نظام اﻷسد.. باقٍ ويتمدد

ما بين تنظيم البغدادي ونظام الأسد زواج متعةٍ سياسي، يربطه كلمة باقية إلى الأبد، فهل استخلصها النظام السوري لنفسه؟

بشار اﻷسد وريثاً للسلطة بالمصادفة

مصرع باسل نجل حافظ اﻷسد بحادثِ سيرٍ في العام 1994؛ أدّى إلى صعود نجم الطبيب الذي لم يعتد السوريون على سماع اسمه؛ بشار، لتشكّل تلك اللحظة منعطفاً سياسياً، وتاريخياً في حياة الدولة السورية، وشخص الشاب الذي لم يكن يطمح أو ينظر إلى اعتلاء منصب “الرئاسة”.

القدرُ كان حليفه، وربما استمر معه حتى العام 2011، ليهتز العرش الذي بقي أربعة عقودٍ تحت ظل شعار “إلى اﻷبد” ﻵل اﻷسد.

حاكماً رغم أنوفكم:

لم يكن سِنُ بشار اﻷسد يسمحُ له بالترشح لمنصب الرئاسة، لكن حلقة الفساد التي أحاطت بنظام أبيه، وأركان الحكم التي تحاول الحفاظ على شبكة مصالحها سارعت إلى تعديل الدستور سريعاً في سابقةٍ هي اﻷولى ضمن دولةٍ يفترض أنها تقوم على المبدأ الديمقراطي والتعددية السياسية.

اﻷرقام التي حصل عليها “بشار اﻷسد” في استفتاءٍ شكلي تفيدُ أن ّسورية مستمرةٌ في انتهاج أسلوب الحكم القديم مع تغييرٍ في الوجه ليس أكثر، الفارق بسيط، والرتوش التجميلية أزالت تجاعيد الوجه وصدّرت شاباً يحمل العقلية اﻷمنية ذاتها، ولله در القائل: “الولد سرّ أبيه”.

الهتاف وحده في المدارس السورية اختلف قليلاً، قائدنا إلى اﻷبد… اﻷمين بشار اﻷسد، البعض أخطأ في البداية وقالها بحكم العادة كما اعتاد سابقاً ودرجت على لسانه: اﻷمين حافظ اﻷسد، لكن اﻷمر مرّ طبيعياً، سرعان ما عادت اﻷمور إلى نصابها.

ما بعد العام 2011 بدا واضحاً أنّ بشار اﻷسد يسير في سياسة إحراق اﻷرض، وتدمير البنية اﻻجتماعية لسوريا، ليعيد إلى اﻷذهان، مجزرة حماة، التي كانت درساً تأديبياً من حافظ اﻷسد لكل من تسوّل له نفسه منازعته السلطة حتى وإن كان سراًّ. البعض فهم الدرس، آخرون اختاروا مصير أسلافهم… الحجة لدى هؤﻻء أنّ العالم من حولنا تغيّر، وأنّ المسار الديمقراطي إن لم نفرضه شعبياً ستفرضه واشنطن قسرياً، ومثال عراق صدام حسين مثالٌ قريب.

ما بين قتلٍ وتشريد في دول المهجر، ما بين المعتقل والمغيّب، غابت الديمقراطية التي كفر بها الشعب السوري، وبات واضحاً أنّ اﻷسد حاكمٌ رغم أنفِ معارضيه ومحبيه على حدٍّ سواء، إنه البيدق الذي يلعب لمصالح الغرب على طاولة الشطرنج وﻻ يمكن المغامرة في قتله أو استبداله.

سيناريو السقوط المدوّي:

ميدانياً وسياسياً سقطت كل السيناريوهات التي تحدثت عن صبيحة السقوط المدوّي لنظام اﻷسد، وأخفقت معها آمال التغيير السلمي والعسكري لدى الشباب المعارض؛ فيما يبدو جلياً نجاح، رئيس المصادفة بتجاوز دائرة الخطر، بعد أن ظلّ الحلقة اﻷضعف مقابل ارتفاع أوراق القوة لدى معارضيه، في الداخل، فقط.

لعبة الدجل السياسي والصراع على الكعكة قبل نضوجها من أطراف المعارضة الخارجية واختراقها نجح هو اﻵخر في تحجيم دورها وصولاً إلى سحب البساط من تحتها، وتحويلها إلى مظهر عبثي ممجوج؛ ليرتفع رصيد اﻷسد بنظامه رغم عيوبه التي أبقته الضامن لمصالح الدول اﻹقليمية والدولية، في مقابل فشلٍ واضح منع من تشكيل ضامنٍ ثوري لكيانٍ جديد ينشأ في سورية ويهيأ أرضية سياسية ندية يمكن أن تفرض نفسها على المحيط الدولي.

السقوط المدوّي كان من نصيب المعارضة السياسية والعسكرية اللتين أخفقتا حتى في تلبية مطالب الشارع الداخلي، ودخلتا دوامة الصراع البيني.

نجح اﻷسد في العبور بنظامه المتهالك، حقيقةٌ تاريخية، لكنه نجاحٌ يحمل في طياته العديد من التساؤﻻت، ويفتح باب الجدل واسعاً حول حقائق واقعية تؤدي في جملتها إلى نقل الدولة السورية باتجاه دائرة اﻻحتلال، سواء الضامن الروسي، التركي، اﻹيراني، بغض النظر عن قبول دور أنقرة من أطرافٍ في المعارضة والشارع، أو الرضا بموسكو وطهران من أطرافٍ أخرى داخلياً.

خريف الشعوب العربية:

انتصرت القبضة الحديدية مجدداً، واستطاع نظام اﻷسد كسب الرهان، على عكس اﻷنظمة العربية التي سقطت أعقاب “الربيع العربي”، وسقطت مسرحية اﻷيام المعدودة التي أطلقها الرئيس اﻷمريكي اﻷسبق، باراك أوباما، ليتحوّل فصل الربيع إلى خريفٍ في أعين الشعوب العربية التي تطلّعت إلى التغيير في مسيرة قيادتها السياسية.

ما حصل في سوريا لم يكن خريفاً داخلياً؛ بل إنّ امتداده سوف يطل برأسه على بقية الحالمين من العرب بالتغيير، أولئك الذين لديهم كل مقومات الثورة وأرضيتها الخصبة، كدولةٍ يحكمها عاجزٌ يديرها من فوق كرسيٍّ رمادي في أقصى المغرب، على سبيل المثال.

كسِبَ المعركة أم الحرب؟

عسكرياً؛ الأمر واضح، استعاد الأسد سيطرته على معظم الأرض السورية-التي أحرقها ودمّرها فضلاً عن تشريد أهلها-لكن مناطق نفوذه على الخريطة السياسية أو كما يحلو له تسميتها، السيادة، تكذب انتصاره.

تفترض الانتصارات العسكرية تحقيق مكاسب سياسية على الأرض، لكن الخريطة السورية لا تبدو وردية اللون بالنسبة للفئة المتعاطفة مع الأسد؛ فالكعكة ما تزال متفرقة بين أيدي المقاتلين الكورد، والجهاديين في الشمال، إضافةً للمعارضة المسلحة المحسوبة على تركيا، كذلك مقاتلو حزب الله اللبناني، وبقية الميليشيات الإيرانية، ما يعني أنّ السيادة الوطنية مجرد كذبة، على الأقل ريثما تنتهي إلى اليد الروسية التي تمسك بقوة بجميع خيوط الملف.

ما يعني أنّ الخطأ التاريخي الذي نرتكبه يتلخّص في اعتقاد المعارضة والشارع الموالي للأسد بأنّ المعركة حسمت وانتهت الحرب؛ بل إنّ التوقعات تسير إلى مرحلة نضال سياسي، قد يتحوّل إلى عسكري مجدداً ضد جميع القوى الخارجية بوصفها “احتلالاً عسكرياً”.

الأسد نظرياً انتصر في المعركة لكن لصالح “روسيا”، فهو ميدانياً يسيطر على المناطق الحيوية في سورية، والواقعة بين دمشق جنوباً وحلب شمالاً، وهي مناطق استراتيجية المسيطر عليها يستطيع التحكم في مفاصل الدولة.

الحرب ما تزال مستمرة؛ قد تخبو نارها زمناً بفعل الهزة القوية التي تعرّض لها المطالبون بالحرية والدولة المدنية؛ لا سيما الخذلان العربي والعالمي؛ ما سوف يفتح الباب أمام احتمالاتٍ قادمة في مقدمتها تنامي الفكر الجهادي، وليس المقصود دون شك “الداعشي”، كذلك الوطني الرافض للاحتلال بكلّ أشكاله.

باقٍ ويتمدد.. إلى الأبد:

مع نهاية تنظيم داعش، وظهور الطاووس الروسي نافشاً ريشه، يبدو أنّ “بشار الأسد” لن يتورع عن إدخال تلك العبارة إلى المناهج الدراسية، “إلى الأبد”، مع رتوشٍ يضيفها المهللون “نظام الأسد باقٍ ويتمدد”.

لتصير الجملة متكاملة، توحي عملياً أنّ اليد التي أسهمت في تدمير الثورة، تنظيم موالٍ للنظام، ولها جزءٌ من الفضل عليه، اختفاء الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي، وظهور المهدي، بشار الأسد، وفي ذلك حكمةً لمن ألقى السمع وهو شهيد.

تمدد الأسد سيكون سياسياً، مصالحاتٍ مع جيرانه، والدول الإقليمية، والغربية، ليكون عملياً استأثر بشعار التنظيم لنفسه، وأثبت أنّ فرعاً في المخابرات السورية كان وراء الشعارين.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.