هاني الراهب.. تقديم تنبّؤي للتفكك العربي وسقوط الشعارات الواهية للأنظمة

قدّم هاني الراهب في مشواره الأدبي، الإنسان الذي لا يملك الحق سوى بالموت، الهزيمة والوجع والواقع الرديء، إنها أعمال تنبأت بمستقبل أصبح تاريخاً مؤلماً، أفلا يحق لنا بعد كل ذلك أن نحتفي بالراهب الذي تنبأ بالمستقبل دون أن نعي تنبؤاته؟

الأيام السورية؛ خالد علوش

في أيار من عام 1939 داخل قرية صغيرة تدعى مشقيتا في محافظة اللاذقية، التجأت السيدة المعروفة باسم نزهة إلى المطبخ عندما أتاها المخاض وهي في المنزل مع خمس عائلات أخرى يسكنون سوياً. دخلت وأغلقت الباب خلفها ووضعت مولوداً ارتفع صوته بالبكاء، فتقدّم الرجل ذو اللحية البيضاء، الأصم والأبكم، المدعو محمد علي الراهب إلى ابنه وأطلق اسم هاني عليه. هكذا ولد هاني محمد علي الراهب، الرجل الذي سيصبح فيما بعد عرّاف الأدب السوري.

تخزين الرؤية العميقة

كانت لحظة الولادة مع اشتداد صعود الهياج العالمي والتجهيز للدخول في حرب عالمية كبرى الأثر الأعظم في ذاكرة هاني، إنها لحظة بداية الوعي الطفولي وتخزين الرؤية العميقة عن قيمة الإنسان على وجه هذه الأرض. عاش الراهب أعوام طفولته الأولى متنقلاً بين مشقيتا الريف واللاذقية المدينة مع عائلته نتيجة الوضع العالمي وتأثيراته على سوريا ومرحلة تصاعد النضال الوطني ضد الفرنسيين. تلك البدايات تركت الانطباعات المؤثرة في وعيه وذاكرته ليجسدها فيما بعد بعمق وتجلي قلّ مثيله في رواياته حول الخوف والقلق والظلم.

عاش هاني في كنف أمه وأبيه ودرس مراحله الأولى في مدرسة القرية حيث كان أخوه الأكبر (علي) يتكفّل بمصاريف دراسته، لكن موت الأخ الأكبر المفاجئ بسن صغيرة ترك أثراً قوياً في نفس الراهب، ليتولى أمر تدريسه وصروفه فيما بعد أخوه الثاني سليمان الذي بقى مسؤولاً عن هاني حتى حصوله على الدرجة الثانية في الثانوية العامة، فتم منح الراهب مقعداً مجانياً في جامعة دمشق قسم اللغة الانكليزية، كما منح راتباً شهرياً قدره 180 ليرة.

من يكتب عن مجدّد يكتب رواية مشتّتة. حياته ليست سلسلة، بل حفر ومطبّات وبقع ضوئيّة، الحادثة لاتهم لأنها لا تمثّل حياته. كلّنا لا نطرح أنفسنا من خلال الحياة اليومية لأننا نعتبرها غريبة عنا وليست الحياة التي نحلم بها.

عندما أصبح في الثامنة عشرة بعد انتقاله إلى دمشق، سكن هاني مع اثنين من زملائه في غرفة بحي الشعلان قبل أن ينتقل للعيش مع أخيه هلال الراهب، حيث كانت تلك الفترة بمثابة تشكيل وعي مختلف لهاني ونظرته لعوالم المدينة والعلاقات والمعرفة العميقة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية المضطربة في البلاد. فكان عام 1960 حيث شارك الراهب وهو بسن الثانية والعشرين في مسابقة أعلنتها دار الآداب للكتّاب العرب حيث اشترك حينها أكثر من مئة وخمسين كاتباً عربياً، وكانت المفاجأة الكبرى هو الإعلان عن فوز هاني الراهب بالمركز الأول عن روايته المهزومون والتي أصبحت فيما بعد أهم الأعمال التي لم تتنبأ فقط بالمستقبل العربي بل كانت قفزة في عالم الكتابة وأسلوباً جديداً لتغيير مسار تاريخ الرواية السورية خاصة. فقد كانت رواية المهزومون بمثابة تقديم تنبّؤي للتفكك العربي وانعزاله الفكري وسقوط الشعارات الواهية التي كانت الأنظمة بعامة تحاول بثها وتقديمها كخلاص للمجتمعات العربية.

عمل امتلأ بالنفحة الوجودية التي بدأت بالانتشار في أصقاع العالم والانحدار البشري والهزيمة التي ستتوالى على البلاد. ربما كانت تلك النظرة مرتبطة بعض الشيء من تجربة الوحدة مع مصر وشعور الراهب بالحكم الديكتاتوري لعبد الناصر في سوريا. لكن بكل الاحوال كانت المهزومون باباً افتتاحياً لتغيير المسار الفكري والروائي ونظرة ثاقبة اتجاه ما يجري في البلاد.

الدكتوراه في الأدب الانكليزي

بعد تلك التجربة انقطع الراهب لفترة عن الكتابة وتفرّغ لدراسته حيث تخرّج من جامعة دمشق كلية الآداب ليتم تعيينه مباشرة كمعيد في قسم اللغة الانكليزية، لكن لم تمضي فترة حتى منحته الأمم المتحدة مقعداً في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليحصل منها بعد عام فقط على الماجستير ثم لينتقل إلى لندن ويحصّل درجة الدكتوراه في الأدب الانكليزي خلال سنتين ونصف منذ لحظة تخرجه برسالته المعنونة بـ (الشخصية الصهيونية في الأدب الغربي).

عاد بعد ذلك إلى دمشق ومكث فيها فترة قبل أن يقرر الرحيل، فسافر إلى اليمن ثم إلى الكويت ليعمل هناك نتيجة الكثير من الظروف التي عايشها ومن أهمها فترات التخبط السياسي منذ استلام البعث للسلطة عام 1963 والانقلابات وهزيمة 1967 حتى عام 1970 واستلام حافظ الأسد وظهور الحركة الإخوانية فيما بعد وحالة القمع التي أنتهجها النظام ضد الجميع، فقرر هاني السفر وفعلاً عمل في الكويت عشرة أعوام ما بين 1988 حتى 1998 في التدريس، لكن في تلك المرحلة بدأت تظهر ملامح المرض على الراهب حيث كشف الأطباء عن انتشار الخلايا السرطانية في جسده وخضع للعلاج لعام كامل حيث تم التقرير أخيراً أنه قد شفي نهائياً ولم يعد للمرض من وجود.

هاني الراهب بورتريه (أراجييك)

التفرغ للكتابة

في عام 1998 عاد هاني إلى دمشق مع وضع اقتصادي جيد وتفرّغ لكتابة عملين هما “خضراء كالبحار” و “رسمت خطاً في الرمال”. لكن لم يمضي وقت كثير حتى اكتشف أنّ السرطان لم يغادر جسده نهائياً وبقي لعامين يعاني من المرض العضال حتى أعلنت وفاته في السادس من شباط عام 2000 عن عمر يناهز الواحد والستين عاماً كانت حافلة بالعمل الجاد والدؤوب في تغيير مناخ البنية الروائية العربية.

ربما لم ينخرط هاني في أي عمل سياسي مباشر أو تنظير فكري على منصات كبرى لكن رواياته كانت كفيلة أن يكون لها وقع سحري على وعي جيل بأكمله. عمل في مجال الترجمة وألّف الكثير من الأعمال، فكتب فيمجال القصة (المدينة الفاضلة \ جرائم دون كيشوت \ خضراء كالعلقم) كما ألف في مجال الرواية (المهزومون \ بلد واحد هو العالم \ التلال \ شرخ في تاريخ طويل \ خضراء كالمستنقعات \ ألف ليلة وليلتان \ رسمت خطاً في الرمال \ الوباء) كما كان يعمل على مشروع رواية عند وفاته لكن لم يُنشر.

الهزيمة العربية وخطابات الانتصارات الوهمية

تدور مجمل أعمال الراهب في تأثره بالهزيمة العربية التي تجلت بخطابات الانتصارات الوهمية التي عملت الأنظمة على خداع الناس بها، ولا تخلو رواية لديه من تلك المحنة النفسية التي أثرت بجيل الستينات بأكمله، ففي روايته الأولى ونتيجة صعود التيار الوحدوي في الوطن العربي وبسوريا ومصر بشكل خاص وانتشار الفكر الوجودي في العالم آنذاك، تنبّأ الراهب بحدس المبدع ما ستؤول إليه الأوضاع والكوارث المتلاحقة ليس فقط نتيجة الأنظمة السياسية بل حتى بدور الناس في التغيير، فالمهزومون الذين يجلسون في المقاهي ويثرثرون ويصنعون الفراغ من الحلم الوجودي. شخصيات قلقة ومضطربة تعاني الاغتراب والتهميش وغير قادرة على الصمود بوجه الآلة الدموية القمعية للسلطة السياسية، إنهم يعيشون أحلامهم على قارعة الطريق ينتظرون حلاً إلهياً. تلك الرواية التي تأثرت بشكل من الأشكال بالنظرة العبثية التي اجتاحت الأوربيين بعد الحرب العالمية، كان الراهب بحدسه يراها في النماذج المحيطة به.

روايات هاني الراهبب(تويتر)

تغيير نمط السرد الكلاسيكي العربي

تطور أسلوب الراهب تدريجياً واتسعت رقعة وعيه بشأن السرد العربي الجديد، فكان منذ عام 1965 يدعو لتغيير نمط السرد الكلاسيكي العربي.

رواية رسمت خطاً في الرمال كانت قفزة نوعية، فقد انتقل من مجاز لغوي إلى مجاز بنائي تركيبي، وعمل على إدخال المحكي مع نصوصه في مزج التراث الشعبي مع الواقع الاجتماعي وثقافة الراوي وعصره والتي انعكست في مستوى الكتابة.

كانت رواية الراهب الأخيرة “رسمت خطاً في الرمال” قفزة نوعية في مسيرته الروائية فقد انتقل من مجاز لغوي إلى مجاز إلى مجاز بنائي تركيبي، لقد عمل على إدخال المحكي مع نصوصه في مزج التراث الشعبي مع الواقع الاجتماعي وثقافة الراوي وعصره والتي انعكست في مستوى الكتابة حيث رسم خارطة تراجيدية للعالم العربي فوظّف الفانتازيا وعمل على توسيع الخيال إلى أقصى حد ممكن حتى وصف البعض الرواية أنها عبارة عن رواية خيالية. لقد انتقل الراهب من صلاح الدين حيث جيوش اسرائيل تحاصر ثالث الحرمين إلى داروين الذي لم يدرس تاريخ العضويات بالنسبة للحكام الذين يعملون على تقزيم الإنسان إلى بديع الزمان الهمذاني الذي جلبه الراهب ليكون في مكان وزمان ثانٍ.

“رسمت خطاً في الرمال” إنها أعجوبة الراهب الذي أراد إعادة تشكيل التراث والتاريخ والإنسان العربي بالصورة التي يريدها ناقداً حاداً ومناضلاً يحتاج لقارئ يفكك رموزه العميقة، مناضل من طراز آخر.

لقد كان هاني رجلاً حياتياً وهو ما جعله قريباً من البشر، متواضعاً ومجداً وفاعلاً، لا شخص يكتفي بالقول. في رأيه بجائزة نوبل قال: “بالنسبة لجائزة نوبل أنا لست مرشحا لها والذي كتبته حتى الآن هو ثماني روايات اثنتان منها فقط جديرتان بالقراءة والست الأخريات لابأس بهن ولدي كذلك مجموعتان قصصيتان, وهذه الجائزة إذا استثنينا منها الجانب المالي وهو جانب لعله الشيء الإيجابي الوحيد فيها , جائزة سيئة السمعة جداً نظراً لتدخل السياسة فيها بعيداً عن الاعتبارات الثقافية ومن ذلك بشكل خاص ترويجها قيماً إمبريالية ورأسمالية لا تناسبني أنا العربي الذي أعتز بتراثي وحضارتي”.

قدّم هاني في مشواره الأدبي منذ المهزومون حتى رسمت خطاً في الرمال ومروراً بالتلال وألف ليلة وليلتان وغيرها من رواياته الإنسان الذي لا يملك الحق سوى بالموت، الهزمة والوجع والواقع الرديء، إنها أعمال تنبأت بمستقبل أصبح تاريخاً مؤلماً، أفلا يحق لنا بعد كل ذلك أن نحتفي بالراهب الذي تنبأ بالمستقبل دون أن نعي تنبؤاته. أجل إنه الراهب عرّاف تاه في ذاكرة الأدب السوري.

مصدر (صالح الرزوق، أبطال روايات هاني الراهب: أجيال و نماذج) (بشير البكر، هاني الراهب رسم خطاً في الرمال) (خليل صويلح، هاني الراهب مصل مضاد للجنون)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.