخات العنصرية في الصحافة والمحافل البريطانية لمنع دخول اللاجئين الجدد لبريطانيا فقد طفت في عام 2013 , وبدأتها صحيفة “ديلي ميل” اليمينية, وتلتها وأكثرت صحيفة “الصن” الأكثر مبيعا في بريطانيا, فعلى لسان الكاتبة “كيتي هوبكنز” على سبيل المثال قالت :”يجب نشر الفرقاطات الحربية في البحر الأبيض المتوسط لوقف اللاجئين من دخول أوروبا ….وفي موضع آخر قالت: “لا، لا يهمني رؤية الجثث الطافية في الماء ، ولا منظر الأشخاص النحيفين الحزينين…مهما أريتموني ما زلت لا أهتم “.

 

ووصلت قمة الدعاية العنصرية ضد اللاجئين الجدد على يد “نايجل فاريج” وهو رئيس حزب الاستقلال البريطاني الذي حصل على 13 % في الانتخابات الأخيرة عام 2015و هو واحد من أبرز الشخصيات في الحركة ضد الاتحاد الأوربي وأخرج شعاراً فيه صورة لطوابير ضخمة من اللاجئين وفوقها كلمات لفظها يقول ” نقطة الانهيار” ومفادها “اللاجئون الجدد هم القشة التي قصمت ظهر البعير” وتحرك “نايجل “بهذا الشعار ليحشد لصالح ترك الاتحاد الأوربي…وهذه الدعاية وتفاصيلها كانت عنصرية لدرجة هائلة فاضحة جعلت “البارونة وارسي” الرئيس السابق لحزب المحافظين ، تبدل رأيها لتدعو إلى البقاء ضمن الاتحاد الأوربي ، واصفة ” الكراهية و كراهية الأجانب ” من حزب الاستقلال في ملصق ” نقطة الانهيار” بأنها :” خطوة مفرطة في العنصرية”.

وكلما اقترب التصويت الذي حصل في 23 حزيران ، ازداد التهويل حول الهجرة ووصل الكلام والربط إلى عبارات تثير المخاوف والهواجس : “الهجرة الجماعية هو السماح للإرهابيين ان يصبوا في أوروبا “يقول ذلك مقال لديلي ميل في شهر نيسان.

وقال كاتب في “الصن”: ” الجهاديون يستغلون أزمة اللاجئين لتهريب المسلحين عبر أوروبا” .

وساعدت عمليات التفجير والقتل التي حدثت في بعض الدول الأوروبية مؤخرا…ساعدت في دفع المواطن البريطاني إلى تصديق الدعاية التي تقول:” إن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي سيوقف اتفاقية الحدود المفتوحة بين دوله، ومن ثم يحول دون مجيء الإرهابيين إلى بريطانيا”.

لقد كان التدفق الكبير للمهاجرين الذي حصل من جراء التهجير الجماعي والقتل الجماعي في سوريا مع الدعاية العنصرية المنظمة المركزة في بريطانيا سبباً رئيسيا في ارتفاع كبير في المشاعر المعادية للمهاجرين في بريطانيا, وقبل شهور من الاستفتاء على “ترك أوربا” سجلت استطلاعات للرأي 77 بالمئة من البريطانيين يعتقدون أن مستويات الهجرة ينبغي تخفيضها وضبط التدفق بعيدا عن بريطانيا.

وطالت الحملة العنصرية الممزوجة بشعارات الانفصال عن أوربا …طالت تركيا أيضا وصدرت تصريحات وكتابات تقول: “75 مليون تركي هم في طريقهم للسفر بدون تأشيرة في الاتحاد الأوروبي, وسنتعرض أيضا لإجرام الأتراك”

ورغم أن بعض الصحف البريطانية كتبت عن فوائد المهاجرين السوريين فقالت أن أغلبهم ضمن سن العمل المفيد وأن كثير منهم يحملون شهادات جيدة ويلبون احتياجات بريطانية في العمل والخدمات الاجتماعية وليسوا عبئا عليها…إلا أن هذه الكلمات ذهبت أدراج الرياح العنصرية العاصفة …ووصلت الصيحات العنصرية قبل الاستفتاء إلى أقصاها بصيحة الذي قتل النائبة “كوكس” “بريطانيا العظمى أولاً…بريطانيا العظمى أولا”

بعض المحللين ذكر في تفسير التصويت لصالح “ترك أوربا” ستة أسباب وبعضهم ذكر ثمانية وقد يزيد آخرون ولكن الجميع لا يستطيع أن ينكر أن العنصريين البريطانيين قد استخدموا القشة السورية ليقسموا الاتحاد الأوربي .

أما السوريون فقد كشفوا بثورتهم كل التناقضات والمتناقضين اللذين كانوا متسترون على أرضهم وما حولها ويبدو أنهم يكشفون اليوم عورات البعيدين الآخرين الذين تسيدوا العالم و تشدقوا كثيرا بالقيم الإنسانية وقيم العدالة والحرية.

 

تشدقوا كثيراً وطويلاً وعندما وصلهم الكاشف الفاضح السوري انكشفوا وبانت سوآتهم واقترب أجلهم فأجل الأمم بأخلاقها وقيمها لا بِكِبْرها واستكبارها وعنصريتها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.