هدم جوهر النظام.. الساخر لا يملك شيء ليخاف منه أو عليه

هناك تكرار وثقافة ما زالت حاضرة في وعي الجميع، باختلافاتهم الثقافية والشعبية والفكرية، وهي روح السخرية والدعابة التي نشأت في بدايات الثورة ومقولاتها والتي مازالت لليوم مستمرة.

الأيام السورية؛ خالد علوش

اليوم بعد تسع سنوات من بداية الثورة، لم يعد الاتفاق حاضراً بين من كانوا متفقين سابقاً على هدف واحد، يمكن القول إن السنوات التسع هذه قد خاطرت بكل شيء. قد لا تكون الثورة رحلت بمعناها العام، لكنها بكل تأكيد اختلفت في التفاصيل.

هناك ما زال من يسميها ثورة، وهناك من يرى أنها حرب أهلية، وهناك من يعتقد أنها صراع سلطوي بين جهتين لا دخل للشعب فيها، ومنهم من يرى أنها قد انحرفت عن مسارها الكلي لتصبح حرباً دولية على بلد؛ لكن لدى كل أولئك الأشخاص، بجميع رؤاهم، والذين يوماً ما في السنة الأولى للثورة كانوا يتكاتفون ويرقصون على الأغاني والأهازيج بعفوية منطوقة وسلميّة، ما زالوا اليوم بعد تسع سنوات، ورغم الاختلافات الكبيرة بينهم من حيث التسمية، لكنهم جميعاً متمسكين برؤية واحدة ضرورة إنهاء النظام.

البعض يراه كضرورة للعدل وآخرون يرونه كضرورة لأنه جلب الاعتداء الأجنبي، ومنهم من يرى ضرورة إنهائه لمجرد أنه نظام، وغيرهم يدعون لإنهائه لفكرة ساخرة بأنّ هذا النظام هو أتفه شيء يمكن أن يقبل أحد وجوده، وآخرون لأنهم ينظرون إلى النظام بعين الفاشية المحضة. الجميع مختلف لكن الجميع متفق في نفس الوقت.

لا نتحدث عن تفاؤل ونصر، بل عن حقيقة قائمة اليوم أن الشعب لا يحترم النظام كمفهوم، ومن لا يحترم لا يلتزم. ترويض هذا الشعب مرة أخرى هو أصعب بملايين المرات من كل اتفاق قادم حتى لو كانت اتفاقات من أطراف عدة يتحدثون باسم الشعب.

قد تبدو المسألة ازدواجية قليلاً، وأنها لا تؤدي غاية نهائية لإسقاط مثل هذا النظام، فعدم الاتفاق على الآلية قد يطيل عمر مثل هذه الأنظمة؛ لكن في مكان آخر، وهو المكان الجماهيري الصادق والعفوي، بعيداً عن المؤتمرات والسياسات، هناك تكرار وثقافة ما زالت حاضرة في وعي الجميع، باختلافاتهم الثقافية والشعبية والفكرية، وهي روح السخرية والدعابة التي نشأت في بدايات الثورة ومقولاتها والتي مازالت لليوم مستمرة.

فمن يرى النظام فاشياً أو طائفياً أو لمجرد أنه نظام، لكن جميعهم ما زالوا في وعيهم وعلى ألسنتهم الشعبية وفي كل مكان، يتفوهون بما قيل قبل تسع سنوات: “يلعن روحك يا حافظ ع هالجحش الخلفته”.

ربما لم تعد الأهازيج من أمثال “مالنا غيرك يا الله، أو جنة يا وطنا، أو الشعب السوري واحد” حاضرة، لكن ما الذي يدعو لاستمرار عبارات السخرية من قائد الوطن المعظّم بحسب منطق مؤيديه.

بشار الأسد اليوم وحاشيته عبارة عن ممسحة في الوعي السوري، وعندما نقول وعي سوري، فالأمر استفحل لدرجة أخطر بكثير مما يظنه النظام وداعميه من أمثال روسيا وإيران.

الشعب السوري اليوم لم يعد له شأن في السياسة الدولية، لقد تجاوز بوعيه أي خطوط للمصالحة مع النظام، إنه في وعيه الضمني يستحقر هذا النظام وما عليه، ومن امتلك وعياً مستحقراً الآخر، فلا قوة في العالم تجبره على الرضوخ مرة ثانية، حتى وإن اتفقت جميع الدول على بقاء النظام.

لا نتحدث عن تفاؤل ونصر، بل عن حقيقة قائمة اليوم أن الشعب لا يحترم النظام “كمفهوم”، ومن لا يحترم لا يلتزم. ترويض هذا الشعب مرة أخرى هو أصعب بملايين المرات من كل اتفاق قادم حتى لو كانت اتفاقات من أطراف عدة يتحدثون باسم الشعب.

وما زال الناس يروون بالنظام على أنه نظام مافيا، وما زال البشر يسخرون بوعي عميق. النظام اليوم لا يتعامل مع أناس يحملون سلاحاً يمكن له وصفهم بالإرهاب، إنه يتعامل مع وعي شعبي ساخر من هيكلية السلطة نفسها.

اليوم لم يعد هناك أهازيج بعد الاختلافات في السنوات التسع، والولاءات التي أصبحت لكل شخص بحسب سلاحه وتابعيته، لكن حتى التابع لجهة ما، أو المنزوي في منزله، أو من يكتب أو من نسي الثورة أو من ما زال يتحدث على أنها ثورة، لكن روح الأهزوجة الساخرة في البدايات ما زالت حاضرة.

ما زالت النظرة لبشار على أنه أحمق قائمة، وما زال الناس يروون بالنظام على أنه نظام مافيا، وما زال البشر يسخرون بوعي عميق. النظام اليوم لا يتعامل مع أناس يحملون سلاحاً يمكن له وصفهم بالإرهاب، إنه يتعامل مع وعي شعبي ساخر من هيكلية السلطة نفسها.

لن أقول بأنه انتصار سياسي أو عسكري، لكنه شيء أقرب من ذلك بكثير، إنه هدم جوهر النظام، فالساخر لا يملك شيء ليخاف منه أو عليه.

من لافتات كفرنبل 2012(فليكر)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.