في ذكرى الجلاء والاستقلال… .!!! – عبدالرحيم خليفة

ليست المرة الأولى التي يحتفل فيها السوريون بعيد الجلاء؛ فقد مر على جلاء المستعمر الفرنسي؛ الذي إحتلهم؛سنوات طوالا (17- 4 – 1945) وعقودا متعاقبة؛ ولعله من زمن بعيد لم يعد الإستقلال يعني لهم الشىء الكثير؛ بل و ربما قطاع منهم يترحم على زمن الإحتلال ذاك؛ مقارنة بما قاسوه؛ إن لم يكن على مدى سنوات حكم آل الآسد فأقله في السنتين الماضيتين؛ من “إحتلال” وطني بز بممارساته إحتلالات آخرى على مستوى العالم؛ بالسلوك والممارسة؛ والقبح والفظاعة …
إحتفال هذا العام يكتسب معاني مختلفة؛ فهم يحثون الخطى نحو تحررهم من “إستعمار” محلي الصنع؛ من أبناء جلدتهم؛ عمل على تغيير ثقافتهم ومزاجهم وقيمهم بكل السبل المتاحة والممكنة؛ بل أزال من ذاكرتهم الوطنية الجامعة؛ رموزا وأحداثا ومحطات تاريخية؛ تفيد بمعنى الإستقلال وتضحياتهم الكبرى لآجله؛ ليكتب لهم تاريخهم “الوطني” من مبتدأه حتى منتهاه مربوطا به؛ ومتسقا معه.
معركة الإستقلال “الثاني” تبدو كلفتها أكبر؛ وأكثر فداحة؛ بالنظر إلى شراسة عدوهم؛ وتغير عالم اليوم؛ وتبدل حتى مفهوم ” الإستقلال” نفسه؛ في ظل العولمة والهيمنة التي تأخذ أشكالا متعددة؛ تتجاوز الشكل “الكولونيالي” المباشر لتأخذ أشكالا آخرى؛ كان يظن أنها “ناعمة” أو بقفازات من حرير؛ كالغزو الثقافي والفكري؛ و الإستغلال الإقتصادي…ليكتشفوا أنهم أمام مزيج من ” إحتلالات ” بشعة تتطلب منهم معارك “تحرير ” متعددة ومختلفة …
لم يكن الإستبداد والطغيان مقدمة للإحتلال؛ كما كنا نقول على مدى سنوات؛ وليس صحيحا البتة ما كنا نردد عن وكالة النظم عن الإستعمار العالمي والقوى الخارجية؛ بل وضخ بما لا يرقى للشك؛ ولا يحتاج إلى الدليل والبرهان أن هذا النوع من النظم هو إئتلاف من الإستعمار القديم (المباشر- الكولونيالي) والحديث ( الهيمنة _ الإستغلال – تغيير الهوية ) والطغيان والإستبداد؛ ليعطي بنتائجه؛ ومفاعيله على الآرض؛ وباختزال معقد ومرير؛ كل تلك الآثار السلبية مجتمعة؛ التي تترتب على الإحتلال بنوعيه والإستبداد وأشكاله؛ والتي حصيلتها تدمير الإنسان والمجتمع؛ والإطاحة بالماضي والحاضر؛ ومحاولة مصادرة المستقبل.!!!
منذ الإستقلال الآول فشلت النظم والحكومات التي تعاقبت على الحكم؛ بغض النظر عن طريقة وصولها وشرعيتها؛ وإشادة البعض بفترات محددة من هذا التاريخ المضني؛ فشلت في أن تستطيع بناء الدولة والإنسان؛ وهما ركيزتا أي مجتمع أو أمة ومعيارهما الآساس في الحكم على نجاحهما أو إخفاقهما في الوفاء لآي مشروع وطني إولى أولوياته الإستقلال ..!!!
اليوم؛ في معركة الإستقلال الثاني؛ أو عهد الجمهورية الثانية؛ بعد إسقاط النظام؛ يتوقف على إعادة بناء الدولة والإنسان؛ الحكم على نجاح الثورة أو فشلها أو تعثرها…فثورة الحرية والكرامة إنطلقت لأجل إعادة تصويب خلل كبير تمثل في تطابق الدولة والنظام والمجتمع؛ وسحق إنسانية الإنسان وإلغاء وجوده؛وهو ما يتطلب إعادة صياغة عقد وطني جامع أساسه المواطنة؛ وإقامة دولة الحق والعدل والقانون؛ وفصل السلطات عن بعضها البعض؛ والعناية بالإنسان وتربيته؛ كونه المحرك الأساس لعجلة التاريخ…إلخ من مفاهيم وقيم حداثية؛ باتت معروفة؛ ومحل إجماع وطني….
لسنا الوحيدين بين أمم وشعوب الآرض الذين مروا بمراحل متعددة إلى أن تمكنوا من ” الإستقلال” وبناء المشروع الوطني الخاص بهم؛ وإن بقي هذا المفهوم نسبيا في حاضر عالمنا اليوم؛ كما ذكرت آنفا؛ ولكننا بكل تأكيد ربما نكون من أكثر شعوب المعمورة التي كلفها “الإستقلال” كل هذه الكلفة الباهظة ؛ وهذا الثمن؛ الذي لايبدو حتى اللحظة أنهم إنتهوا من سداده؛ بل ربما سيظلون يدفعونه لسنوات قادمة؛ ولكنهم باصرار وعناد على تحدي الواقع وإقتحام المستقبل.!!!
منذ لحظة الإستقلال الآول وحتى الآن؛ محطات كثيرة تستدعي إعادة القراءة والتوقف عندها في سعي السوريين لتحقيق إستقلال ناجز؛ عجزوا عن تحقيقه بالمعنى الكامل؛ ولكنهم اليوم أقرب ما يكونون إلى تلك اللحظة التاريخية التي يتطلعون إليها ويصبون إلى تحقيقها…
تتداخل معاني الجلاء والإستقلال؛ فهي لا تقتصر على تحرير الآرض وحدها؛ بل وحرية الإنسان وإرادته وذهنه…وإمتلاكه لقراره في تقرير مصيره ومستقبل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.