هدى بركات في بريد الليل تقرأ الرسائل الحميمية وتغوص في العمق النفسي والوجودي للناس

بلاد مسكونة بالفقر والتخلف والحكام المستبدين الظلمة، ثورات أجهضت، بلاد خربت ودمرت وشعوب شردت وقتلت، كل ذلك حاضر ضمنا، للبعض أزمته الشخصية بجسده أنه مخنث، المحارب من الأهل والمجتمع رغم عدم مسؤوليته عن ذلك.

119

الكاتبة: هدى بركات.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: دار الآداب./ط١، الكترونية، ٢٠١٩م.

المعاناة الوجودية لعينات اجتماعية مظلومة

بريد الليل؛ هي الرواية الثانية التي نقرأها للكاتبة هدى بركات، بعد لغة السر، والتي أظهرت موهبة أدبية عالية، وتناولت فيها المعاناة الوجودية لعينات اجتماعية مظلومة، كلها تقريبا من بلادنا العربية، تطل على العوالم الخاصة الذاتية والحميمية لهؤلاء الأشخاص، متابعة -ضمنا- واقع حياتهم التي زجّتهم في مآسيها، بدء من وضعهم العائلي مرورا بواقعهم الاجتماعي، إلى ما في بلدانهم من صراعات حروب أهلية وثورات وتشرد وضياع مصير.

كل ذلك حاضر عبر تقنية أدبية ناجحة اعتمدتها هدى بركات. الرسائل التي يكتبها أصحابها موجهة لأب أو أم أو أخ أو حبيب، رسائل حميمية تغوص في العمق النفسي والوجودي والوجداني لهؤلاء الناس، تعريّهم من جهة، وتكشف العار الذي يعيشونه وأسبابه الحياتية المختلفة.

الرواية تربط خيوط الرسائل التي دوّنها أبطالها في أقسامها الثلاثة، البدايات ويليها رسائل تحاول أن تكون استمرارا للبدايات، لكن لا لقاء ولا تقاطع، كل يسير بطريق مختلف ولو أنه يتحرك لهدف اللقاء مع الآخر المخاطب، اللقاء الذي لن يتحقق.

تنتهي الرواية عند قصة ساعي البريد في بلد عربي مدمر يعيش مع الرسائل ينتظر موته بطريقة ما في حرب لم تترك أي فرصة لحياة ممكنة.

رسالة الشاب لأمه

تبدأ الرواية بكتابة شاب لأمه رسالة مطولة يتحدث فيها عن نفسه ومعاناته، أمه التي انتزعته من طفولته مبكرا وأرسلته من بلده العربي الفقير (اليمن) الذي دمر سده وغرقت به قريته، بعثته ليبني حياته في بلاد أخرى.

الشاب يتذكر معاملة أمه القاسية له، لقد نسي والده، في بلاد الغربة لم يستطع أن يبني المجد الذي حلمت به أمه، في الغربة تعلم وعمل مع جنرال معزول من الحكم في بلاده ينتصر للديمقراطية التي كان يسحقها سابقا، العمل لم يستمر، كان أمامه خيار الالتحاق بالإسلاميين أو يعمل بتجارة المخدرات، اختار الثانية لكنها لم تدم له كعمل.

كان له تجارب نسائية كثيرة واهمها تلك الفتاة التي أحبته ورضيت بكل عقده، كان يعاملها بقسوة ويعذبها، وهي تصبر عليه وتستمر بمعاشرته وتتحمّله.

يعيش هاجس الملاحقة، هناك شخص يتبعه هل هو لوطي (مثلي) أم هو رجل أمن يترصده لكونه كتب عن البلد والسلطة، يعتبر معارضا، لم يجدد جواز سفره. لكن الثورة حصلت في بلاده وحصل على جواز سفر، أمامه فرصة أن يعود إلى البلد.. هو أمام مفترق طرق.

في النهاية تعلم الفتاة التي أحبته انه موجود في المطار جاءت لعلها تلتقي به، وتحبه مجددا لقد عذبها وذلها كثيرا لكنها تغفر له، تبحث عن جواب سؤالها لماذا عاملها بهذه الطريقة ؟، ولا جواب، الأهم ان تلتقي به وتستمر بالعيش معه، لكنها لن تلتقي به، وتبقى النهاية معلقة.

رسالة السائحة الكندية

تنتقل الرسالة هذه في الفندق إلى يد تلك الفتاة التي كانت قد أتت قبل عشرات السنين إلى بلد عربي (لبنان)، سائحة من كندا والتقت بشاب سيصبح حبيبها وتتكون بينهم علاقة وتعيش فترة سياحية جميلة بينهم، في نفسها تتحرك الذكريات الجميلة، هي تعد نفسها للسفر إلى هناك لعلها تلتقي بحبها الاول، ترسل له رسالة لتلتقي به مجددا بعد عشرات السنين، ترصد نفسها وعمرها وترهل جسدها، إنها تلحق حلما عاشته في الماضي لعلها تعيد إحياء جذوته الآن.

أما الشاب الذي وصله منها خبر حضورها يسعى للقائها محملا بذاكرة مراهقة جميلة، ترك زوجته وابنته لعله يعيش سياحة حب مؤقت ويعود، يذهب للقائها لكنه لن يجدها، الأقدار لن تتقاطع مجددا، يعود إلى بلده وابنته وزوجته. إنه يحنّ لهنّ.

عندما يتحول الضحية إلى جلاد

سننتقل في بلد أوروبي آخر إلى قصة شاب يكتب رسالة إلى أمه يحكي فيها قصته. إنه من بلد عربي (سورية)، يتذكر طفولته، المعاملة القاسية والظالمة من أمه وأبيه، وكيف زرعوا في داخله الذل وقبول الظلم وتحمله.

عندما بدأت الثورة في بلده اعتقله الأمن وعذبه كثيرا، طالبوه بالاعتراف وأن يدين نفسه بما لم يعمل، انهار وسلّم لهم زمام نفسه.

أعادوا توظيفه ليكون من شبيحتهم وقتلتهم، تحول من ضحية إلى جلاد، كان يتألم في البداية من تعذيب السجناء والموقوفين، لكنه تعود بعد ذلك وصار يلتذ من جبروته وطغيانه، تضخمت نرجسيته وتحول لقاتل محترف.

لكن الحال تتغير وتنتصر جموع الثوار في اغلب البلاد ويتحول إلى مطارد ومطلوب من الثوار، يركب البحر هاربا إلى أوروبا، هناك يندس بين اللاجئين القادمين من سورية وغيرها، يبدأ في معاملة اللجوء، لكن بعض من تعرض للتعذيب على يديه يتعرف عليه ويخبر ادارة مخيم اللجوء، يهرب خوفا من القبض عليه ومحاسبته وسجنه، يتحول إلى حياة التسول والتشرد، يقتات على البقايا يصاحب المشردين يتعاطى معهم المخدرات والمسكرات، ويعيش حياة عدمية.

إلى إن تتعرف عليه فتاة من أهل البلاد وتقرر أن ترعاه وتهتم به وهو يتلقف الفرصة، ينتقل إلى بيتها ويعاشرها ويستفيد من إمكانياتها، كان يتهرب من إخبارها عن وضعه الحقيقي وأنه لا يستطيع أن يكمل أوراقه الثبوتية، يستغل طيبتها وحبها له، يخطط مع صديقه الألباني ان يقتل حبيبته ويسرق مالها، الألباني يرفض، هو يقتل الفتاة ويسرق مالها ويهرب، يكتب رسالته هذه لأمه ويتمنى لو يعود إلى سورية، لكنه قاتل ومطلوب للعدالة. من الممكن أن يكون قد قبض عليه. قبض على صديقه الألباني اعترف على ما نسب لصديقه، أنكر أن يكون شريكا بالجريمة، قبض عليه وأرسل إلى ألبانيا ليحاسب عن جرمه، فإما القتل أو السجن.

معاناة لسيدة من مصر

ننتقل بعد ذلك إلى فتاة من بلد عربي آخر (مصر)، التي تكتب رسالة لأخيها السجين، لعمله في تجارة المخدرات، معترفة له بكل ما حصل معها.

تتحدث عن أمها ومعاملتها القاسية لها، تزويجها لها وهي صغيرة، ظلم زوجها لها ومن ثم طلاقها وعودتها إلى بيت أمها مع طفلتها الصغيرة، الأم تعاملها بقسوة تدفعها للذهاب والعمل في الخدمة في بلد عربي آخر (الخليج العربي)، تذهب إلى هناك تعمل مستخدمة في البيوت والفنادق تنظف المراحيض والبيوت، حياة ممتهنة، ترسل المال القليل لأمها، الأم تشتكي من قلة المال دوما، وأن ابنتها تحتاج لمال أكثر.

تقرر أن تعمل مومسة تبيع جسدها، تتصيد زبائنها من الملاهي أو البيوتات التي تخدمها، صارت حياتها أريح لكنها امتهنت نفسها أكثر، تحوّل المال لوالدتها ولابنتها. صارت نفسيتها تستهون أي شر تفعله، بعد أن امتلأت بإحساس الظلم، تترك المرأة التي تخدمها تموت بعد سقوط في الحمام دون إسعافها.

تسرق مصاغها وتخبر عن وفاتها، تعود إلى بلدها لتجد أن أمها قد زوجت ابنتها، وأن أمها كانت تستغلها، ذهبت لابنتها، وجدتها متزوجة من خنثى ويستخدمها مومسا في بيت دعارة، الابنة لا تتكلم، قد تكون بكماء، تحضر ابنتها ، تعود لأمها التي تمرض، تتركها لتموت أيضا انتقاما لما فعلته بها وبابنتها.

تزّور عقد بيع البيت لها وتستحوذ على كل شيء تنتظر الأخ ليخرج من السجن، تكتب هذه الرسالة له لتتقاسم معه ما معها وتعالج ابنتها من أمراضها… تنتهي حكاية الفتاة بخروج الأخ من السجن وبحثه عن أخته وابنتها، يريد قتل الأخت العاهرة القاتلة ليغسل عاره ويريح ضميره، لكنه لم يصل لأخته للآن.

رسالة شاب “مثلي” من العراق

ننتقل إلى رسالة شاب من بلد عربي (العراق)، يكتبها لوالده معترفا بها بما عاش. والده الذي كان مقاتلا على الجبهات (عسكريا) يحمي الوطن ويذود عنه، هو الشاب الذي اكتشف أنه مخنث وهذا ما لم يرضاه والده عنه، هرب للعيش مع حبيبه الذي يعيش معه حياةً جنسية مثلية، يهرب معه إلى خارج البلاد.

في أوروبا يعيشان، الحبيب يمرض ويذوي، هو يعتني به حتى يموت. ينتقل الشاب للعيش بين أمثاله من المشردين والمخنثين والمتسولين والمرضى والمجذومين، لهم تجمعاتهم الخاصة في أوروبا. يعيش حياته بينهم ينتقل من حبيب لحبيب يعيش أيامه، يحن إلى بلده ووالده يكتب الرسالة لوالده يرجوه أن يغفر له ما عاشه وأن يسمح له بالعودة والعيش معه… لكن لا جواب للرسالة وحياة الشاب ما تزال معلقة بما هي عليه الآن.

ساعي البريد السوري

تنتهي الرواية عند البوسطجي (ساعي البريد) كاتبا رسالته الأخيرة لعلها تصل لطرف ما. إنه من بلد عربي (سورية) يتذكر مهنته منذ عقود حيث كان يتجول بين البلدات ماشيا أو على دراجته، حاملا المكاتيب من المغتربين إلى أهاليهم، تحول لمرسال محبوب ومرغوب وجزء من كل العوائل التي يوصل لها الرسائل، يشاركهم القهوة والطعام، قد يبيت عندهم، صحيح أن مهنته أصبحت قديمة، قليل من يرسل رسالة بالبريد، وسائل التواصل الاجتماعي أخذت دوره. زادت مشكلته حدة أن البلاد أصبحت ضحية حرب أهلية ونظام يقتل شعبه، البلاد تدمر والبشر يهربون بأرواحهم.

لم يتزوج تدمر بيته، سكن في مركز البريد يتدبر لقمة عيشه بصعوبة، يقضي وقته بقراءة الرسائل المتراكمة في المركز ويعيش وقائعها، يفرزها، يصنفها، يكتب رسالته الاخيرة مودعا بها حياته لعله يموت جراء قصف عشوائي ما. ترك حكايته برسالته.

في تحليل الرواية

هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول:

الرواية متميزة جدا على كل الصعد، الرواية صغيرة ١٢٦ ص من الحجم المتوسط، كثيفة، أشخاصها يتحدثون بحميمية، تنبش ذواتهم، ترينا الفرادة الذاتية الشخصية لكل واحد منهم، كما ترينا واقعهم العائلي والمجتمعي وحتى واقع دولهم، تربط بين واقعهم العام ومآل حياتهم الخاصة، المظلومية والهم الذاتي واستباحة إنسانية هؤلاء الناس تهيمن على فضاء الرواية.

مصائر أشخاصها تبقى معلقة لا تقاطع بينهما مجددا، متروكين لمصائر من البؤس والفشل والضياع المستمر، إنهم ضحايا حياة فوق طاقتهم مواجهتها، لقد عجنوا وخبزوا فيها، إنها حياتهم المأساوية بكل تجلياتها.

بلاد مسكونة بالفقر والتخلف والحكام المستبدين الظلمة، ثورات أجهضت، بلاد خربت ودمرت وشعوب شردت وقتلت، كل ذلك حاضر ضمنا، للبعض أزمته الشخصية بجسده أنه مخنث، المحارب من الأهل والمجتمع رغم عدم مسؤوليته عن ذلك.

رواية تدق ناقوس الخطر. وتقول ها هي حياتكم التي تعيشونها، لا تتعاموا عنها، لعلكم تواجهونها وتصنعون حياة أخرى أفضل.

هذه رسالة الرواية وهي تستحق أن تكون الرواية الفائزة في البوكر العربية لهذا العام. ٢٠١٩م.


هدى بركات، كاتبة لبنانية، لها العديد من الروايات، حصلت على جائزة البوكر للعام ٢٠١٩م عن روايتها بريد الليل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.