نصر حامد أبو زيد رؤية مغايرة للتفسير السائد عن القرآن

لم يكن الخلاف الذي أثير في قضيّة أبو زيد في جوهره دينيّاً، بقدر ما كان سياسيّاً، وخطابه كان واضحاً وصريحاً، فأربك معاصريه ودفعهم لتحويل القضيّة إلى مساراتٍ جانبيّة، لتختفي أفكاره وراء مانشيتات الصحف.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

يمكن اعتبار كتاب “صوت من المنفى- تأمّلات في الإسلام” بمثابة سيرةٍ ذاتيّةٍ للمفكّر الراحل “نصر حامد أبو زيد”، وأنّ “إستر نيلسون” الأستاذة في جامعة فيرجينيا كومنولث قد ساعدته في رواية حكايته على حدّ تعبيرها. لكنّ الاتفاق الذي جرى بينهما هو أن يكتبا الكتاب معاً، وألّا تركّز مواضيعه على الأحداث التي أدّت إلى نفي أبو زيد فقط، بل أن توضّح الظروف الحياتيّة التي أحاطت بمجمل أبحاثه، والطريق التي أوصلته إلى رؤيته المغايرة للتفسير السائد عن القرآن.

لم يحصل على الشهادة الثانويّة العامّة لاستكمال دراسته الجامعيّة، لأنّ أسرته لم تستطع أن تنفق عليه في الجامعة.

لا يوجد إسلامٌ واحد

ذكرت “نلسون” المتخصّصة في الدراسات الدينيّة، في مقدّمة الكتاب أنّ هدفها توضيح فكرة أنّ الإسلام يعبّر عن نفسه في أشكالٍ وأنماطٍ عدّة، “فلا يوجد إسلامٌ واحد”، وأنّ الحوار بين المسلمين وغير المسلمين حول أنماط التعبير المختلفة للإسلام تلك هو “عاملٌ أساسيٌّ في تشجيع التفاهم داخل الإسلام وخارجه” كما قالت “نلسون” إنّ شخصيّة نصر حامد أبو زيد و”حديثه الدافئ والعاطفيّ والمتعاطف والكريم، وهي صفاتٌ تعكس طبيعة رجلٍ ولِد ليكون معلّماً” كانت السبب الذي شدّها إلى العمل على هذا الكتاب.

أرحب من سيرة ذاتيّة

لذلك يمكن أيضاً اعتبار هذه السيرة بمواقفها المتعدّدة، والظروف الاجتماعيّة والسياسيّة التي صاحبت نشأة أبو زيد، وأثّرت على تكوينه الفكريّ وإنتاجه العلميّ، أرحب من ذاتيّة، بل هو جزءٌ من سلسلة كتبه؛ لأنّ “أبو زيد” يؤكّد أنّه لا يريد أن تضمّ كتبه مجموعةً من النظريّات الجامدة التي لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع، ولكنّه ركّز دائماً على أهمّيّة تطبيق قواعد التفكير النقديّ والبحث العلميّ في مجال الدراسات الإسلاميّة. وقال ـ كما في جلّ كتبه ـ إنّ النصّ الدينيّ الأصليّ هو منتجٌ ثقافيّ، بمعنى أنّ الله يخاطب البشر وفقاً لثقافتهم.

نصر حامد أبو زيد(حفريات)

نشأته ودراسته الأولى

يبدأ “أبو زيد” الكتاب الذي تنوف صفحاته عن 300 صفحة، بسرد نشأته في قرية قحافة شمال مصر، ودراسته الأولى مع حفظه للقرآن، ثمّ انتقاله إلى العاصمة المصريّة “القاهرة”، وعمله وإكمال دراسته، وتفاصيل فصله من جامعة القاهرة، واللجنة التي شُكّلت لمناقشة

غلاف الكتاب(فيسبوك)

رسالته، وكيف اتّهم بالردّة. ووصل الأمر إلى تحريك القضاء ضدّه، والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته “ابتهال يونس” الأستاذة الجامعيّة، إلى أن غادر كمنفيٍّ إلى هولندا.

يربط الكتاب، بين الخاصّ والعامّ في استرجاعه لمؤثّراتٍ من طفولة أبو زيد ونشأته عموماً، وعلاقتها بتطوّر فكره. فقد ولد “نصر حامد أبو زيد” في إحدى قرى طنطا في العاشر من تمّوز 1943، وحصل عام 1960 على دبلوم المدارس الثانوية الصناعيّة قسم اللاسلكي ولم يحصل على الشهادة الثانويّة العامّة ليستكمل دراسته الجامعيّة، لأنّ أسرته لم تستطع أن تنفق عليه في الجامعة.

بعدها عمل كفنيّ لاسلكي بهيئة الاتصالات السلكيّة واللاسلكيّة من 1961- 1972، ليتمكّن من الإنفاق على نفسه. استكمل بعدها دراسته الجامعيّة، ونال درجة الليسانس في اللغة العربيّة من كليّة الآداب جامعة القاهرة 1972، بتقدير “ممتاز” ممّا سمح له بالتسجيل في الدراسات العليا، ليتمّ تعيينه كمعيد في القسم ذاته، وليحصل على ماجستير الدراسات الإسلاميّة في العام 1976 بتقدير “ممتاز”، وترقيته إلى مدرّسٍ مساعد، ثمّ يحصل على الدكتوراه عام 1982مع مرتبة الشرف الأولى، ويعمل مدرّساً في نفس القسم.

اتُّهم د.أبو زيد بالكفر، وتلقّف المتشدّدون الإسلاميّون الاتّهام، وحدثت القضيّة المعروفة التي انتهت بتركه مصر إلى هولندا كمنفى منذ 1995.

عام 1987 رُقّي لدرجة أستاذ مساعد. وعندما قدم أبحاثه للحصول على درجة أستاذ تكوّنت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة بينهم “د. عبد الصبور شاهين” الذي اتّهم في تقريره د.أبو زيد بالكفر، وتلقّف المتشدّدون الإسلاميّون الاتّهام، وحدثت القضيّة المعروفة التي انتهت بتركه مصر إلى هولندا كمنفى منذ 1995.

كتب الناشر في التعريف بالكتاب: “رحل نصر أبو زيد في غفلةٍ من العالم الإسلاميّ وقبل أن تقوم قيامة ثورات الربيع العربيّ، ولكن يبدو أنّه لم يتغيّر شيء، ما زالت الظروف العربيّة في حاجة إلى قضيّة تجديد الخطاب الدينيّ الذي دفع أبو زيد من حرّيّته وحياته في بلده ثمناً لها، ولم يغيّر خطابه إلى آخر يومٍ في حياته”. ورأى الناشر أنّه: “لم يكن الخلاف الذي أثير في قضيّة أبو زيد في جوهره دينيّاً، بقدر ما كان سياسيّاً، وخطابه كان واضحاً وصريحاً، فأربك معاصريه ودفعهم لتحويل القضيّة إلى مساراتٍ جانبيّة، لتختفي أفكاره وراء مانشيتات الصحف. لهذا يمكن اعتبار الكتاب محاولةً جديدةً لإحياء صوت نصر أبو زيد الذي يختفي بين الحين والآخر، ليس لضعفه ولكن لتخاذل التلاميذ”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.