نظام الأسد.. صناعة البديل الديني المُداهن

طالما كان المجتمع السوري على دراية تامّة أن المساجد تحت أعين أجهزة المخابرات، من خلال مندوبين يتم زرعهم فيها، وخاصةً أثناء صلوات أيام الجمعة، علاوة على توجيه إمام الجامع (الخطيب) نحو فحوى الخطبة، وتحديد مساراتها، بعيداً عن السياسة وكل شيء يمسّ أو يثير امتعاض نظام الأسد.

الأيام السورية؛ أحمد بغدادي

عمد نظام الأسد عبر عقود خلت منذ اغتصابه سوريا عام 1970 إلى تأسيس منهجية خاصة بالجانب الديني في المجتمع السوري.. تمثّلت في شقّين؛ الأول، يدغدغ من خلاله مشاعر الأغلبية “السُنيّة” في البلاد، على أنهم الأطناب الأساسية والمرجعية الإسلامية المعتدلة، التي تحتوي كافة الأديان (الأقليات)، وتتعايش معها بتسامح وإخاء.

وبالتزامن مع هذا الشعارات – وهي ممارسات حقيقية لأغلبية السوريين، يأتي الشق الثاني للمنهجية؛ إذ قام نظام الأسد بدق الأسافين ونشر الفتن الطائفية والعنصرية بين المسلمين والأقليات، والإثنيات. وقد فتكَ أيضاً بأغلب المرجعيات الدينية: علماء سوريا، الذين لم يرضخوا لوصاية أجهزة المخابرات وأوامرها. وسارع بمنع كل التجمعات الخارجة عن قبضته، وملاحقة أفرادها واعتقالهم. ولم يتوانَ فعلياً عن ترهيب المكونات غير المسلمة، التي نادراً ما تتجاوز خطوطه الحمراء، لخوفها من بطشه المجرّب على الشريحة العظمى!

السوريون تحت المجهر الأمني

لازمت الرقابة الأمنية الشعب السوري طيلة أربعة عقود، وقد “اكتشفتْ بلا مبالغة أسرار البيوت من الداخل”؛ هذا ليس مثلاً شعبياً أو حكاية! بل مثابرة أجهزة نظام الأسد المخابراتية على وضع “أضابير وملفّات” أمنية لكل مواطن سوري. وعليه، تم تضييق الخناق على المجتمع المحافظ – أيديولوجياً واقتصادياً.. فاستفادت نخب “سُنيّة” تتبع بالضرورة للنظام الحاكم، كان لديها العلم والمعرفة المُطلقة بهذا الحصار الممنهج والاستنزاف الطبقي؛ اللذان أنتجا ضعفاً اجتماعياً، وشرخاً عميقاً طويل الأمد، حيّد الغالبية في المجتمع السوري عن منافسة نظام الأسد سياسياً!

ومن جانب آخر، طالما كان المجتمع السوري على دراية تامّة أن المساجد تحت أعين أجهزة المخابرات، من خلال مندوبين يتم زرعهم فيها، وخاصةً أثناء صلوات أيام الجمعة، حيث تحضر أعداد كثيرة من المصلّين. علاوة على توجيه إمام الجامع (الخطيب) نحو فحوى الخطبة، وتحديد مساراتها، بعيداً عن السياسة وكل شيء يمسّ أو يثير امتعاض نظام الأسد. وتنطبق هذه الوصاية، أو الرقابة، أيضاً على مدارس ومعاهد وكليات الشريعة الإسلامية؛ ومَن يتجرّأ على الإخلال بالمسارات الموضوعة والقفز فوقها، ينتهي به المطاف في الأقبية المظلمة، أو في قبر دون شاهدة!

استثمار الأسد للمؤسسة الدينية(انباء سوريا)

البديل الديني المُداهن بين الصناعة والتأطير

بعيداً عن “الإخوان المسلمين”، لم يكتفِ نظام الأسد الأب بضرب المكوّن الديني المعتدل بيدٍ قاصمة، الذي رآه منافساً له وخطراً على حكمه “بأكثريته”، بل قام بتغليب مصلحة الأقلية الحاكمة على باقي الشعب، ونجح باستمالة جماعات إسلامية تطلق على نفسها صفة “الاعتدال”.. أمثال جماعة الشيخ أحمد كفتارو؛ الصوفيون/ النقشبنديون، الذين كان لهم موقف صريح ومساند للطاغيتين الأب ووريثه بشار، بذريعة استخدام الحكمة، لكيلا يواجه الإسلام في سوريا أي خطر.

حيث يقول علماء معارضون بالخط العريض: جماعة كفتاروا دعموا الأسدين بما يسمّى الاستفتاء أو الانتخابات، وحشدوا مريديهم وأتباعهم بين المحافظات، وخاصةً في العاصمة دمشق لنصرة الطغيان. وظهرَ هذا جلياً على وجه التحديد بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011. وفي كتابه “مذكرات في زمن الثورة” للشيخ سارية عبد الكريم الرفاعي، يذكر الأخير جانباً من التنافس والصراع ومواقف رجالات الدين والعلماء وعلاقاتهم مع نظام الأسد.

استثمار الأسد للمؤسسة الدينية في سوريا (أ ف ب)

وفي السياق ذاته، كان التمثيل الديني لجماعة كفتارو في المناسبات السياسية التي يحتفل بها نظام الأسد سنوياً حاضراً بشدة. وصار “مُجمّع أبو النور”، (كفتارو) داعماً لعدة جماعات دينية صغيرة بمباركة نظام الأسد؛ أبرزها تنظيم “القبيسيات” النسوي، الذي نشأ كما يقال بجهود خاصة من قبل “منيرة القبيسي”، التي اعتمدت هيكيلة شبه مُعلنة للتنظيم.. إذ يستهدف النساء فقط وخاصةً الطبقة الثرية للانتماء إليه.

ويشاع أيضاً، بحسب نشطاء في الدعوة حول تنظيم القبيسيات أنه نتجَ عن رحم أجهزة المخابرات، أو تم تشجيعه على الظهور في آواخر الثمانينيات من قبلها، لكسب ولائه، وتنميطه وتدجينه كما فعلوا مع علماء كثر، وأشهرهم العلّامة محمد سعيد رمضان البوطي، الذي تم تصفيته في جامع الإيمان بدمشق 21 / آذار عام 2013؛ والمرجّح أن أجهزة مخابرات الأسد هي الفاعلة؛ بإيعاز إيراني.

هذا وكان ولاء التنظيم أيضاً لكفتارو وجماعته. إذن، فهل نظام الأسد هو الذي يضع الإطار الديني حول من يريد؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.