نظرية المؤامرة كتفكير إيجابي والقطيع الاجتماعي السائد

النتيجة بأنّ نظرية المؤامرة أو من يعشقون وصفها بذلك، هي ليست شيء سلبي إنما في جوهرها افتراضات ريبية إزاء أشياء تم وصفها بالحقائق لكنها ليست ثابتة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ زمن بعيد وفكرة نظرية المؤامرة، أو مصطلح المؤامرة، يشغلني بطريقة ما، ليس بالمعنى السياسي الذي تستخدمه بعض الحكومات والدول في تمرير مشاريعها الخاصة من كذب وتلفيق.. الخ؛ بل بالاتهام الدائم لكل فكرة مغايرة عن السائد الثقافي والاجتماعي، ولا تملك أساسيات الإثبات لأنها أساساً ناتجة عن افتراضات أناس ليسوا في موقع القرار والتحكّم أو الاكتشاف.

لتبسيط الأمر، ما هي نظرية المؤامرة التي يصفها الجزء الأكبر من الناس المؤمنين بحقيقة الأشياء القائمة، لأناس يفترضون شيء مغاير عن تلك الحقيقة القائمة؟ الجواب هو في السؤال نفسه، نظرية المؤامرة هي عدم الاقتناع بالسائد غير الثابت وعدم القدرة على إثبات الاختلاف عن السائد لأنها لا تملك القرار.

إنها بالضبط إعادة إحياء افتراضات كانت القوة الاجتماعية والعقلية والثقافية في المجتمعات قد أزالتها من مجموعة افتراضات أخرى واحتفظت بافتراض واحد وجعلته الحقيقة الذي يجب أن يمشي عليه هذا الكوكب، لأنه يناسب مصالحها القائمة. إعادة إحياء الافتراض المنقرض أو الذي تم استبعاده من القوى المسيطرة على المجتمعات وعلى أدوات الثقافة والتفكير والإعلام والعلوم والفنون، هو بالضبط ما يُطلِق عليه القاعدة الشعبية من القطيع الاجتماعي والثقافي اسم نظرية المؤامرة.

لنأتِ بمثال بسيط، هناك حقيقة قائمة في العالم الأدبي والثقافي اليوم، وهو ما جعل علماء الآثار والأنثربولوجيا أن يغضّوا النظر عن حقيقة الأمر، رغم أنه غير مهم كثيراً لمعرفة حقيقته من عدمه، لكنهم غضّوا النظر ولم يتحدثوا عن صحة تلك النظرية، لكن الجميع متفق ضمناً على أنّ هوميروس الذي قدّم الألياذة والأدويسا هو شخصية حقيقة وكانت موجودة في التاريخ الأغريقي، رغم أنه لا وجود لأي إثبات علمي أو تحليل شيفرة وراثية لوجود مثل ذلك الشخص، وما عملية وجوده إلا من خلال الأثر الأدبي فقط، دون أن يناقشوا افتراض مغاير عن السائد الذي يخدم مصلحة الواقع بوجود هوميروس، أنّ الملحمتين ربما تجميع موروث قائم لمئات السنين من الذاكرة الشعبية ولا تمّت أصلاً لشخص معين.

لا أحد من محللي الثقافة والتفكير والأدب وحتى علماء دارسي التاريخ الإنساني أو الآثاريين، يريد إعادة اكتشاف افتراض ربما يكون صحيحاً، ووصم كل أحد يتحدث بعقلية الافتراض المنقرض، بعقلية المؤامرة.

لا أحد من محللي الثقافة والتفكير والأدب وحتى علماء دارسي التاريخ الإنساني أو الآثاريين، يريد إعادة اكتشاف افتراض ربما يكون صحيحاً، ووصم كل أحد يتحدث بعقلية الافتراض المنقرض، بعقلية المؤامرة.

وجود هوميروس كشخص يحقق مصلحة القوة الحالية القائمة ثقافياً وسياسياً، وعملية افتراض شيء مغاير عن السائد سيغيّر المعادلة التي أصلاً لا أحد يريد تغييرها.

المشكلة ليست بالقوة التي تتحقق مصلحتها في الدفاع عن افتراض تم اعتماده حقيقة فقط ونفي كل الافتراضات الأخرى، بل إقناع القطيع الاجتماعي في العالم بصحة ذلك الافتراض الذي اتخذته قوة معينة لمصلحتها وجعلت الآخرين يدافعون عنه باسم كل ما يفترض شيء مغاير “بنظرية المؤامرة” وكأنها إدانة وانحطاط للتفكير البشري ووصمة عار للتخلف الإنساني، وبأنّ القطيع التابع لتلك القوة والمدافع عن حقائقها الافتراضية هم الحقيقة الذكيّة على هذا الكوكب.

طبعاً مثال هوميروس قد يكون غير مهم كثيراً في عالم اليوم، لكنه مثال لشرح مفهوم ما يُطلق عليه اسم نظرية المؤامرة، وإسقاط شكل هوميروس على كل شيء آخر.

بمثال ثانٍ، الفيزياء الكونية تفترض حقيقة واحدة وتنفي كل ما عداها، وهو أنّ احتمالية وجود حياة خارج الأرض على كواكب أخرى، يجب أن تكون حياة كربونية فقط؛ إنها تماماً عملية إسقاط الذات على عالم، إلى حدود اللحظة هو ما نعرفه بأنه مُؤسس على شكل مادي كربوني، دون افتراضات لحياة ذكية غير كربونية، إنها تماماً إغلاق التخيّل البشري على قاعدة معرفية ثابتة وإقناع كل البشر بها ووصم كل من يتجاوزها، بالمؤامراتي كوصمة عار معرفية وذهنية.

افتراض وجود حياة لا كربونية، لا أحد يريد أن يقوم بسردية فيها إلا القلة، لأنها حتى اللحظة تعارض (ليس العلم الحالي، بل في الدرجة الأولى القوة العلمية المستفيدة من هذه الحقيقة بأنّ الحياة هي كربونية فقط ولا يجوز اعتماد افتراض مغاير)؛ في السنوات الأخيرة بدأ الناس الشعبيين المهتمين بالفيزياء الكونية قبول فكرة حياة لا كربونية لأنّ هناك افتراض فيزيائي عن نظرية الأوتار الفائقة تم طرحه.

من يؤمن بنظرية الأوتار الفائقة بالنسبة للقطيع المعرفي الشامل هم من أصحاب نظرية المؤامرة ووصمهم بالغباء لأنّ لا إثبات لنظرية الأوتار، ما زالت افتراض تخيلي، لكن هذا الافتراض يهدم كل منظومة النمط العقلي والثقافي القائم سياسياً واجتماعياً ودينياً وحتى علمياً على كوكب الأرض.

الآن من يؤمن بنظرية الأوتار الفائقة بالنسبة للقطيع المعرفي الشامل هم من أصحاب نظرية المؤامرة ووصمهم بالغباء لأنّ لا إثبات لنظرية الأوتار، ما زالت افتراض تخيلي، لكن هذا الافتراض يهدم كل منظومة النمط العقلي والثقافي القائم سياسياً واجتماعياً ودينياً وحتى علمياً على كوكب الأرض.

هناك بالطبع أنواع من نظريات المؤامرة الغبية لأنّ المعلومات فيها يقينية، مثلاً أصحاب نظرية الأرض المسطحة هم من أجناس المؤامرة الغبية، لأنّ كروية الأرض أصبحت حقيقة لا يمكن التشكيك بها. لكن أي شيء يمكن اختلاق افتراض مغاير عن السائد الذي يخدم مصلحة القوة القائمة، هو ضرورة تشكيكية كي لا يقع البشر في بوتقة التكرار لحقائق تم اختيار افتراض واحد منها ونفي كل الافتراضات الأخرى دون إثبات حقيقي وعلمي ودامغ لذلك الافتراض المُختار من قِبل الجهة التي صدر عنها.

النتيجة بأنّ نظرية المؤامرة أو من يعشقون وصفها بذلك، هي ليست شيء سلبي إنما في جوهرها افتراضات ريبية إزاء أشياء تم وصفها بالحقائق لكنها ليست ثابتة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.