هجرة السوريين: الحس السليم

بقلم :حسام عيتاني –

في خلفية الخروج السوري إلى أوروبا ما لا يجري تناوله مقابل التركيز على المآسي التي يتعرض لها اللاجئون في جلجلتهم إلى الدول التي قررت استقبال البعض منهم.
احتفل النظام السوري بتدفق عشرات آلاف اللاجئين على طرقات أوروبا باعتباره تأكيداً لفكرته عن المؤامرة الكونية التي يتعرض لها منذ أربع سنوات ونيف بغية إسقاطه إضافة إلى دس آلاف الإرهابيين بين قاصدي دول اللجوء.
ردّ معارضون سوريون بتحميل النظام مسؤولية الكارثة الإنسانية التي أصابت السوريين وربطوها بمؤامرة مقابلة ترمي إلى تغيير الخريطة الديموغرافية والطائفية في سورية تمهيداً لتقسيمها تقسيماً ينال فيه بشار الأسد حصته في مناطق الساحل ودمشق ويترك باقي البلاد نهباً لحروب أهلية لا تنتهي على الطريقتين الصومالية أو الافغانية.
بين المؤامرتين، يرتفع ظلٌ عالٍ لمآسي الهائمين على وجوههم في طرقات أوروبا الوسطى والشرقية. قصصهم التي تنقل نتفاً منها وسائل الإعلام تشي بالخسارة الفردية لمشاريع وآمال وأحلام وبدمار مجتمع إلى ما يفوق القدرة على إعادة بنائه أو ترميمه بالوسائل المتاحة وفي المستقبل المنظور. تعلن كارثة اللاجئين، لمن يريد أن يرى، ليس أن سورية ما قبل 2011 لم تعد قائمة وحسب، بل أن أي «سورية» لن يكتب لها القيام في ظل الوضع الراهن والانهيار المجتمعي والأهلي، قبل الدولتي والسياسي، الذي ضربها.
هذه كارثة بكل المقاييس ليس للسوريين وحدهم ولكن أيضاً للمنطقة بأسرها التي ستعاني من ارتدادات الحدث السوري وتداعياته لأعوام طويلة مقبلة. وليس كشفاً القول إن أكثرية اللاجئين لن تعود إلى ديارها حتى لو تغير النظام. الأرمن لم يعودوا إلى ارمينيا والفلسطينيون لن يعودوا إلى الضفة الغربية وغزة والبوسنيون لم يرجعوا إلى البوسنة، إذا اكتفينا بهذه النماذج القريبة في الذاكرة.
لقد أعلن اللاجئون ما يكمن عميقاً في الحس السليم أو في الشعور الشعبي والجمعي، أي أنهم يفضلون تحمل المخاطر الرهيبة للهجرة والتعامل مع تجار البشر والتعرض إلى الهوان عند الحدود وإمكان وقوعهم بين أيدي قوى أمن لا تخفي نزعاتها العنصرية، على أن يعودوا إلى اللامكان الذي صارت عليه سورية.
لقد دمر بشار الأسد ونظامه وحلفاؤه الأقربون والأبعدون سورية كدولة ومجتمع بل كأرض صالحة للسكن البشري وحتى كمشروع لبناء وطن في المقبل من الأيام. ولم يفعل السوريون اللاجئون إلا ان خرجوا خروجاً أشبه بما يحكي عنه السفر التوراتي، بحثاً عن أوطان جديدة تضمن لهم حداً مقبولاً من كرامة وحياة بعدما فقدوا الأمل في المستقبل في بلادهم.
في الجهة المقابلة، تقف شخصيات المعارضة السورية الفاشلة التي لم ترتق يوماً إلى مستوى حلم السوريين بالحرية والعدالة ولم تعرف بعد مئات الآلاف من الضحايا كيف تؤسس هيئة إعلامية أو إغاثية واحدة ناهيك عن المهازل السياسية التي تنقلت بينها وجعلتها أضحوكة العالم، فيما يُذبح السوريون وسط لامبالاة العرب قبل الغرب والأصدقاء قبل الأعداء.
هذا كلام يجب أن يقال بغض النظر عن التعاطف او التضامن مع الثورة السورية ومع شعبها المنكوب. لقد أفلح الأسد في تطويق الثورة وعزلها وتحويلها إلى أزمة لاجئين بعدما أسدى إليه كثير من المعارضين خدمات لا تقدر بثمن في سوء التقدير والإدارة والسلوك.
التائهون في غابات أوروبا وعلى طرقاتها يحملون الكثير من الدروس لمن يريد الاعتبار.

الحياة_

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.