نكبة أرواحنا أحيتنا جيل بعد جيل

الأيام السورية - الاء محمد ابنة الجولان

خمسون عاماً، في كل عام ظلام جديد وروح تعتاد الألم وقصص تتكرر مع روايات الأجداد للأحفاد، وحب لوطن مسلوب لا نعرفه إلا ببعض الصور التي يرسمها خيالنا عند سماع حكايات التهجير.

خمسون عاماً، ولم تنسَ جدتي أصوات خطواتهم أثناء النزوح، طالما حدثتني عن تلك اللحظة، وأكثر ما كانت تعيد روايته “أنها نسيت أن تحضر ملابس كافيه فعادت وأحضرتها، كان الجنود الصهاينة في القرية، وفي عودتها استطاعت أن تحضر كم (رأس غنم) لم يفعلوا لها شيئاً بل تركوها تأخذ ما تريد”.

كل هذه السنوات وماتزال ذاكرة النكبة كما كانت في تلك اللحظة، كل يوم جدي يروي لنا قصة أرضنا المسلوبة، وكأنه يشاهد فيلماً أمامه.

كنت أتساءل!!

كيف لم يموتوا من الشوق

لم يقتلهم حديثهم عن البارحة

ولم تصدأ مفاتيح بيوتهم في القرية؟

حتى أوراق الطابو، كان والدي يحتفظ بها في صندوق خشبي قديم، يقول لنا: “هذه الأوراق لأملاكنا وأراضينا هناك، عندما نعود لوطننا سنعيش في بيوت كبيرة لها أرض ديار واسعة، ونزرع فيها من كل أنواع الفواكه والخضار”.

لم يقنطوا يوماً من أمل العودة لأرضهم…

أذكر جيداً، عندما كنت في السادس الابتدائي، كان أبي متحمساً لفكرة عودة الجولان من الاحتلال، وبدأ يحدثنا عن طفولته القصيرة فيها، ويرسم لنا أحلاماً.

حتى أنني حينها رسمت غرفتي ولونت حائطها واخترت زينتها.

وخلقت في مخيلتي صورة للجولان من خلال الأحاديث، كنت أبحث عنها في حارات دمشق، وقرى درعا ومزارعها وشلالاتها.

طالما بحثت داخل وطني عن وطن يحنو علي، عن عمري الصغير في هذه الحياة الطويلة، عشت نازحة في وطن أحمل جنسيته.

نحن ورثنا الألم من أرواح أجدادنا وآباءنا كما ورثنا حب الوطن، ولم تكن النكبة على الذين عاشوها فقط، بل على كل جيل يأتي من بعدهم، نكبت قلوبنا ولا علاج لها.

في عشوائيات دمشق القديمة أمضيت عمري، وأردت ألا تكون الحقيقة مختصرة في أن حكومتي هي نفسها من باعت أرضي للصهاينة.

أردت، ألا أخاف من القول بأني حاقدة على “آل الأسد” لأنهم تركوني أعيش في وطني كمواطن درجة ثانية، وألا أشعر بالإهانة عند مناداتي “يا نازحة”.

هل تعلمون عدد الطعنات التي وجهت لنا نحن أبناء النكبات، “أذلاء وفقراء ونازحين ولاجئين وغيرها الكثير”؟

أعترف…

أنني كنت أكذب عندما ابتسم لأحد قال عني “نازحة”… لم أرغب بهذه الكلمة أبداً.

بين الحين والآخر يأتي صوت يذكّر بالوقت الذي مضى في ظل النكبات، يصرفني عن التفكير ويشتت الانتباه ويزيد من حدة التوتر في محيطنا.

سؤال يخطر ببالي دائماً، لماذا نحن مليئين بالحروب والنكبات واللجوء؟

الحرب، لماذا نكتب عن كل شيء فيها، تفاصيلها، ولِما اختارتنا وأسبابها وقتلاها ومصابيها والبيوت المدمرة والنساء الأرامل والوردة المليئة بالدماء، وصور الأطفال المليئة بالذل والضعف. ولكنني لم أيأس يوماً، طالما جادلت في هذه الحياة أنا والكثير من ضحايا النكبات، كتبنا الألم على الورق ومحوناه من يومياتنا، ابتسمنا للمستقبل.

نعم، سوف نتذكر كل نكبة في كل دقيقة، ولكننا مستمرون في البقاء والأحلام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.