نيّة مبيَّتة وتوقيت مدروس (١٠٠) قتيل ضحايا الاقتتال الفصائلي خلال يومين شمال سوريا

 لليوم الثالث على التوالي، ما زالت دماء الأبرياء تسيل هنا وهناك رغم المناشدات المتكررة لتجنيب المدنيين الصراع؛ الذي يشهده الشمال السوري المحرر من أقصى جنوبه إلى شماله بين الفصائل المعارضة، والمحال أن ينتصر فيه أحدهم على الآخر.

الأيام السورية؛ أحمد عبيد

اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام قبل يومين في ريفي إدلب الشمالي وحلب الغربي، في محاولة من الأخيرة بالسيطرة على مدينة دارة عزة بالريف الحلبي، وسرعان ما اشتدت وتيرة الصراع الذي استخدم فيه الطرفان الأسلحة الثقيلة والمتوسطة حتى انتقل إلى ريف حماة الشمالي وريفي إدلب الجنوبي والشرقي، في عملية توسيع رقعة السيطرة من كلا الطرفين.

وأعلنت هيئة تحرير الشام أمس سيطرتها على مدينة دارة عزة بريف حلب الغربي، وقرى فليفل، والملاجة، وكفر موس وكفر سعة، والفقيع، وأرينبة، وأن الصير جنوبي إدلب، وقرى راشا، وميدان غزال، وشير، ومغار، وقراجرن، وشولين في منطقة جبل شحشبو بريف حماة، بعد اشتباكات وصفتها بالعنيفة مع الجبهة الوطنية للتحرير، مشيرة إلى أنّها أسرت عدداً من عناصر الأخيرة، واستحوذت على بعض عتادهم الثقيل والفردي.

تداول نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مرئياً يظهر شرعي تحرير الشام “أبو اليقظان المصري” يقود مجموعة اقتحام داخل مدينة دارة عزة، مشيرين إلى فتواه الشهيرة السابقة “أضرب في الرأس” حين أفتى بإطلاق الرصاص المباشر على عناصر “أحرار الشام” في اقتتال سابق، وآخر يظهر مجموعة من عناصر الجبهة الوطنية واقعة بين قتيل وجريح في أيدي عناصر الهيئة، وسط تكبيرات وتحميدات “بالنصر!!”

https://youtu.be/nt2FtXQivQE

فيما بيَّن مدير المكتب الإعلامي للجبهة الوطنية للتحرير “محمد رشيد” لصحيفة “الأيام” أن عناصر الجبهة الوطنية تمكّنوا من استعادة السيطرة على معظم القرى التي سيطرت عليها تحرير الشام مؤخراً بريفي حماة وإدلب الجنوبي، بعد معارك استمرت نحو ١٥ ساعة بين الطرفين، مؤكّداً مقتل مجموعة مؤلفة من ١٥ عنصراً تابعة للهيئة قرب بلدة بلنتا في ريف حلب الغربي.

وامتنع مدير المكتب الإعلامي عن توضيح مجريات العمليات العسكرية الدائرة، واعداً بالتصريح لصحيفتنا بالحقائق والأسباب المباشرة في الأيام القليلة القادمة.

بيان الجبهة الوطنية للتحرير لإعلان النفير العام -المصدر: تلغرام

وكانت الجبهة الوطنية للتحرير قد أصدرت بياناً أعلنت فيه النفير العام لكافة مكوناتها لصدِّ ما أسمته “عدوان” الهيئة، واستعادة المناطق التي خرجت عن سيطرتها مؤخراً في أرياف حلب وإدلب وحماة، مشيرةً إلى أنّها اتخذت هذا القرار بعد سلسلة الاعتداءات الأخيرة التي قامت بها الهيئة التي تدل على استخفافها بدماء الثوار وامتناعها عن الاحتكام للشرع ومقامرتها بالمصالح العليا للثورة.

قتلى مدنيون وأزمة طرق:

تناقل متابعون على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي أخباراً تفيد بأنَّ أكثر من ١٠٠ قتيلاً بينهم مدنيون قضوا خلال اليومين الفائتين جرّاء الاقتتال الداخلي الدائر، إضافة لعشرات الإصابات المتوسطة والحرجة.

مراسل الأيام السورية تواصل مع مدير فريق منسقو الاستجابة الطارئة المهندس “محمد حلّاج” الذي بيَّن أنَّ فريقه وثّق ارتقاء ١٠ مدنيين بينهم ممرض في ريفي حلب الغربي وإدلب، إضافةً لإصابة  أكثر من ٣٥ مدنياً، لافتاً أنَّ فرق الإسعاف والوصول الإنساني تواجه صعوبات كبيرة في مساعدة المصابين في بعض المناطق، وتعجز عن دخول مناطق أخرى.

وأشار الحلّاج إلى أنّ القوى المتنازعة تفرض حصاراً خانقاً على بعض بلدات ريف حلب الغربي، مثل عندان، وحريتان، وكفر حمرة، ما تسبب بأزمة في مادة الخبز بسبب نفاذ الطحين الموجود في الأفران.

وبدوره، قال الناشط الإعلامي “عمر الشامي” المقيم بريف إدلب الشمالي بالقرب من الحدود السورية التركية لصحيفة “الأيام”: “شهدت بلدة دير بلوط اشتباكات عنيفة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة بين الجبهة الوطنية للتحرير وهيئة تحرير الشام، في محاولة من الأخيرة بالسيطرة على المنطقة، ما أدّى إلى ارتقاء شاب وإصابة ٥ آخرين من مهجري جنوب دمشق داخل مخيم دير بلوط”، مؤكداً أنّ حركة نزوح كبيرة شهدها المخيم في ظل الاشتباك الحاصل.

وتابع الشامي: “دارت اشتباكات أيضاً في بلدة أطمة الحدودية شمال إدلب؛ اشتباكات استمرت نحو ٥ ساعات، سقط خلالها أكثر من ٣٠ قذيفة هاون على أطراف البلدة، ما أدّى إلى ارتقاء مدني وإصابة ٧ آخرين بينهم حالات خطيرة”.

وأكّد الناشط الإعلامي ارتقاء الطفل محمد الشايش البالغ من العمر ١٠ سنوات وإصابة ٤ من قاطني مخيم معراتا شرقي بلدة تلمنس بريف إدلب.

ومن جهته، صرَّح المتحدث الإعلامي باسم حركة نور الدين الزنكي “محمد أديب” أنَّ مجموعة تابعة لتحرير الشام كانت قد أقدمت على اعتقال مجموعة مدنيين وعسكريين من منازلهم في بلدة أورم الكبرى بريف حلب الغربي وقامت بتصفيتهم ميدانياً.

منسقو الاستجابة
-المصدر: تلغرام

مناشدات ومطالب:

أصدر فريق منسقو الاستجابة الطارئة بياناً طالب فيه كافة الجهات المسيطرة على الأرض بإيقاف عمليات الاعتداء المتكررة على المدنيين بشكل فوري، وتجنيب المنشآت والكوادر الطبية وفرق الدفاع المدني الاقتتال الدائر والاستهداف المباشر.

ولفت الفريق في بيانه أنَّ استهداف كوادر العمل الإنساني والطبي في المناطق المحررة سيخلّف عواقب كارثية على المدنيين من الجانب الخدمي، مشدِّداً على ضرورة احترام القوانين الإنسانيّة من قبل الفصائل العسكرية وإبعاد المدنيين ومنظمات المجتمع المدني عن خلافاتهم.

كما ناشد نشطاء سوريون الفصائل المتناحرة على إبرام هدنة فيما بينهم، تتمكن من خلالها فرق الإسعاف والدفاع المدني من نقل عشرات الجرحى

بيان المجلس العسكري في كفرومة-المصدر: تلغرام

والشهداء من مناطق الاشتباك بريفي حلب وإدلب.

في حين طالبت المجالس العسكرية في بلدتي كفرومة وكفر عويد بريف إدلب الجنوبي عناصر هيئة تحرير الشام المتواجدين في القريتين بتسليم سلاحهم للمجلس في غضون ٢٤ ساعة، مؤكدةً أنّ من يخالف القرار ويمانعه يعتبر دمه مهدوراً.

ومن جهته، أصدر المجلس الإسلامي السوري بياناً دعا فيه جميع فصائل الجيش الحر إلى الوقوف صفاً واحداً لدحر الهيئة حتى لا تتمكن من العودة إلى العدوان مجدداً، مطالباً الهيئة الثورية وجميع أنصار الثورة بالتظاهر والاحتجاج ضد العمل الآثم والعدوان الغاشم الذي تقوم به تحرير الشام “بحسب البيان”.

وشدد المجلس في بيانه على دعوة عناصر تحرير الشام إلى الابتعاد عن صفوفها حتى لا يكونوا وقوداً لمعارك تزهق فيها الأنفس البريئة، وترق فيها

بيان المجلس الإسلامي السوري -المصدر: تلغرام

الدماء الزكية.

نية مبيتة وتوقيت مدروس:

ومن جهته، قال مسؤول المكتب السياسي للواء المعتصم العامل في ريف حلب الشمالي “مصطفى سيجري” لصحيفة “الأيام”: “ما تقوم به الهيئة اليوم من اعتداءات ليس بالأمر الجديد علينا ولم يكن مستغرباً” مشيراً إلا أنها تقوم بالتجهيز لهذا الهجوم منذ مدة ليست قصيرة.

وتابع سيجري: “إنّ محاولات تحرير الشام الأخيرة بالسيطرة على مدينة دارة عزة ومناطق نفوذ الزنكي تهدف إلى فصل مناطق إدلب وما حولها عن مناطق الجيش الوطني، وأيضاً اختيار التوقيت لم يكن عبثاً، بل من شأنه عرقلة استعدادات الجيش الوطني وإفشال معركة منبج”، مستشهداً بالاقتتال الذي افتعلته مطلع العام الفائت بالتزامن مع التجهيز لمعركة تحرير عفرين من الأحزاب الكردية التي كانت تسيطر عليها آنذاك.

في حين امتنع الناطق الإعلامي باسم هيئة تحرير الشام “عماد الدين مجاهد” الذي تواصلنا معه “هاتفياً” عن توضيح أسباب الهجوم على مناطق سيطرة حركة “الزنكي” التابعة للجبهة الوطنية للتحرير، والذي كانت قد بررته الهيئة مسبقاً باتهام مجموعة تابعة للزنكي بالتسلل إلى أطراف قرية تلعادة بريف إدلب الشمالي واغتيال ٥ من عناصر الهيئة قبل أيام، والذي قابلته الجبهة الوطنية بالنفي وإعلان جاهزيتها على الخضوع لمحكمة شرعية يتفق عليها الطرفان.

خوف وذعر ودماء بريئة… هل سيبتلع أحدهما الآخر أم لـ”الموز” دور في الصلح مرة أخرى؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.