نشاط النساء في عمل مؤونة الشتاء

الأيام السورية؛ علياء الأمل

تشهد محافظة إدلب نجاحا باهرا في مجال الزراعة، وهي التي اشتهرت بإدلب الخضراء، وعمل أغلب أهلها في أراضيهم الزراعية بعد خسارتهم لوظائفهم الحكومية عند النظام السوري خوف الاعتقال أو السوق للخدمة الإلزامية.

خير الأرض سترنا من العوز

حيث اتجه شباب إدلب ورجالها إلى العمل الزراعي كبديل من أجل تأمين رزقهم الحلال حسب قول المزارع محمد ديب البكري أبو أسعد من قرية مرعيان والبالغ من العمر الخمسين عاماً؛ بعد انشقاقي عن النظام الأسدي كشرطي مساعد، وعودتي لقريتي قررت العمل بأرضي البالغة مساحتها ستة دونمات، وزرعتها أنواعا مختلفة من الخضار مثل الخيار والكوسا والفاصولياء والبامية بعد أن قمت بحفر بير ماء والحمد لله ربنا أكرمنا وأقوم بسقيها ورعايتها.

يتم محمد ديب حديثه؛ تساعدني زوجتي في العمل في الأرض، نقطف الخضار سوية، ونقوم بتعبأتها بأكياس ثم أقوم بتسويقها حيث يباع قسما منها في سوق الهال بأريحا والقسم الآخر أتنقل به بين القرى.

صناعة المؤونة

بالمقابل؛ تشتكي الزوجة من كساد الإنتاج أحيانا وانخفاض سعره بسبب كثرة العرض وقلة الاستهلاك تبعا للظروف السياسية التي تحياها المنطقة؛ تقول: قررت أنا وزوجي العمل في تصنيع المؤونة وبيعها شتاء بمساعدة من أولادي وجاراتي أحيانا، وبدأنا نعمل عصير رب البندورة أو دبس البندورة، بعد قطفها بسبب سعرها الرخيص فقد وصل سعر الكيلو 50 ليرة سورية، لذا بدأنا العمل فبعض البندورة صنعت منها معجون البندورة وهذا النوع تشتريه أكثر السيدات في مدينة أريحا أو إدلب وخاصة ممن يفضلن العمل البيتوتي المضمون، وخاصة أن البعض لم يتمكنّ من عمل دبس البندورة بسبب صغر بيوتهم وعدم امتلاكهم للسطح الخاص بهم حسب قول بعض النسوة، والحمد لله بعت إلى الآن أكثر من 60 كيلو دبس بندورة سعر الكيلو الواحد 1200ل.س وأشكر الله نربح أنا وزوجي ما يقارب 400 ل.س لكل كيلو من الدبس.

تتابع أم أسعد؛ قمت بصنع أنواعا أخرى من البندورة الميبسة فبعضها أفرمها بشكل ناعم وأطبخها على النار من أجل التوفير حتى التعقيد ثم أعبأها بأوان زجاجية محكمة الإغلاق والتي تدخل في طبق الكواج والكبسة والباذنجان، والبعض الآخر قمت بتقسيم قرص البندورة إلى قسمين ومن ثم غمره بالملح ووضعه على السطح حتى نشافه ويباسه وهذا النوع مطلوب محليا كثيرا؛ لأنه يستخدم شتاء في طبق الكبة النية بعد غليها وتفوير الماء عليها وتصفيتها مضافة إلى الفليفلة الحمراء الحارة الميبسة أيضا واللتين تمنحان الكبة طعما لذيذا لا ينسى.

لا يخفي أبو أسعد سعادته بنشاط زوجته وتعاونهما، فهي تساعده في عمل الأرض، وهو يعيلها في عمل المؤونة الشتوية وتصنيعها في جو من الألفة والمحبة ينسيهما التعب، ويضفي على حياتهما السعادة التي أنستهما هول ما يعيشانه من قصف وحرب.

ذكريات الطفولة

كما تداعب الذكريات أبو أسعد يقول: عمل دبس البندورة يذكرني بلفة الدبس التي أحببتها صغيرا وما زالت إلى الآن أتناولها مع كأس الشاي، ولكثرة محبتي للفة الخبز المدهونة بدبس البندورة والمسخنة حتى القرمشة ألاحظ شغف أولادي أيضا بها وكأنها تراث نتمسك به ففي هذه اللفة أشتم رائحة طيب أمي ومحبتها وشغفها علي أطال الله في عمرها.

تيبيس النعناع

أم أسعد ليست السيدة الوحيدة التي تعمل في مجال المؤونة فنساء الشمال المحرر يعملن بنشاط كخلايا النحل المبدعات، ومنهن أم خالد الأرملة الشابة التي تربي أربعة أولاد، لذا نراها تعمل في مجال المؤونة الشتوية برأس مال بسيط لتكفي نفسها السؤال والحاجة، فتعمل في مجال النعناع الأخضر وتجهيزه للبيع بعد تنقيته، وربط كل باقة لوحدها ثم غسيلها ونشرها حتى اليباس، بعد ذلك تقوم أم خالد بفرك النعنع وفصل النعنع الأخضر الناعم عن الأعواد بعد تنسيفه حسب قولها، والتنسيف؛ عملية تحتاج إلى رشاقة ومهارة بحيث تضع النعنع في صينية وتحركها للأعلى قليلا ولمرات متتالية بحيث يصبح النعنع المفروك بمكان والأعواد بالمكان المقابل فيسهل التخلص من أعواد النعنع وفصلهما، وخاصة أنها تبيع كيلو النعنع اليابس 2500 ل.س علما أنّ كلفته 1500ل.س وبذلك تستفيد من تعبها وجهدها حسب قولها.

النشاط وعلو الهمة سمتان أساسيتان لأهل الشمال السوري؛ فحب العمل والبحث عن الرزق الحلال والتصميم والإرادة القوية للحياة، تجعل التكاتف والتعاضد والمحبة سمة أغلبهم في وقت يسود الخوف والرعب لما ينتظر هذا الشمال السوري من تفاهمات واتفاقيات حسب قول أبو أسعد.

رب البندورة (الأيام السورية)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.