هرقل الضحية في الحروب

الأيام السورية؛ علي الأعرج

كثيراً ما كانت العبارة التي يستخدمها الناس بعامة، تُثير في داخلي إحساساً بالامتعاض العميق للآلية الأخلاقية التي يتم بها التعاطي مع العاطفة. تلك العبارة التي تطفو على الوعي في أثناء ممارسة الطغيان على البشر، وبالأخص عندما تعلو الحروب في المجتمعات، فيتم تداول العبارة الأكثر حضوراً على ألسن الكثيرين: “إني أشعر بالحزن، لأنّ ما يجري من ظلم اتجاه النساء والأطفال والعجائز، لا يُطاق”.

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مسألة تعاطفية طبيعية، لأنها تُركّز على الكيان المادي الأضعف بيولوجياً، والذي يأخذ الحيّز الأكبر من المشاعر، لكنها بذات الوقت تحمل دلالات أخلاقية خطيرة، ووعي يُرسّخ نظرية المهمة الملقاة على عاتق الرجال.

خلف وضوح هذه العبارة، ترتسم ملامح سؤال طبيعي: “وماذا بشأن الرجال!”. بالتأكيد الجميع سيقول: “نعم والرجال أيضاً، والإنسانية جميعها، لكن العبارة هي نوع مجازي للتعبير عن الكيان الأضعف”.

مجازي؟، أحقاً هي كذلك!. هنا تكمن معضلة أخلاقية شديدة الحساسية في الوعي العام، وهي أن النظرة للرجل، نظرة تراثية وتميل إلى أبعاد دينية في بعض جوانبها، وحتى أسطورية أحياناً، في الوعي الإنساني السحيق. فهو الراعي، السيد، النظام البطريركي، المسيطر اقتصادياً، البطل، المقاوم، المقاتل والفارس، الأسطورة التي لا تُهزم، إنه الرجل الهرقل.

ما زالت هذه الرؤية التاريخية اتجاه الرجل حاضرة إلى اليوم. وكي لا تبدو المسألة هنا من قبل بعض الفيمينست أنها مسألة جندرية، سأتوقف عند جانبها الأخلاقي.

منذ أن أصبح التاريخ في يد السيد الأب معرفياً واقتصادياً، تم تهميش الكيانات الأخرى وحصر أدوارهم بأنماط معيّنة.

منذ أن أصبح التاريخ في يد السيد الأب معرفياً واقتصادياً، تم تهميش الكيانات الأخرى وحصر أدوارهم بأنماط معيّنة. المرأة المربية الحامل، العجوز الحكيم المتقاعد من الفعل المادي المباشر مع الطبيعة، والطفل الذي يُجهّز ليستلم دورة الحياة المعرفية بالوراثة.

هذه الصورة التاريخية العميقة، لم تُلغها جميع الثورات الفكرية والاجتماعية اللاحقة، أو حتى الأديان عبر تطوراتها، بل على العكس، لقد رسختها في الوعي. وحتى سبعينيات القرن العشرين كانت هذه الرؤية تجاه الرجل ما تزال قائمة، بما فيها الدول المتقدّمة. وإلى اليوم ما تزال هذه الصورة حاضرة، وربما كما قلنا كان تعبيرها الأبرز في الانزياح العاطفي اتجاه الكيانات التي يتم النظر إليها على أنها أضعف وتحتاج الحماية، ليس من الرجل اتجاههم فقط، بل من أنفسهم في الدرجة الأولى، بمن فيهم الأكثر طرحاً لمفاهيم المساواة والحياة والفعل المشترك. ففي الحروب تسقط جميع نظريات المساواة، ويصبح الرجل هو المركز الذي يتم إلباسه عباءة التاريخ وتحميله المعنى الرمزي للقوة والاستمرار والقتال والدفاع، باعتباره شكلاً من السيطرة المعرفية.

عدم أخلاقية هذا التصوّر تنبع من كونها هدم لمفهوم العلاقات المشتركة عندما يعترضه المعنى العاطفي. فالمساواة، والعدالة، والاحترام، والحرية، تصورات جائزة في الوعي وممارسته الواقعية، لكن في لحظة الشدة، يتم التراجع من جميع دعاة المساواة والعدالة إلى الخلف وتقديم الرجل كأضحية طبيعية لمنظومة التاريخ المُفترضة ككيان قوي.

بالتأكيد هنا، لا نُلغي أن حالة الطغيان تشمل وتسود على الجميع أطفالاً وكباراً ونساءً ورجالاً، لكن الرغبة العميقة بالنظر إلى التعاطف مع تلك الكيانات الأضعف على حساب الرجل، تصبح معضلة أخلاقية. تحميله المعنى والرمز التاريخي، وكل ما يترتب عليه من مطالبات نفسية إزاء المفهوم السيد.

إنّ حالة الصراع الاجتماعي التمرديّة على تاريخية الفعل الذكري وسيطرته، تُبيح للرؤية التي تطرح المساواة في الشكل المسالم للحياة، أن تصبح أقل اندفاعاً في لحظات الصراع مع القوى الأكبر (سياسية أو دينية).

إنّ حالة الصراع الاجتماعي التمرديّة على تاريخية الفعل الذكري وسيطرته، تُبيح للرؤية التي تطرح المساواة في الشكل المسالم للحياة، أن تصبح أقل اندفاعاً في لحظات الصراع مع القوى الأكبر (سياسية أو دينية). حالة الصراع مع السلطات أياً كان نوعها، يجعل النسب الأكبر من النساء والشيوخ والأطفال، أن يدخلوا في حالة التقوقع الذاتي\ النفسي تجاه مفهوم الصراع السلطوي، ويصبح الرجل هو الأكثر عرضة للانتهاك.

الغريب هو هذه النظرة الانتقائية للعدالة. فالعدالة من مفهوم الكيانات التي تطالب بإسقاط تاريخية الفعل الذكري، هي قائمة في الحياة الطبيعية المسالمة، لكن في لحظة الحرب، يصبح الدفع المطلق للرجل الهرقل بصورة تجريدية للتاريخ السلطوي. دفعه لصورة النضال والطحن التصارعي، أما الآخر فيكتفي بأن يصبح الكيان اللطيف الجميل الذي يجب على الرجل أن يفعل المستحيل لحمايته.

بالطبع؛ الجميع يخضع للمشاركة، لكن نتحدث هنا عن النسب الاجتماعية الأكبر وآلية التعامل الذهني معها. في الحروب هناك شيوخ يموتون، ونساء تُنتهك، وأطفال يتمزقون دون ذنب، لكن أيضاً هناك رجال منسيون تم تحميلهم رمز التاريخ القوي وسيطرته. رجال يتألمون ويضحون لأنهم حملوا صورة القوة التي لم يختاروها. حملوها واقعاً مادياً ونفسياً إلى درجة اللاعودة.

التعاطف مع الكيانات الأضعف بيولوجياً، ليس موقفاً إنسانياً بمقدار ما هو ذهنية تاريخية للنظرة اتجاه الرجل، على أنّه صورة متكاملة لتحمل الشدّة والسعي للاستمرار، وحينها تصبح كل نظريات المساواة عبارة عن ضرب هراء بالنسبة لدعاة المساواة أنفسهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.