نوافذنا المفتوحة على الريح

الأيام السورية؛ سلام أبو شالة

للنوافذ والأبواب في حياتنا حكايا كثيرة؛ قصصٌ تمتد مع ” السوالف العتيقة” التي ترويها جدّتي على “مصطبة الدار” إلى نُزُل “الفواييّه” في مدينةٍ شمال فرنسا، بينما ينأى العرب والمسلمون عن استقبال السورييّن؛ بل.. ينفرون منهم فرارَهُم من المَجذوم!.

أفتح نافذتي التي تُطلّ على الواقع اليوم، فتنساب أمامي آلاف الصور التي تُكوِّن نهر الذكريات القريبة والبعيدة في آنٍ معاً.. بينما تسير وهي تتعثر تارةً بالحصى؛ أو تهبط مُسرِعةً كالشلال من فيض أليمٍ للذاكرة المتعبة.

“دود الخَلّ منّا وفينا”.. هذا ما قالته لي جدتي منذ سنوات في عمر مضى؛ كما في زمنٍ قادم.. قد يُكرِّر نفسه، بدايةً.. بالمخبرين الذين يأتون مع قوات نظام الأسد ويعتقلون الشباب ومعهم مُخبِرٌ قد خبّأ وجهه كاملاً بطاقيةٍ من الصوف؛ تاركاً فيها.. ثقبين لعينيه القبيجتين.

قلتُ “لسلفتي” فايزة بعدما حكت لي عن المُخبر المُقنَّع:

– إنكم تعرفونه كما يعرفكم.. لذلك أخفى وجهه الكريه.

فتابعت المسكينة بحزنٍ:

– “عندما جاؤوا واعتقلوا زوجي وأخذوا سيارته وأغراض البيت ومصاغي أيضاً، تمَّ حبسي مع أولادي في أحد غرف المنزل في بلودان وغادروا، ثم جاء أحد الجيران وفتح لنا الباب بعد ساعات”.

لو كنت أعلمُ مَن هم هؤلاء المُخبرين المُقنَّعِين من أبناء بلدتنا ذاتها.. لأخبرتها أيضاً؛ بأنّ من سرق لي جواز سفري قبل مغادرتي لبنان بيومٍ واحدٍ.. كان أحدَ أقرباء زوجي؛ وكان مُخبراً لنظام الأسد.. ولم أكن وقتها أدري، وظلَّ مُخبراً له حتى بعد تهجيره من الزبداني إلى لبنان!؛ وهذا حالُ عددٍ لا بأس به من السوريين الذين حصلوا على لجوءٍ في أوروبا.. وما يزالون مُخبرين عند النظام؛ وحالُ من صار مُخبراً لنظام البلد الذي حلَّ فيه؛ يتطوّع لكتابة التقارير ضدّ السوريين في تغريبتهم أيضاً؛ ويكِيد لهم كما كان يكيدُ في بلده.. كما هو الحال في تركيا؛ وفي سواها من بلدان اللجوء!.

الوطن اليوم.. لأزلام الاستبداد والمُخبرين والقتلة؛ وللرماديين أيضاً.. ولِمَن يبحث عن خلاصه الفرديّ وليس عن الخلاص الجماعيّ لشعبه ولوطنه.

ما بِحِك جِلدَك إلّا ضفرك.. مثلٌ شعبي جميل يحكي عنّا، لأنك إن أردت فعل شيء ما.. فافعله بنفسك أو استعِن بسمسارٍ حتى يُنجِزَهُ لك!؛ فلا شيء بدون مقابل. إنها فلسفة نظام الأسد على مدى عقودٍ من الفساد والإفساد؛ حتى أصبحت السرقة “شطارة”  والنَصب “فلهوية”؛ وحَلَّ مصطلح “بيعرف يدبِّر حالو” و “عسكرية دبّر راسك” مكان مصطلح ” عَ البركِه” عندما يقف أحدٌ قرب التنّور، ويتناول “فرنيّة” ساخنةً من يد إحداهنّ.

إذا جارك بخير إنتِ بخير..  وتدخل في هذا المثل الذي يحضُّ على التآخي معانٍ جميلة، كما يدعو مصطلح “العُونِه” أيضاً إلى التعاون بين الناس ومساعدتهم لبعضهم البعض، ومصطلح “التتريب” كذلك.. ويعني بناء سقف المنزل الطينيّ؛ حيث يتعاون جميع أهل القرية في بنائه.. على عكس ما كان يجري في ظل نظام الأسد عندما تريد أن تبني غرفةً صغيرة على سطح بيتك يشتكي عليك جارك في الحارة نفسها.. وتأتي شرطة البلدية لتقبضَ المبلغَ “المعلوم” حتى لا يسجلوا عليك مُخالفةَ البناء، وإذا غضّوا النظر لسببٍ أو لآخر تتمّ الشكوى في مركز المحافظة في دمشق!.

الصديقُ اليومَ ليس وقت الضيق.. لأنه صديق منفعته.

والوطن ليس لكَ.. لأنه لأزلام الاستبداد والمُخبرين والقتلة؛ وللرماديين أيضاً.. ولِمَن يبحث عن خلاصه الفرديّ وليس عن الخلاص الجماعيّ لشعبه ولوطنه.

أما المجتمع فنسيج برَّاقٌ.. لا أكثر؛ لكنه هَشٌّ ومُهترئ مفعمٌ بالأنا ومُليء بثقوب الفساد والانتهازيّة والوصوليّة؛ ولهذا سقط رداؤُه وتعرَّى.. مع أول صرخةٍ للحرية.

والسؤال.. لماذا لا ننتقد أنفسنا.. ونعترف بأخطائنا؛ فلسنا جميعنا من صنف الملائكة فقط؛ وإن كنّا كذلك.. فمِن أين جاءت كلُّ هذه الشياطين؛ وكلُّ هؤلاء القتلة والمخبرين والسماسرة وتجار الحرب والمساعدات الإنسانيّة.

ألا ينطبق المثل الشعبيّ علينا كسوريين.. إذا أردنا إسقاطه على مقولة بقاء نظام الأسد حتى اليوم:

إللّي بياخُد إمي.. بيصير عمّي

وخلاصة القول:

نعيش أوهاماً كبيرة وخاطئة عن أنفسنا كسوريين؛ فإذا لم ننتصر عليها، انتصرت علينا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.