هاتف عمومي

عباد يحيى

يمكن التأريخ للتغيّر الفارق في مسار هيفاء باللحظة التي أدرك فيها مدير إذاعة محليّة كان يتصل بالمصرف مستفسرا عن تأخّر حوالة يترقّبها، أن هيفاء موهوبة. بل أن هيفاء تملك صوتا نادرا لم يلج أذنيه شبيه له من قبل، وأنه سيفعل أي شيء للتعاقد معها للعمل في إذاعته المسموعة جيدا في محافظة رام الله والبيرة، وما حولها من بلدات ومدن.

وهذا، مع صحته، اجتزاء للحقيقة واختزال لها، أما حقيقة الحقيقة وتفاصيلها فيمكن القول إنها تكشّفت ضمن ثلاث مراحل.

الأولى، خلال المكالمة الهاتفية مع قسم استعلامات الهاتف في المصرف، حين بدأت المكالمة بعبارة هيفاء التقليدية: “هنا قسم استعلامات الهاتف في المصرف الوطنيّ فرع رام الله التحتا، وأنا هنا لمساعدتكم، أنا هيفاء”.

والأمانة الموضوعية تقتضي القول إن هيفاء رغم تلقيها ما يزيد على مئتي اتصال يوميا، لم تفقد عبارتها الافتتاحية رونقها ورنينها الخاص. بل يمكن القول إن هيفاء وفي كل مرة تقول فيها عبارتها الثابتة تمنحها إيقاعا مغايرا مختلفا عن كل المرات السابقة.

ولو أن مهندس الصوت الذي بات يعمل معها في برنامجها الليليّ في الإذاعة، حصل على أرشيف اتصالاتها من المصرف، واقتطع عبارتها الافتتاحية، ورتب كل العبارات على شريط المونتاج، وأفلت المؤشر ليقرأها؛ لتوفرت أمامه مقطوعة طويلة بديعة حافلة بالالتواءات والتعرجات الملحنة المرنمة، تصلح كإثبات علميّ على أن أبدع آلة موسيقية عرفتها البشرية هي الحنجرة.

و”هيفاء” حين نطقتها هيفاء، فعلت بمدير الإذاعة فعلها، نسي أمر الحوالة المتأخرة، ونسي أن زوجته تجلس إلى جانبه وتستمع للمكالمة، ونسي ازدحام دورته البرامجية، وأنه لا يملك دون مشورة مالكي الإذاعة أن يضيف إليها أي برنامج، وقال لهيفاء دون مقدمات: “أنا مدير الإذاعة الأولى، وأعرض عليك العمل معنا يا هيفاء”.

أما المرحلة الثانية من تكشّف الحقيقة فترافقت مع ما جالَ في خيال مدير الإذاعة حين رفستْ زوجته الطاولة، وخرجت من الصالة نحو أيّ مكان آخر لا يعرض فيه زوجها العمل على النساء لمجرد أن صوتهن ذو إيقاع مختلف.

وللأمانة فصوت زوجة مدير الإذاعة عاديّ، بل هو الصوت العادي تحديدا، لا يرنّ ولا يطنّ، يرقّ في مواطن التفخيم، ويتفجّر في مواضع الرقة، وأسوأ ما فيه أنها لا تتقن تقطيع الكلام ولا ترنيمه ليناسب معنى ما تقول وتقصد، ومع كل هذا لا تتقن اختيار الوقفات المؤثرة.

وفي الحقيقة، ما كان لأيّ رجل أن يلحظ كل عيوب صوت زوجة مدير الإذاعة، إلا مدير الإذاعة المعروفة واسعة الانتشار، فهو يرى ويسمع ويشمّ الناس من أصواتهم. وزواجه بها كان ملفا متأخرا على مكتب القدر، أنجزه على عجل دون أي مراعاة أو عناية.

وما جالَ في خيال مدير الإذاعة هو أن هيفاء هيفاء، وهذا كان خطأ فادحا لا يليق بمدير إذاعة مثله، فهو بحكم الخبرة الممتدة لما يزيد على عشرين عاما يدرك أن احتمال انطباق الصوت الجميل على الجميلة، أقل بكثير من احتمال إجابة وزير متهم بالفساد على اتصال مكتب التحرير في صبيحة محاكمته. وفي الحقيقة فإن احتمال انطباق الصوت الجميل على الجميلة أقل من احتمال محاكمة وزير بقضية فساد أصلا.

إلا أن صوت هيفاء كان فريدا إلى حدّ أوهم مدير الإذاعة بأن الاحتمال الضئيل الذي لم يصادفه قط، قد تحقق، وهيفاء هيفاء. ومن فرط سحر صوتها نسي مدير الإذاعة عشرات المذيعات اللواتي فعل صوتهن بخياله الأفاعيل، ثم عبرت الحقيقة الأبواب تتدحرج بأكوام من الترهلات ومساحيق التجميل لتهرس خيالاته بل وتقلبها.

فمنذ أمد بات خيال مدير الإذاعة يفعل فعلا معكوسا، فيبدع في تخيل دمامة صاحبة الصوت الجميل، ووصل الأمر به حدا جعله يعتقد أن العلاقة بين الصوت الجميل والجمال الفيزيائي لصاحبته، هي علاقة عكسية. وعمليا كانت زوجته شاهدا حاضرا بقوة على صحة هذه العلاقة، بل هي شاهد متطرف على صحتها.

أما الجزء الثالث والمتمم لملابسات عمل هيفاء في الإذاعة، فمتصل بما كان ينقص الإذاعة، فهي تعاني شحا حادا في الدفء. كانت ساعات البث باردة تماما.

حين أتت هيفاء لمقابلة مدير الإذاعة في مكتبه، وبعد تجاوزه لخيبة الأمل ورضّة الحقيقة وصفعة المنطق وبصقات النسب المئوية الضئيلة، كان واضحا أن لدى المدير فجوة واحدة في ساعات بث إذاعته، وكانت لدى هيفاء كل إمكانيات رتقها، ولم يبق إلا طرح العرض من جانبه والموافقة من جانبها.

قال بالحد الأدنى من الكلمات رغبة في حسم الأمر فورا ودفعها للخروج بسرعة ليتنفس؛ إنه يريد برنامجا يذاع عند انتصاف الليل، برنامجا لا نمطيا، مختلفا صريحا، يكسر الرتابة ويمزّق العادي.

كانت هيفاء ذكية، بل يمكن تفسير واقعيتها الجافة وإدراكها لما لديها على أنه ذكاء خاص، وكان لديها إلى جانب الذكاء الخاص ذاك؛ حدس مسبق جعلها تتنبأ بالقادم، فخبأت الكلمات تحت لسانها لتقذفها في أذني مدير الإذاعة في اللحظة المناسبة، فيوافق على ما تقول دون نقاش.

بدأت هيفاء بعرض تصورها للبرنامج الدافئ ذاك، وانسابت الكلمات تفتح لنفسها كل الطرق المستغلقة كورقات نقدية في يد عملاء المصرف.

في تلك اللحظات من شرح هيفاء أدرك مدير الإذاعة حقيقة صغيرة مهمة، وهي أن صوتها يبعث فيه رغبة للإغماض وإطباق الجفنين، صوتها كان دعوة صريحة لإراحة العينين من وظيفتهما الأزلية، وإرخاء السمع وتسيّده.

لا يمكن إنكار أن دوافع إغلاق العينين أمام هيفاء وهي تتحدث، تتجاوز أثرَ صوتها، فما ستقع عليه العينان لا يبعث فيهما أي رغبة بمواصلة النظر أو التحديق. ولذلك كله أغمض عينيه واستمع لشرح هيفاء، ولم يفتحمها إلا حين نطقت باسم البرنامج.

وقفتْ قبل نطق الاسم وقفة صغيرة متأنية مشرعة على القادم، تمهّد له وتؤطر ترقبّه، ثم وقفت بعد الاسم وقفة بارعة مغلقة كاملة منحته زخما مهولا.

قالت:

“هاتف عموميّ”
– … –
الألفة قاتلة، ومن يألف شيئا لسنوات طوال كما ألف عبّاس الوظيفة لن يقوى على تصور حياته، ولا العيش، من دونه، وفي الغالب سيحبّه. حتى الشر المطلق والألم المطبق يمكن أن تحوّلهما الألفة إلى مرغوب باعث على السكينة.

ومع صحة هذه الفرضية، كان عبّاس يمتلك قابلية خاصة في شخصه وتكوينه النفسيّ تجعله يَألف سريعا، ويخاف حدّ الفَرَق أي غريب جديد مستحدث. وداء الألفة ذاك هو ما جعل برنامجه اليوميّ غاية في الانضباط والرتابة، وبات مساره اليوميّ ثابتا كثبات السنوات المالية وانتظامها.

ولأن الألفة والاعتياد تكالبا على عبّاس، ولأنه دون أهل بعد أمه ودون أصدقاء – أصدقاء حقيقيين ليسوا مجرد طارحي سلام وتحية-، كان يكره العطل والأعياد. كانت أياما تصبح فيها الدنيا سوداء فلا يعرفها كأنها غريبة عنه تماما. أي يوم يخلّ بسير الأيام كما ألفها عبّاس يصبح مكروها بغيضا.

لذلك استجدى عبّاس المدراء المتعاقبين على إدارة المصرف ليسمحوا له بالعمل أيام العطل الأسبوعية والأعياد والمناسبات الدينية والوطنية. ومن ساير عبّاسا وجاراه من المدراء وأكمل الحديث متسائلا عن نوع العمل الذي يريده عبّاس في العطلات والمصرف كله مغلق، لم يجد إجابة واضحة، بل عبارات من قبيل “أي شيء.. أي شيء”.

في حالات نادرة كان أحد المدراء يطلب منه القدوم إلى منزله لمعاونته في أعمال خاصة ويدفع له لقاء ذلك، وفي الغالب كانت تلك الأعمال تندرج في خانة البستنة وصيانة المنزل الواسع وملحقاته.

أيامها وجد عبّاس متعة غامرة في طلاء الجدران، بل يمكن القول إن عبّاسا اكتشف في تلك الأيام أن طلاء الجدران هواية تنسيه الدنيا، ولذلك وفي أيام العطل الكثيرة كان يطلي جدران منزله الصغير، يطليها أسبوعيا بألوان مختلفة، فيصرف ساعات نهاره كاملة في طلاء حائط.

كانت تلك هواية وعادة سريّة لا يدري بها أحد، ولو أن بائع الطلاء يعرف عبّاسا لأدرك أن في الأمر خطبا ما، إلا أنه ظنّه يمتهن الطلاء وحسب.

والحقيقة أن عبّاسا ألف رائحة الطلاء وأدمنها دون أن يعلم، وما كان أولَ الأمر مجردَ هواية جديدة ممتعة، أصبح مع الزمن قدرا، وكبّلت الألفة عبّاسا بقيد جديد، مُدَعّم بحاجة خلاياه لتلك المركبات التي تحويها رائحة الطلاء ومذيباته.

ولولا أن بيت عبّاس يمتاز بتهوية جيدة، فهو أشبه بجزيرة تحيط بها ثلاثة شوارع، لكان الرجل طريح فراش أبيض في مستشفى ما، وعلى الأغلب لن تأتي أختاه البعيدتان لعيادته، ولن ينتبه أحد في المصرف لغيابه، وإن انتبهوا سيبتسمون لأن شيئا ما طرأ على حياة عبّاس الرتيبة.

وبما أن مجرى أيام عطل عبّاس بات واضحا، لا بد من إجلاء مجرى أيام عمله، وتلك تبدأ عند السادسة، حين يستيقظ دون منبه فيعدّ فطوره المختصر، ويلبس أحد قميصيه وبنطالا من الكتّان، أبيضَ تقريبا، وفي أيام البرد يضيف سترة كحلية.

يخرج من البيت القريب من البلدية مراقبا بدء وصول الطلاب الصغار إلى مدرسة الفرندز المعروفة، ويقطع الشارع المحاط بالبيوت القديمة سيرا على قدميه صوب مبنى المصرف.

وبعد انتهاء ساعات عمله يقطع خمسة مترات متراخيا صوب المقهى الصغير الجاثم منذ سنين مقابل مدخل المصرف. هناك يجلس عباس مع عجائز المدينة العائدين للموت في أرض الوطن، بعد إتلاف شبابهم في الأمريكيتين. ينصت دون تفاعل واضح إلى أحاديثهم عن شبابهم الغابر قبل سفرهم خارج رام الله، يتحدثون عن المدينة حين لم تكن مدينة، ويستذكرون مرّاتهم الأولى في كل شيء.

كانت تلك الأحاديث اليومية الرتيبة تضفي تشويقا على أيام عبّاس ومساءاته، إلا أنها مع مرور الوقت غارت في داخله حتى غدا أحد أولئك العجائز بطريقة أو بأخرى. أصبح يشعر أنه منهم، وحين يعبر طرقات المدينة يشعر أنه لا ينتمي إلى نسختها الحالية، بل إلى تلك التي تتحدث عنها صحبة المقهى. وهذا ربما سبب آخر دفع عبّاسا لمواجهة حياته الراهنة ببرود مضاعف.

ومع إضاءة البلدية لإنارة الشوارع قبيل مغيب الشمس، يمضي عبّاس نحو البيت، ويكاد يدوس على خطاه الصباحية نفسها، كأنه يصرّ على محوها وصولا إلى تلك الخطوة الأخيرة/ الأولى عند عتبة باب بيته، يمحوها ويدخل موصدا الباب ويومه معًا.

في الطريق صباحا ومساء يلقي التحية على كل من يصادفهم في مشهد أزليّ لا يتغيّر، البقال والخياط وبائع الحمص والفول والفلافل والخباز وبائع الخضروات والفاكهة وعامل محطة الوقود ورجال الدين مسيحيين ومسلمين وصاحب محل الشواء وأولاد صاحب الحانة الكسولين، وبعض رجال الشرطة، وصبيان محل الحلويات.

ومن يفوّت عبّاس تحيته صباحا يصادفه في المساء، ولا يطرأ جديد على قائمة تحياته إلا حين يباع محل في الطريق أو يؤجّر إلى صاحب مصلحة جديد، يطرح عبّاس السلام دون أي رغبة في التعرف أو في التثبت من هوية القادم الجديد، خاصة بعد تكاثر القادمين الجدد وتغير الكثير على جانبي الطريق.

كل شيء في حياة عبّاس كان يبدأ لتحقيق غاية محددة، ثم يغدو الشيء بحد ذاته هو الغاية. والوظيفة أول تلك الأشياء، أمه الثانية التي يرعاها دون أمل برد دَين أو جميل، ودون تفكير بالتناسب بين تفانيه وإخلاصه، وقيمة راتبه البسيط في عرف المدينة المغالية في غلائها. ولكن الراتب بالنسبة لعبّاس وحياته، كثير ويفيض عن الحاجة، ويسمح تراكمه في حسابه المصرفيّ بشراء كل الطلاء الموجود في مخازن المدينة.
– … –
عند هذا الحد من التفكير تتوقف هيفاء وتمسك زمام خيالها، لأن الخالة، وعند أي حديث عن امرأة وأكثر من رجل واحد أو اثنين على الأكثر، تقفز إلى خيال هيفاء كفاصل إعلاني سمج يقطع عليها مشاهد اللمس الأثيرة في الأفلام السينمائية.

واللمس هنا لا يعني بأي حال المشاهد الحميمة المعروفة المبتذلة الدارجة، اللمس الذي تعنيه هيفاء هو ما قصدته وهي تعترض على متصل في الحلقة الثامنة عشرة قال إن الحاجة الجسدية بين الجنسين متصلة كلها بالعلاقة الجنسية والدافع الجنسي.

على الأغلب لم تكن الحلقة مخصصة لموضوع قريب مما أثاره المتصل، ولكنها طريقة هيفاء في الاستطراد وتساهلها مع تحريك المستمعات والمستمعين للحلقة وحريتهم في جذبها إلى أي مساحة يحبون الحديث فيها.

خلال الاتصال قاطعت هيفاء المتصل بلطف وتمنّت عليه ألا ينزلق إلى التعميم وقالت: “إن قناعتك عزيزي بأن كل ما يحتاجه الجسد من جسد آخر متصل بالعملية الجنسية هو افتراض شخصي، وأعرف أن كثيرين يفكرون مثلك. حاجة اليد ليد أخرى تلمسها ليست متصلة بمسار تطور الأمور إلى فعل جنسي، قد تكون حاجة عضوية خاصة جدا باليد، أو الوجه أو الظهر، الحاجة إلى اللمس شيء يسقط عند ربط كل حاجات الجسد بالفعل الجنسي.

أعترف لكم أحبائي المستمعين بأنني لم أقرأ هذا في كتاب أو بحث ولم أسمعه من أحد، ولكنه رأي أقترح عليكم التفكير به.

في أحيان كثيرة تظهر حاجتنا لأن نلمس من شخص لا نرغب به كشريك في الفعل الجنسي. هنالك حاجة خاصة ومهمة للمس تتعلق بكل عضو على حدة دون ربط كل شيء بالجهاز التناسلي كما يحب الكثيرون.

هل تريدون مزيدا من الصراحة؟ نعم، فهذا ما نلتزم به في هاتفنا العمومي. يمكن لكثيرين ممارسة فعل جنسي كامل دون أي إشباع لحاجة الجسد والأعضاء للمس. وقد تكون الحاجة للمس ألح وأهم عند كثيرات وكثيرين من حاجاتهم الجنسية.

أعرف أنكن وأنكم تدركون ما أقول تماما. لا تستهينوا باللمس. وأرجوكم أرجوكم تجنبوا التعميم والجزم في هذه الساعة، نحن هنا لنعرف أنفسنا أكثر، ولسنا هنا ليطرح كل منا ادعاءاته كأنها معلومات ثابتة.

اسمحوا لي بجملة أخيرة: ما الذي يبقى لنا حين تشيخ أجسادنا غير القدرة على لمس من نحبهم والرغبة في لمسهم إيانا؟!”
* مقاطع من رواية “هاتف عمومي” الصادرة منذ أيام عن “الأهلية” في عمّان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.