نوع جديد من الإدارة يولد الآن في الولايات المتحدة وأمام أعيننا

بناءً على التطورات التي شهدها العالم منذ أحداث 11 سبتمبر، فإننا قد نشهد ميلاد نظام سياسي وأسلوب إدارة جديد على الساحة الأمريكية، ولكن لا اسم له حتى اللحظة، ويمكن الاستدلال على هذا النظام الجديد من خلال 5 نواحٍ رئيسية تظهر بها مؤشرات هذا النظام الجديد – ولو بصورة خافتة – وهذه النواحي هي :
1.  الحملات السياسية والانتخابات.
2.  والخصخصة من خلال تزاوج الدولة ورأس المال.
3.  ونزع الشرعية عن نظام الإدارة التقليدي.
4.  وتمكين إدارة الأمن الوطني لتصبح فرعًا رابعًا للحكومة لا يمكن المساس به.
5.  وأخيرًا تسريح وإبعاد عامة الشعب من الجيش.
·      ويبدو أن هذا التغيير يرتكز – على الأقل جزئيًّا– على تزايد النسبة التي تشكلها الثروة والسلطة في طبقة بوتوقراطية جديدة وإدارة الأمن القومي التي لم تتوسع إلى هذا الحد من قبل .

ولا شك أن هناك شيئًا ما خارجًا عن المألوف، ولكن مخاض الولادة يمكن تصنيفه في عدة جوانب تشكل النظام الأمريكي المتعارف عليه إلى حد كبير والذي يشهد الآن بعض الفوضى إلى حد ما.
· إقتصار الإنتخابات على قطاع قدره 1%
· مع متابعة مع الأخبار التي تلخص الانتخابات المنعقدة خلال عام 2016، سيروادك شعور بتكرار الكثير من الأحداث، وفي البداية، فالأسماء الأكثر ارتباطًا بهذه الانتخابات هما : بوش وكلينتون، وهما اسمان مألوفان؛ فهاتان العائلاتان تتوارثان فرص خوض المعارك الانتخابية الأخيرة على نحو مثير للفضول.

وإذا فاز أحد أفراد عائلة كلينتون أو بوش في انتخابات 2016 ثم في انتخابات 2020، فإنهم بذلك يفرضون سيطرتهم على الرئاسة خلال 28 عامًا من أصل آخر 36 عامًا – فيما وُجهت الانتخابات الأولية الباكرة التي تدخل في الحسبان إلى مجموعة صغيرة مكونة من أصحاب الملايين والمليارات، وهي مجموعة جديدة من الطبقة الخاصة التي تمتلك من المال ما يمكنهم – سواء بأنفسهم أو من خلال شبكات تمويل معقدة– من إغداق الحملات أو المرشحين الذين يقع عليهم اختيارهم بملايين الدولارات – وبذلك فإن تلك الانتخابات الأولية الباكرة قد أقيمت في مناطق سياحية مثل لاس فيجاس ومدينة رانتشو ميراج بكاليفورنيا وسي آيلاند بولاية جورجيا، وقد تم تغطيتها على نطاق واسع – وتتضمن هذه المنافسات السياسيين المنبطحين الذي يظهرون ويتحركون برهن إشارة الأثرياء والأقوياء.
· ومن هنا يأتي النظام الانتخابي الجديد الذي يغطي قطاعًا نسبته 1%، فقد كانت لجنة العمل السياسي الرئيسية الداعمة لهيلاري تهدف إلى جمع مبلغ قدره 500 مليون دولار استعدادًا لخوض الانتخابات في 2016، فيما وعدت شبكة الأخوين كروش بالفعل بضخ حوالي 1 مليار دولار في موسم الحملات المقبل، وهم بذلك يضاعفون مجهوداتهم بعام الانتخابات الرئاسية الأخير  –  ومنذ أن فتحت المحكمة العليا الحد الأقصى للإنفاق وذلك من خلال قرار اللجنة الانتخابية الفيدرالية الأمريكية المختصة بالمواطنين والصادر عام 2010، وقد شهدت كل انتخابات تالية التبرع بمبالغ تحطم جميع الأرقام القياسية وإنفاقها.
·كما لا يصح القول بأن الانتخابات الأولية لعام 2016 ستضم مصوتين حقيقيين، فالموسم الانتخابي السابق وتحديدًا انتخابات منتصف الفترة لعام 2014 قد تكلفت حوالي 4 مليار دولار وهو رقم قياسي على الرغم من عدد صغار المتبرعين الذين واصلوا ضخ الأموال، ولكن هذه الانتخابات شهدت كذلك أقل إقبال للمصوتين بانتخابات منتصف الفترة منذ الحرب العالمية الثانية. ولا يهم ما تفعله هذه الأموال الجديدة المتدفقة في مثل هذه الانتخابات، في حين أننا نشعر بمدى عدم المساواة الذي يلقي بظلاله على العملية بأكملها، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى اتجاه جديد.
·الخصخصة من خلال تزاوج السلطة ورأس المال (ميل الولايات المتحدة نحو توجهات دول العالم الثالث)
·كشفت التغطية الأخيرة لملف رسائل البريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون عددًا لا حصر له من الإشارات المبهمة، وهي بالطبع قد حذفت الكثير من هذه الرسائل، فوزيرة الخارجية الأمريكية قد اختارت إنشاء نظام خاص لنفسها وآمن لأداء مهامها الحكومية.
·وهذا الأمر لم يقع في إحدى دول العالم الثالث كالقاهرة مثلًا، ولكنها فعله أحد المسؤولين بأكبر دولة على وجه الأرض في وقتنا المعاصر، وحتى إن لم تكن هذه المرة الأولى الذي قد يحدث بها أمر كذلك، ولكنه يعد إشارة صغيرة لأمر أكبر أو غير مسبوق ألا وهو: تواصل سياسات الخصخصة بالدولة الأمريكية أو على الأقل قطاع الأمن الوطني بها.
·لتزاوج رأس المال والسلطة باع طويل، ولكن ظهور مفهوم الشركات المقاتلة بصورته الكاملة لم يحدث قبل أحداث 11 سبتمبر، وهي ما ستعتبر لحظة حاسمة لأي تغيير ستشهده البلاد في المستقبل – فبعد مرور 13 عامًا، لم ينج أي جانب من حالة الحرب من مظاهر الخصخصة والتي لم تكن بالضئيلة، فالجيش الأمريكي لم يعد بوسعه أن يخوض أي حرب من دون الشركات الملازمة له والتي تؤدي المهام المرتبطة بالمطبخ والحراسة وتوصل البريد وتبني القواعد، بل إنها تشارك تقريبًا في جميع الأنشطة العسكرية بما في ذلك تدريب الجيوش الحلفاء الأجانب بل وحتى المشاركة في القتال.
ومثل هذه الشركات المقاتلة تتدخل الآن في كافة جوانب إدارة الأمن الوطني بما في ذلك التعذيب وهجمات الطائرات التي تكون بلا طائر، بل وحتى المشاركة في إبرام مئات الآلاف من عقود التوظيف ومن بينها إدوارد سنودن، وذلك في مجال المخابرات والتجسس.
 ويمكن القول إذًا أنه قد خضع لخصخصة جزئية على أقل تقدير – ولا شك أن القطاعات البعيدة عن صناعة الحرب والمشروعات الأمنية بالحكومة الأمريكية في طريقها لأن تخضع لهذا النوع من الخصخصة أيضًا.
نزع الشرعية عن الكونغرس والرئاسة، من جهة أخرى، تستمر ثقة الشعب الأمريكي في نظم الرقابة والتوازن التي تتبعها الفروع الحكومية الثلاث في التراجع وفقًا لحسابات منافذ التصويت؛ فنسبة الأمريكيين الذين يعربون عن قدر كبير من الثقة في المحكمة العليا قد تراجعت لتحقق أدنى مستوياتها بنسبة 23%، أما الرئاسة والكونغرس فحققا 11% و5% على التوالي. (فيما سجل الجيش نسبة قدرها 50%).
 وحققت فئة “لا يوجد أي ثقة على الإطلاق” النسب 20% و44% وأكثر من 50% على التوالي، وهي أو تكاد تكون أعلى أرقام يتم تحقيقها على مدار العقود الأربعة الأخيرة.
ولا نبالغ إذا أشرنا إلى أن الكونغرس قد شارك خلال السنوات الأخيرة في عملية نزع الشرعية من نفسه بنفسه، فقد كان هذا الكيان يتمتع بصلاحيات كاملة لإعلان الحرب، أما الآن فإنه يناقش – بأسلوب عشوائي– إمكانية “التفويض” لخوض الحرب ضد الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.
ماذا يمكن للرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي اشتهر للحملة التي قادها ضد وجود كونغرس لا يؤدي مهام فعلية أن يقول حيال تحوله إلى كيان بالكاد يفعل شيئًا على أرض الواقع، أو حتى تحقيق مساعي مؤيدي الحرب الجمهوريين، وهو ليس بالشيء القليل. كما إنهم يبرهنون على قدرتهم على نزع شرعية الرئاسة بنفس الفاعلية.

وأكبر مثال على ذلك هو الدعوة التي وجهها زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس النواب “جون بينر” إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” لإضعاف المفاوضات التي يجريها الرئيس مع إيران بشأن الطاقة النووية، والخطاب الذي وجهه 47 نائبًا جمهوريًّا لتوجيهه إلى القادة الدينيين بإيران (ممن يطلق عليهم آية الله)، ومن الواضح أنهم أرادوا كبح جماح ما يعرف باسم “الرئاسة الإمبراطورية” والتي لطالما تباهى الجمهوريون بها منذ وقت ليس ببعيد.
 فيما أشار القائد الأصولي الإيراني علي خامنئي إلي هذا الخطاب بوصفه علامة على تراجع الأخلاقيات السياسية وانهيار النظام الأمريكي من الداخل.
وبحلول القرن الحادي والعشرين، فجمهوريو “الحكومة الصغيرة” وجمهوريو “الحكومة الكبيرة” يوافقون على منح الجيش والإدارة الأمنية الوطنية دعمًا غير مشروط.
أما الديموقراطيون – وإدارتهم بشعبية كبيرة ويواجهون هجومًا متواصلًا ممن يعارضون الرئيس أوباما- فقد استمروا على وتيرة واحدة قوامها التحالف والاندماج مع الإدارة الأمنية الوطنية.
هذا الرئيس الذي كان رافضًا للتعذيب وداعمًا لسياسات الوضوح والشفافية في حكومته عند تنصيبه، فإنه وعلى مدار أكثر من 6 سنوات يضع نفسه على مصاف الجيش الأمريكي ووكالة الاستخبارات الأمريكية ووكالة الأمن القومي وغيرهم.
وبعد أن أطلقت إدارة الرئيس أوباما حملة غير مسبوقة ضد كاشفي الفساد ومسربي أسرار الحكومات (فضلًا عن سياسات الوضوح والشفافية)، فإنها بذلك تبرهن على دورها القوي في تمكين مفهوم الدولة داخل الدولة، كم من الغريب أن تصل “الرئاسة الإمبراطورية” إلى هذا القدر في النهاية تصاعد سلطة الإدارة الأمنية الوطنية بإعتبارها سلطة رابعة للحكومة.
 من الواضح أن سلطة هذا الفرع من الحكومة تتصاعد وتكتسب وبوتيرة سريعة مزيدًا من الاستقلالية عن أي نوع من أنواع الرقابة، بل إنها تحقق جميع تطلعاتها بلا أي معارضة تقريبًا في واشنطن، وهو أمر غير معهود في وقتنا الحاضر. وخلال الحرب المعلنة على الإرهاب، ترعرعت إدارة الأمن الوطني باعتبارها هيئة قائمة بذاتها وصعودها يعد أسطوريًّا.

ولا بد من الإشارة إلى نشأة وزارة دفاع متكاملة الأركان أخرى في هذه الفترة باعتباره حدثًا جللًا، على الرغم من أنه قلما ما يتم التصريح بهذا الحدث، وبما أن البنتاغون يتمتع الآن بمزيد من الحصانة، وبذلك فإن كل من هذين الجهتين محاطة بمجموعة متزايدة خاصة بها من الشركات الخاصة وجهات الضغط والحلفاء السياسيين. ومن ثم فإن عسكرة الدولة تتقدم إلى الأمام بسرعة فائقة خلال هذه الفترة.
وهذه المضاعفة التي يتضمنها مجتمع المخابرات الأمريكية متمثلةً في 17 هيئة وجمعية رئيسية لشيء مذهل للغاية، وخاصةً مع تعاظم قدرتها على المراقبة والتجسس على نطاق عالمي وحتى على مواطنينها لتتفوق في ذلك على ما اشتهرت به الدول.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.