” نصير الكادحين”.. ف ” الثورة” … عقاب يحيى

     كان يصرّ على أن يطلق على نفسه اسم ” نصير الكادحين”.. حتى أنه نسي اسمه الحقيقي، أو هكذا كان يردد ويقسم بالله العلي القدير ـ علماً أنه يرّح باستمرار أنه غير مؤمن، وإصراره أكثر على استخدام الاسم بين أصحابه، وإلا قاطعهم، أو انفجر انفعالاً، وشتماً من العيار الثوري الثقيل، المحمّل بتلك الكلمات الكبيرة التي كان يعشقها حتى الإدمان، والتي تُظهره، لمن لا يريد التعمق فيه، أنه مثقف من طراز رفيع، ومفكر قلّ نظيره.. كان ذلك قبل عصر الشقلبة.. والسقوط.. وإن أصيب بحرج كبير في العودة لاسمه الحقيقي.. لإاصيب بنوع من المرجحة، أو الدوخة الزائغة.. فظل الاسم هو الأكثر استخداماً وتداولاً. يذكّر بعشقه الغابر، وبكائياته على أطلال يتغنى بها لوقع ذاتي فيه لا أكثر..خاصة وأنه عاش فترات من التيه والقلقلة التي كان يرفض ـ زمان ـ مجرد التلفّظ بها، ويتهم أعداءه، أو من يخاصمه بها، وبالزئبقية، والمطاطية، والانتهازية.. وحتى بالدوغما وغيرها من الكلمات ذات الوزن الثقيل.. يساري ـ حتى النخاع ـ كما كان يصف نفسه . بروليتاري وإن بالانتماء إلى عقيدة البروليتاريا. أممي ولو بنكهة تشوبها بقايا قومية جاءته من النسب، ومحيط الطفولة.. وحين حدث سقوط الاتحاد السوفياتي.. كاد يُغمى عليه بجلطة.. أو هكذا ظهر أمام كل من رآه أياماً.. ثم احتجب فترة.. ليظهر شيئاً آخر … عصري، متجدد.. وحداثي من طراز “سوبر”، وانفتاحي منفتح.. وحواري شعاري .. ـ بات نصير الكادحين، وهو العلماني جداً جداً، واليساري السابق جداً جداً، ديمقراطياً جداً جداً، وليبرالياً جداً جداً جداً.. بل يمكن القول، كما يعتبر نفسه، أنه في موقع المنظّر، والمنشئ لليبرالية جديدة مفتوحة المصاريع على كل ما يخطر على البال من انفتاح.. ورغم ذلك ظلت بقايا ظلال تلك اليسارية مختبئة في التلافيف، تظهر في المنعطفات : اي الحروب المتواصلة التي يخوضها . ـ وعلى ذكر الحروب التي يعشق أحرفها، ويفصفص معانيها.. اعتبر نفسه دوماً، وأبداً محارباً من طبيعة الفرسان النبلاء.. وحين كان البعض يرشقه بتهمة التناقض بين يساريته الصارخة، وبين تشبهه بالنبلاء.. كان يعطي للنبالة معانيها الثورية…تماماً مثل انتمائه، وهو المثقف الكبير، صاحب الشهادات العالية، للبروليتاريا.. وحين اتهمه البعض أنه محارب على الطراز الدونكيشوتي، وأن كل حروبه طواحين هواء، وهباب لا يثير سوى غبار الشحّار.. كان ينتفض فجأة. يخلع رداءه الليبرالي جداً.. ويعود ذلك الفتى اليساري جدّاً، مفنداً بالحرف والفاصلة وإشارات التعجب والاستفهام كل كلمة يُرمى بها.. وحين يهدأ يستعيذ بالله العظيم.. ويعود حماسياً لليبراليته.. التي يقدمها كاكتشاف التجارب وخلائصها..ومستقبل البلاد والعباد، وطريق الرفاهية والعدالة والرشاد .. ***** ـ حتى لا نظلمه، أو نقسو عليه.. فالرجل التحق بالثورة، ولو نظرياً، منذ أيامها الأولى، واعتبر نفسه من الممهدين لها.. بل لو تركت نحلته تسرح لاعتقدت أنه أبو الثورة وأمها وعائلتها ، ومفجرها، وراعيها، وقائدها.. والدليل أنه بدّل ـ جزئياً اسمه، ليصبح نصير الثورة، وأنه يقوم بأدوار كبيرة وحيوية، بعضها سري لا يعلمه أحد غيره، وبعضها تعبّر عنه الفضائيات التي يمكن القول أنه ـ فعلاً ـ واحد من نجومها اللامعين .. ـ ظاهرةٌ نصير الثورة فيما يصف نفسه به حين يكون في حالة رواق، وانتشاء.. أو إثر بعض الكؤوس المؤثرة.. ومكتئب في حالات أخرى.. لكن اكتئابه شديد الثورية.. ولأنه عاشق حروب، أو بالأصح : مدمن ومحترف حروب فقد اكتشف أعداءه القديمين ـ الجدد في واجهة اللوحة.. وفي خندق مشترك ـ كما يفترض، وبعضهم ينازعه” ريادة” الثورة وّقيادتها، ويستخدم كل ترسانته العملية : الدين والإيمان، والخبرات والمال، وشبكات الدعم والعلاقات، والحواضن والمناخات، وردود الفعل والتحديات ليحرز شيئاً من تفوّق في الميدان جعل نصير الثورة في حالة كوابيسية تستدعي استنفاره ليلاً نهاراً فقط.. ثم إعلان الحرب المقدسة: الوطنية، والعلمانية، والثورية، والديمقراطية.. وحتى المناطقية والمكوناتية، وسواها ـ إن لزم الأمر ـ لفتح جبهة قتالية مصيرية.. لا مانع فيها من اجتثاث ذلك الآخر، لكن ـ هذه المرة ـ تحت يافطات عريضة من الديمقراطية، والليبرالية، والتعددية.. ودولة الحريات.. وشعار : الدين لله والوطن للجميع، وفصل الدين عن الدولة.. ثم مجموعة من الشعارات التي اعتبرها ترسانته ووقوده في المعركة الشاملة.. ـ في جلسة ضمته وعدد من الصحاب.. قام محركش بمحاولة نكشه، وإثارته، فطرح عليه سؤالاً فجائياً، مباشراً.. طالباً منه إجابة فورية، وواضحة .. ـ قال المحركش : بربك أوضح لي ما الفرق بينك وبين الذين تعلن الحرب المفتوحة عليهم باسم الديمقراطية؟؟… وحين احمرّ واصفر وازرقّ تصير الثورة لما يعتبره إهانة الإهانات..ووقاحة ما بعدها وقاحة أن يقارن بهؤلاء، او أن يُسأل عن أمور بديهية.. لم يستطع الإجابة.. لعل وقع المفاجأة كان أكبر من حضور ذهنه. لعل العنجهية ضربت أصفادها على الذهن.. ولعل البلبلة شربكت الخيوط فاختلطت.. ـ وكي يُكمل المحركش هجومه.. أتبع السؤال بسؤال آخر بصيغة الإجابة : انت اجتثاثي، وفرخ استبدادي.. مثلهم أؤلئك الذين تتهمهم بالاحتكار.. واجتثاث الآخرين.. وأين ديمقراطيتك التي ترفع عناوينها وتنحرها في حروبك الكابوسية ؟؟؟؟…. ـ للحالة ـ القصة .. بقية ولا شك
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.