نعيش في زمن أسود

آه: نحن الذين أردنا‬ أن نمهّد الأرض للمحبّة‬، لم نستطع أن يحبّ بعضنا بعضا‬.. أمّا أنتم،‬ فعندما يأتي اليوم،‬ الذي يصبح فيه الإنسان صديقاً للإنسان‬، اذكرونا‬ وسامحونا.

برتولت بريشت
ترجمة أحمد حسان

حقّاً، إنّني أعيش في زمن أسود!‬
الكلمة الطيّبة لا تجد من يسمعها‬
الجبهة الصافية تفضح الخيانة‬
والذي ما زال يضحك‬
لم يسمع بالنبأ الرهيب.‬

أيّ زمن هذا؟‬
الحديث عن الأشجار‬
يوشك أن يكون جريمة‬
لأنّه يعني الصمت على جرائم أشدّ هولاً‬

ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال‬
ألا يستطيع أصحابه‬ الذين يعانون الضيق‬
أن يتحدّثوا إليه؟‬

صحيح أنّي ما زلت أكسب راتبي‬
ولكن صدِّقوني، ليس هذا إلّا محض صدفة‬
إذ لا شيء ممّا أعمله‬
يبرّر أن آكل حتّى أشبع‬

صدفةٌ أنّي ما زلت حيّاً‬
(إن ساء حظي فسوف أضيع)‬
يقولون لي: كلْ واشربْ !‬
افرح بما لديك!‬

ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب‬
على حين أنتزع لقمتي‬
من أفواه الجائعين؟‬
والكأس التي أشربها‬
‬ممّن يعانون الظمأ؟‬
ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب!‬

نفسي تشتاق أن أكون حكيماً‬
الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم‬
هو الذي يعيش بعيداً ‬
عن منازعات هذه الدنيا‬
يقضي عمره القصير
بلا خوف أو قلق‬

العنف يتجنّبه‬
والشرّ يقابله بالخير‬
الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه‬
بدل أن يعمل على تحقيقها‬

غير أنّي لا أقدر على شيء من هذا‬
حقّاً إنّني أعيش في زمن أسود.‬

أتيت هذه المدن في زمن الفوضى‬
وكان الجوع في كلّ مكان‬
أتيت بين الناس في زمن الثورة‬
فثرت معهم‬
‬وهكذا انقضى عمري‬
الذي قُدِّر لي على هذه الأرض‬

طعامي أكلته بين المعارك‬
نمت بين القتلة والسفاحين‬

أحببت في غير اهتمام‬
تأمّلت الطبيعة ضيِّق الصدر‬
وهكذا انقضى عمري‬
الذي قدر لي على هذه الأرض.‬

الطرقات على أيّامي‬
كانت تؤدّي إلى المستنقعات‬
كلماتي كادت تسلمّني للمشنقة‬
كنت عاجز الحيلة‬

غير أنّي كنت أقضّ مضاجع الحكام‬
(أو هذا على الأقلّ ما كنت أطمع فيه)‬
وهكذا انقضى عمري‬
الذي قدّر لي على هذه الأرض.‬

القدرة كانت محدودة‬
الهدف بدا بعيداً‬
كان واضحاً على كلّ حال‬
غير أنّي ما استطعت أن أدركه. ‬

وهكذا انقضى عمري‬
الذي قدّر لي على هذه الأرض‬
أنتم يا من ستظهرون‬
بعد الطوفان الذي غرقنا فيه‬

فكّروا‬
عندما تتحدّثون عن ضعفنا‬
في الزمن الأسود ‬
الذي نجوتم منه.‬

كنّا نخوض حرب الطبقات‬
ونهيم بين البلاد‬
نغير بلداً ببلد‬
أكثر ممّا نغيّر حذاءً بحذاء‬

يكاد اليأس يقتلنا‬
حين نرى الظلم أمامنا‬
ولا نرى أحداً يثور عليه.‬

نحن نعلم‬
أنّ كرهنا للانحطاط‬
يشوّه ملامح الوجه‬
وأنّ سخطنا على الظلم‬
يبحّ الصوت‬

آه: نحن الذين أردنا‬
أن نمهّد الأرض للمحبّة‬
لم نستطع أن يحبّ بعضنا بعضا‬

أمّا أنتم‬
‬فعندما يأتي اليوم‬
الذي يصبح فيه الإنسان صديقاً للإنسان‬
اذكرونا‬
وسامحونا.

مصدر  من كتاب قصائد برتولت بريشت، ترجمة أحمد حسان
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.