هلام المتاهة وقصائد أخرى

تتحسرُ الأحلامُ في هُلام المتاهة/ بحثتُ عن آخر جثثي ولم أجدها/ أُفاوضُ الأفق للحلول في البديل/ ولا أعرف من الغابات إلا الحريق/ من الينابيع إلا الجفاف/ من العُصُور إلا رماد المستحاثات/ كيف لي أن أتَّحدَ بسرِّ التَّماهي؟/ كيف لي أن أنتشر في أُوار اللامرئيّ؟

بقلم: عائشة أرناؤوط

1/ تطابقات

التطابق في وجهات نظر الأُليهيّات الأرضية
التطابق في أجناس الموت لأطيافٍ تغادر الرئات
التطابق في الخلاف ولا سهم يُخطئ الهدف، مركزَ الدرئية المرسومة
ثمة توقيعات عاجلة على شريحة من فخذِ الامتثال
بينما المدن تجرجر أشباحها ولا خارطة تقبلها
لا خليج ولا محيط
لا الجديد ولا القديم لا البائد ولا الموعود
فلننقعْ خارطة العالم وأخوّة القتل
فلننقع اليابسة والمحيطات ومستعمرات الفضاء
ولنشرب النَخْب
النفيَ الحاذق
المذابح المنذورة للعراء والصدى.
أسمال من الأشلاء تتهدل على جبين العالم
أسمال الكلمات تزرع وباء اللغات فأيُّ لغة تبرر الألسنة!
أيُّ صوت بإمكانه الآن أن يقرعَ باب القلب فيُفتح!
النَفْيُ الحاذق يتسللُ من النارِ الهواءِ الترابِ الماءِ إلى تشقق العناصر
النفيُ في المضادّ الشقيق في الأسود المتفائل في اللحم المريع
النفيُ القادم، قارات تُبتر، بحار تُقتطَعُ وتُجفف’لتوزَّعَ في أكياس صغيرة
تبريراتُ الإيضاح على مشرحة الولائم، التجاوزات في عماء الزمن
وتفتتحُ الأشداقُ والموازينُ صمت المحافل
نحو التهجير المُغلق.
القمم والعواصم والضباب المتواطئ
الاستمناء أمام باب التاريخ والبِِطْنَة
الشبقُ الجُثثيّ انتهاكُ الأشلاءِ المضاجعاتُ المريبة وتهتّكُ المساوماتِ بعدَ القذف
وعقدة المحارق لأشباحٍ معروقةٍ وقد شُفيتْ
تستنطق من آلامها المعلّبة البديل
المرآة في اللحم الشقيق… الهولوكست المستنسخ.
على قارعة العالم آلامٌ مرمية في أكياس ممزقة
بين الساعات الشاهقة والمدن الكسيرة
تُنصبُ الموائد
حساء حمائم السلام في بطاقات أعياد مكوّرة
الشموع عند أقدام المصلوب بالمجّان.
قارعة العالم …. قارعة السماء
السرافيم تنتزع أجنحتها فلا ترى وجهاً لرب
تهبط من عليائها تتهدل على حوافّ الثانية الفاصلة
ممغنطة بأسلاك الرعب ومدار الأفلاك المطفأة
إيذاناً بالمغادرة.
أسمعتم… الإيذان بالمغادرة
للبشرية، لكامل السماء، للركام، للمسامرات الذبيحة.
سيكون للأمداء نصيبها من العماء للاستغراق في الغرق
وسيكون تيهٌ مغلّفٌ بالتّيه.
المغادرة…
تنسحب الأحقاب عن وجه العالم
المدّ والجزر يستسلمان إلى سديم مغلق
تنام الكائنات تحت ظلالها
يَعُمُّ .. يَعُمُّ… الخواء…
تطابق الخواء
الغوصُ في الخواء الأكبر.

2/ هلام المتاهة

/1/
تتحسرُ الأحلامُ في هُلام المتاهة
بحثتُ عن آخر جثثي ولم أجدها
أُفاوضُ الأفق للحلول في البديل
ولا أعرف من الغابات إلا الحريق
من الينابيع إلا الجفاف
من العُصُور إلا رماد المستحاثات.
كيف لي أن أتَّحدَ بسرِّ التَّماهي؟
كيف لي أن أنتشر في أُوار اللامرئيّ؟
وهل سأجِدُكَ
في أوج الفوضى
وخِضَمِّ الرُّوح؟
متى سنكونُ واحدًا؟
متى ستختلط علينا صُوَرُنا؟
لنلتقي حقًا؟
الأسئلة تصدأ على مهل
على مهلٍ نصدأُ
نَتَقَعَّرُ
نحدودبُ
وعلى مهلٍ نغيب.

/2/
أسرجتُ كفني برغوة الأفلاكِ
لأُمَوّهَ انتمائي
تعرّيت من فضائي تحت سمت الرُّموز
لأتماثلَ مع دمار العناصر الآنيّ.
متى أتخطَّى رُفاتَ الأجنحة وصدأ السَّلاسل؟

ماذا أفعل بقوانين الانحناء ومعادلات الخضوع؟
إلى أين تقودني مستحاثات العبودية؟

ما عمر المسافات النَّائية
التي تفصلني عن ذاتي؟
كيف أتماهى ببصمةِ النُّورِ الأول وأجنَّةِ الأنهار؟

رَعدَةُ انتظاراتٍ
وميض أفكارٍ لا تُحدّ

بينما نسيج الزَّمن
يُنسَلُ بتُؤَدة.

/3/
الحَنينُ إلى الدَّهشةِ
يموتُ في الأحشاء
العبيرُ الذّهبي
ينكمش في البؤبؤ.

أُحاولُ التَّمسُّكَ بظلِّي
كيلا أنهار.

3/ الضحية

أيتها الحياة، أُولِمُ لك صوري فامتلكي المخالب. أُولِمُ لك ظلالي فأَصْعِدي ذئابكِ الحرّة.
أُولِمُ لجوعك تضوّري فلنمضغ الحصى. أُولِمُ لعطشكِ سُهافي فلنصل إلى الصّدى.
كل الأشياء تبيد في نقيضها وتولدُ في النقيض.

لا تستترْ بالنقيض. لا تُوْجِب الرحمة. لا تُصدقْ إلا الكاذب.
فمن يعرف عليه أن يعود ليجهل
ومن يجهل… عليه ألا يعرف، فهو الهانئُ المُكَرَّم.

ونقول: الصدق!
من لم يحبّ فليأتِ إلينا، من أحبّ كذلك
من لم يكره فليتقدم، من يكره أيضاً فليتقدم
إلى تلك الخطوة المحفورة في الهواء الصلد، الخطوة المستحاثة
سيرى دون أن يعرف أن الهباء هو الوطن
وأنْ ما من غربةٍ إلا خارج العدم.

نجهل ما يقول الشيطان خارج الفردوس وكيف تنقلب أدواره، وكيف يحنّ إلى النعيم.
لا نعرف حنايا الملاكِ المُنهَك، المنهمكِ في تحنيط الغايات الإلهية
ملاكٌ في اللَّبْس، مابين الطهارة والشوق إلى الخطيئة.

وما قيل قد قيل
ما لم يقل قد قيل أيضاً في هذا المرح الداعر، في تلك العلامات الزائلة.
حفنةٌ من الأشباه تتنصّلُ من الشبيه. لهبٌ يلتهم نفسه ليرويَ جذورَ النار.
السهولةُ تتحدرُ من العَجز. العطفُ من القتل.
الانفكاك التشظي غير ممكنين إلا في الحرية
والحرية تقود إلى الطغيان.

لا تنل إلا مالا يُقدّم لك
اهزأ بالقدَر واتّحد بمصيرك
حيث القمة والهاوية تنغلقان لتبادل الأدوار في منتصف المسافة
حيث لا تُسفر النهايات إلا البدايات وحيث تفقد البداية وجهَها ووِجْهتها.

رافق الأشباح لتقاومَها. دع للغات فرصتها للهروب
قد طال شوقك إلى نفسك فسمِّ الأشياء بما ليست عليه
امتحن يأسك في الأمل وآمالك في اليأس
الخراب يُكَرِّم والابتهالاتُ تُفسِد.
تحت كلّ مستحيل، فوق كلّ ممكن
اسكنْ إلهك المصبوغ بدم العالم
واكِبِ الثمارَ والأقنعة الضاحكة
تمرّغْ في الفصول لتعرفَ المُجون
وانتقمْ من غربتك بغربة أخرى.

ضاعِفْ… ضاعِفْ… ضاعِف الهذر.

الغربة! تنزيهُ المُدْهِش، الخنوعُ للإحباط.
الحكاية المُخالِفة تستوجبُ ذاتك الأخرى
ادخلْها بدورك وتلاشى.

سيكونُ لنا هشاشة الصُّدْفة
سأمُ القارات من الجموح والتوازن
حنينُها إلى الانهمار على عَصَب المحيطات الغارق
إلحاد الضباب وارتيابه في الماء، والماءُ وريدُه.
هكذا أنت فانفصل وادخل الكارثة
انفصل واحمل فجرك معك
انفصل عن وزمة الأشجار ولحاء الزلازل القديمة
أنتَ المنتفضُ في تورّم الزمن
أنتَ الشاهدُ بلا عيون
أنتَ الهديرُ ولا تَسْمَع
أنتَ العدمُ الصَرْفُ مدعوٌ إلى الاحتفال بالوجود
ادّخرْ فناءك كما يدّخر الحصى أنفاسَ الكون
عُدْ إلى أصنامك وفجّرْ فيها الرعشة
تدثرْ بالحصول وأَنْحِ التحَقق
أنت الجبانُ داخل الرأسِ الحرِّ في المُكابرة
لنستنزل المجاهل… لنفضحْ عريّ اللقاء
ما يكون سيكون أيها الخائب أبداً
أيها المعشوق أبداً
أيتها الرائحة البديلة للهزائم
هناك احتمالات الصّوَر في التشظي على مياه الينابيع الداكنة
هناك احتمالات الحدوث في المألوفِ المرتعشِ الزائل.

نستعيدُ مناخات العنف الرحيم
نعتصمُ في الاحتضان الشبحي
نتدامجُ.. نتزاوجُ في الشُبْهَة الكبرى.

كيف للقوة الولوغ في المُكَوِّن؟
كيف للضعف صعود الفائض؟
الدلالات والتوجس من بلبلة الانهيار
الوحي الفضيحة، الصوت الفضيحة الصامتة
وما من شيء يترجل إلا في الشهوة الصهباء
ما من شيء إلا اشتهاؤنا للحياة حين ندفعها إلى الهاوية.

قل لي من أنتَ وأقول إنك تكذب
لا أنت أنت ولا أحدَ وجهيك.
نكبةُ بلوغِ الذات تتخفى في البراءة الدَّنِسَة
الانتقالُ من تنكّر إلى تنكّر
لستَ إلا الضحية
وما من جلاد هناك.


عائشة أرناؤوط، شاعرة من سورية تقيم في باريس

مصدر القدس العربي موقع ألف
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.