نزار قباني.. أسلوب متميز في الكتابة النثرية

أسّس نزار قباني أسلوباً في الكتابة النثرية هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر ويمكن لنا أن نقول؛ أنّ بعض كتاباته النثرية تفوق في شاعريتها بعض قصائده السياسية خاصة حين يهبط التعبير الشعري إلى درجة الكلام العادي بينما يرتفع نبض اللغة في بعض الكتابات النثرية الى مناخ الشعر.

39
الأيام السورية؛ سلام محمد

كُتب عن شعر نزار قباني الكثير، وحظي حتى الآن بدراسات كثيرة متنوعة التناول، بينما ظل نثره البديع خارج الاهتمام ولم يحظ في حدود ما أعلم بدراسة تذكر مع أنه جدير بالبحث شأن شعره تماماً، لا لأنه ينطلق من الينابيع نفسها التي انطلق منها شعره ويطرح كثيراً من القضايا التي طرحتها قصائده وحسب، وإنما لكونه نثراً، فإنه يأتي أكثر وضوحاً وقدرة على تحديد الكثير من مواقف الشاعر الكبير، واهتماماته العامة ومعاركه المباشرة، وكما أن لشعر نزار خصوصيته التي تميزه عن سائر شعراء عصره فإن لنثره الخصوصية نفسها أيضاً.

اللغة في مفهوم نزار قباني

يبدو أن اللغة في مفهوم نزار قباني ليست أداة توصيل جامدة تنقل المعنى عارياً وخالياً من الاضواء والظلال، وإنما هي كائن جميل يتم التعامل معه بانفعال صادق وإشراقة روحية تؤدي إلى استخراج ما في قراراته من معطيات إيقاعية وموسيقية، ولذلك فأسلوبه في كتابة القصيدة لا يكاد يختلف كثيراً عن أسلوبه في كتابة المقالة أو الرسالة والسيرة الذاتية.

ولنا أن نقول دون حذر؛ إنه مسكون بالشعر الى درجة يصعب معها تخليه عن شروط هذا الفن ومقوماته في كل ما يكتب على الرغم من وجود فوارق لا تخفى بين شعره ونثره، أبرزها: الانضباط الشديد في النثر والانطلاق الأشد في الشعر المفتوح على عوالم واسعة من الانفعال والعفوية والخيال.

بعض كتاباته النثرية تفوق في شاعريتها بعض قصائده السياسية خاصة حين يهبط التعبير الشعري إلى درجة الكلام العادي بينما يرتفع نبض اللغة في بعض الكتابات النثرية الى مناخ الشعر.

فتنة النثر وفتنة الشعر

قد لا تقل عند البعض فتنة النثر عن فتنة الشعر، لا بل تفوقها أحياناً نظراً لما يمتلكه الأول من ليونة وطواعية وغنى في المفردات وقدرة على المناورة التعبيرية. وهو ما نتلمس تجلياته بوضوح في نثر نزار قباني الذي يمتاز بالطلاوة والثراء الدلالي والتصويري والاستخدام البارع للحواس.

فمقالته «ما هو الشعر؟»، على سبيل المثال لا الحصر، تظهر بوضوح أن حديثه عن الشعر هو الشعر ذاته، كما يبدو من قوله: “المطلوب من الشعر ألا يهدأ ولا يكبر، ولا ينام باكراً، ولا يطيع أبويه، ولا يتخلى عن دراجته وعلبة ألوانه وطائراته الورقية. وألا يتنكر لصداقة الأزهار والضفادع، والحشرات الصغيرة التي كان يستضيفها في جيوب بنطلونه الصيفي القصير”.

لست في حاجة الي إيراد نماذج من شعر نزار تأكيداً لما أذهب اليه، ومن هنا فسوف تقتصر النماذج المحدودة على نثره فقط، وهنا مقتطف من مقال له بعنوان طريف ومثير هو “اتو بوسات الشعر” من كتابه “الكتابة عمل انقلابي ص15” ومما جاء فيه: “الكتابة هي فن التورط ولا كتابة حقيقية خارج “التورط”. الكتابة ليست سجادة فارسية يمشي عليها الكاتب كما يقول جان كوكتو ولا مقعداً مغلفاً ب “لأوبوسون”، ولا مخدة من ريش العصافير تغوص رؤوسنا فيها، ولا يختاً خاصاً نتشمس على ظهره.. ونشرب البيرة الدنماركية المثلجة.. إن الكاتب يجب أن يظل في أعماقه بدوياً يتعامل مع الشمس والملح، والعطش.. يجب أن يبقى حافي القدمين حتى يتحسس حرارة الأرض ونتوءاتها ووجع حجارتها.. يجب أن يبقى عارياً كحصان متوحش، ورافضاً كل السروج التي تحاول الأنظمة وضعها على ظهره. ومتى فقد الكاتب بداوته، وتوحشه وقدرته على الصهيل، ومتى فتح فمه للجام الحديدي، ومنح ظهره للبراكين، تحول الى “أوتوبوس حكومي” مضطر إلى الوقوف على جميع المحطات والخضوع لصفارة قاطع التذاكر”.

أسلوبه في الكتابة النثرية أقرب إلى الشعر

أسّس نزار قباني أسلوباً في الكتابة النثرية هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر ويمكن لنا أن نقول؛ أنّ بعض كتاباته النثرية تفوق في شاعريتها بعض قصائده السياسية خاصة حين يهبط التعبير الشعري إلى درجة الكلام العادي بينما يرتفع نبض اللغة في بعض الكتابات النثرية الى مناخ الشعر.

ليس نزار قباني الوحيد في هذا المنحى، شعراء آخرون يشاركونه في ذلك الا أنه يظل أكثرهم حرصاً على أن يكتب المقالة النثرية تحت شروط تشبه إلى حد ما، شروط كتابة القصيدة.

وليس نزار قباني الوحيد في هذا المنحى، شعراء آخرون يشاركونه في ذلك الا أنه يظل أكثرهم حرصاً على أن يكتب المقالة النثرية تحت شروط تشبه إلى حد ما، شروط كتابة القصيدة.

كما أنه يحتشد لكتابة المقال احتشاده لكتابة القصيدة تماماً فتأتي نابضة بالصور، مترعة بأعمق المشاعر، كما في حديثه على سبيل المثال، من كتابه “الكتابة عمل انقلابي ص31” عن الحرية:

“أتصور، أنه لابد من أن نتفق على تعريف مبدئي لمعنى الحرية حتى لا تتداخل حدود الأشياء وتضطرب الرؤية، ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود وأول ما أتصوره هو أن الحرية هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة، هذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة او قبيلة، أو جمعية، أو مدرسة أو وطناً. ومعنى هذا أن الحرية هي خط هندسي ضمن دائرة، وليست ابداً حركة في الفراغ أو المطلق.. وكما أن البحر محدود بالشواطئ والريح محدودة بالجبال، والأنهار محدودة بضفافها، والطائرات محدودة بمدارج الصعود والهبوط، والعصافير محدودة بمساحة أجنحتها فإن الإنسان هو الآخر محدود بمسؤوليته واستعمال الحرية كاستعمال المستحضرات والعقاقير الطبية، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط والا كانت الحرية قاتلة”.

مصدر أرشيف الأيام السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.