هل العاجل عاجل حقاً!.. الأخبار بوصفها أداة للسرد الفارغ وتدمير التأمّل الذاتي

لماذا يجب إعطاء طابع بأن الذكر يدور في فلك التصارع المعرفي وكأنه الوحيد الذي يمارس بشغف فعل التدمير الناتج عن تلك الحروب؟ ولماذا يجب إلصاق هذه التهمة البحثية عن متابعة الأخبار بالذكر؟ ولماذا يتم إلصاق تهمة المرأة التقليدية في متابعة مسلسل عاطفي أبله؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

أحد مميزات عالم اليوم هو قدرته على التناقل المعلوماتي السريع بشكل مذهل، وفي جانب منه، الأخبار بشكل عام والأخبار العاجلة بشكل خاص، لكن ما هو العاجل فعلياً؟ ما الذي يدفعنا للإدمان الإخباري والبحث عن معلومات يتم نشرها تباعاً في كثير من القنوات، مع إدراكنا الضمني أننا لا نملك أي شيء في تغيير ما يجري، وفهمنا العميق على أننا كائنات أقل من أن نفعل شيئاً ذا قيمة حقيقية في هذا المستوى السياسي، باعتبار الأخبار هي تعبير جوهري لمنطق السياسة.

لفهم المعضلة يجب أن نعي كلياً أن الوعي الإنساني يتعامل مع مفهوم السياسة – حتى وإن كان ثرثرة – على أنه نضوج معرفي واجتماعي، فكلما كان الشخص أكثر قدرة على إصابة التحليل السياسي حتى وإن لم يكن مهتماً كلياً، فله حضور اجتماعي أكثر اتساعاً من شخص يهتم مثلاً في الفيزياء أو فن الرسم. هذا الانطباع الذي يتشكل حول الشخص المتعاطي للسياسة يقدّمه أمام مجتمعه على أنه أكثر عمقاً ونضوجاً.

وعليه تصبح آلية التعامل والمتابعة للأخبار السياسية حالة من الإدمان في البحث عن ذلك الحضور المفقود فعلياً في جانب اجتماعي آخر؛ ويُضاف إلى ذلك الصدمات المفاجئة التي تُخلق دون سابق إنذار، كما جرى مع كورونا مؤخراً وقبلها بعشر سنوات ما جرى مع أنفلونزا الخنازير وقبلها الإيدز، وحتى الهجوم على برجي التجارة وسقوط بغداد والثورات العربية، بشكل عام كل ذلك نوع من انفجار مفاجئ وأحداث لم تكن لها أي تمهيدات على المستوى الشعبي الذي يتابع السياسة؛ بالطبع لها تمهيدات للعقول السياسة الكبرى التي تفهم حركة التغيرات الدولية والاقتصاد، لكن تلك العقول أكاديمية ومختصة وليست شعبية.

الجميع يريد التواصل والتحليل والتحدث وتقديم وجهات نظره، الجميع يريد المساهمة مع أن الجميع يدرك أن كل ما يُقال أو يتم تحليله إن كان صائباً أم خاطئاً لا يغير شيئاً في السرد العام للأحداث.

الجميع يريد التواصل والتحليل والتحدث وتقديم وجهات نظره، الجميع يريد المساهمة مع أن الجميع يدرك أن كل ما يُقال أو يتم تحليله إن كان صائباً أم خاطئاً لا يغير شيئاً في السرد العام للأحداث.

هؤلاء الأشخاص أنفسهم إن توقفوا عن متابعة الأخبار العاجلة لمدة أسبوع أو عشرة أيام، فما الذي سيجري فعلياً على المستوى العالمي؟ ببساطة لا شيء.

بعد عشرة أيام يمكن لنا العودة بعد انقطاع وكأن الأمور كما تركناها على حالها.

إننا نعيش تجربة الدوران والملاحقة للمعلومات دون فائدة، أشبه بالبحث عن فراغ لا معنى له ولا يُفيد شيئاً سوى أنه يمارس فعل التدمير الذاتي لإمكانية التأمّل الفردي أو الحياة الحقيقية خارج نطاق الصراعات والتصريحات والأحداث. إنها عملية إلهاء تام عن فتح كتاب للاستغراق فيه بمتعة، أو متابعة موضوع مثير للاهتمام أو صناعة طعام للتسلية وتخفيف حدة فعل الجندرة اتجاه النساء المُفرزات لصناعة الطعام في بعض المجتمعات مثلاً.

السؤال البديهي في هذه القصة، من افترض أن الذكور يهتمون بالسياسة اليومية! لماذا يجب إعطاء طابع بأن الذكر يدور في فلك التصارع المعرفي وكأنه الوحيد الذي يمارس بشغف فعل التدمير الناتج عن تلك الحروب؟. لماذا يجب إلصاق هذه التهمة البحثية عن متابعة الأخبار بالذكر؟ تماماً مثلما يتم إلصاق تهمة المرأة التقليدية في متابعة مسلسل عاطفي أبله!.

بغض النظر عن هذا التقسيم، ووجود استثناءات طبعاً، لكن فكرة الأخبار أن تكون عاجلة في حيواتنا هي بحد ذاتها لا معنى لها سوى إعادة تدوير الفراغ الدماغي الذي يبحث عن الصراخ في مكان منعزل بأن يقول أنا هنا دون أن يسمعه أحد.

بغض النظر عن هذا التقسيم، ووجود استثناءات طبعاً، لكن فكرة الأخبار أن تكون عاجلة في حيواتنا هي بحد ذاتها لا معنى لها سوى إعادة تدوير الفراغ الدماغي الذي يبحث عن الصراخ في مكان منعزل بأن يقول “أنا هنا” دون أن يسمعه أحد.

الأخبار شيء طارئ على المعرفة البشرية، إنها نتاج سياسي بحت لا يمكن لأحد تغييره، وبالتالي إهدار الوقت المعرفي في متابعة تلك الترهات هو ليس أكثر من هدفين بضربة واحدة، الأولى إهدار البشر في دوامة من الفراغ واللا معنى واللا تحقيق لشيء على مستوى الواقع سوى الثرثرة التي لا تغني ولا تسمن من جوع والثاني تدمير هوايات البشر في الحياة وإبعادهم عن أي معرفة حقيقية أو متعة أصيلة والتي هي هدف الوجود البشري أولاً وأخيراً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.