الحقيقة وراء التدخل التركي في جرابلس

بقلم: د. أسامة الملوحي – اسامة الملوحي

أحد الصحفيين من الثوار قال وتجاوب معه كثيرون :أدين وأشجب التدخل التركي شمال سوريا لأنه فقط في جرابلس.. معركة جرابلس واضحة للغاية ونهجها إن استمر واضح بيّن: “انجاز للثوار السوريين بدعم تركي خالص ليس فيه أميركا ولا صويحباتها” ولكن.. لكن لماذا تأخر التحرك التركي المباشر إلى هذا الحد وهذا الوقت؟

أسباب قليلة أهمها الكوابح الأمريكية والإرادة الأمريكية المتدخلة لمنع أي ترجيح عسكري يكون لصالح الثوار السوريين ويبعد الخطر عن الأمن القومي التركي.

وما تغير في هذا الوقت هو الضغط التركي باتجاه واحد بلا تراجع, و بلا تصديق جديد بالوعود الأمريكية والتطمينات الكاذبة: “أن لا تكون هناك دويلة للأحزاب الكردية الانفصالية”, هذا الضغط أتى بعد محاولة الانقلاب أو بتقدير أدق بعد أكبر انقلاب حصل في تركيا ويعدل مجموع كل الانقلابات والمحاولات التي حدثت في تركيا خلال ستين سنة, وكانت الإدارة الأمريكية متورطة فيه أو على علم به على أقل تقدير وقد انفضح ذلك بقوة في الساعات الأولى التي صدرت فيها تصريحات لأوباما وكيري هدفها دعم الانقلابيين ليعلموا أن إلههم معهم فلا يتراجعوا وكان مفاد التصريحات الأولى: “تبّاً للديمقراطية التركية…تبّاً للحكومة المنتخبة…تبّاً للرئيس المنتخب”

وبعد أن صُدمت إدارة أوباما بالتحرك والالتفاف الشعبي التركي السريع سارعت للتبديل والشرح والتحذير من “تعكير العلاقة التاريخية مع تركيا”.. والأتراك استثمروا كل نتائج فشل الانقلاب “الزلزال”…استثمروه داخليا وخارجياً.

ومعظم هذا الاستثمار أتى ضد النفوذ الأميركي العميق داخل تركيا وجرت عملية ضخمة مستمرة لاستئصال كل الموالين لأميركا ضد بلادهم خاصة في المؤسسات العسكرية والأمنية التركية وخرجت صيحات متألمة عديدة من أميركا مفادها: “إنهم يستأصلون رجالنا في تركيا”

وفي مقال للكاتب الأميركي “بيل فان أوكين” في موقع WSWS يقول: “إن كبار الضباط الأتراك الموالين للولايات المتحدة الأمريكية شاركوا في المحاولة الانقلابية، ومن بينهم قائد قاعدة إنجرليك الجوية، التي تحتوي على أكبر مستودع للأسلحة النووية الأمريكية في أوروبا، والتي تعتبر كذلك منطلقاً لغارات التحالف الدولي في سوريا والعراق”. وكرس الضابط المذكور فضيحة التآمر الأميركي عندما تقدم بطلب لجوء سياسي إلى أمريكا بعد فشل المحاولة الانقلابية”.

ولم تُفلح الجهود الأمريكية الحثيثة لتهدئة الأتراك خاصة بعد المماطلة المستمرة في تسليم “غولين” لتركيا …تسليم قد يؤدي إلى توثيق كامل للتآمر الأميركي على تركيا….ولم يبق أمام إدارة أوباما التي حرقت وتحرق ما تبقى من أوراقها قبل الرحيل إلا أن ترسل اللاعب الاحتياط المركون طويلاً على دكّة الاحتياط “جو بايدن” الذي أتى إلى تركيا يصافح بكلتا يديه بحرارة كل المسؤولين الأتراك…

ويبدو أن الأتراك استثمروا قدومه جيداً فخرج بتصريحات قوية يقول فيها أن ميليشيات البي يي دي ستنسحب إلى شرق الفرات والويل لها إن لم تفعل ونسي ربما أن هذه الميليشيات لم تعمل ولن تعمل إلا تحت قيادة البنتاغون الأميركي …لقد كان موقفا مضحكاً ولكنه اشارة قوية إلى أن الأتراك يستثمرون بمهارة نتائج فشل الانقلاب خارجياً للتحرر من الكوابح الأمريكية في المنطقة…

وقد تكون عملية جرابلس إن تتابعت أول هذا الاستثمار الناجح….تدخل تركي لدعم الثوار السوريين في الشمال السوري…تدخل تركي تأخر و أن تأتي متأخراً وتعوض ما فاتك خير من أن تبقى أسيرا للتحكم الأميركي والنفاق الأميركي.

عملية جرابلس قام بها الثوار السوريون وضحى فيها الثوار السوريون, والثوار السوريون والأتراك لهم في الشمال السوري عدوّين الأخطر منهما هو ميليشيات البي يي دي التي احتلت أراضي الثوار وغدرت بهم واستغلت مواجهتهم لميليشيات بشار الأسد واحتلت أيقونتهم “تل رفعت” وما حولها… تلك المدينة التي قدمت من التضحيات ما يُذهل وقاتل مقاتلوها على جبهات عديدة طويلة وما يزالون.

المصلحة التركية ودفع الأذى عن الأمن القومي التركي يتطابق مع مصلحة الثورة السورية وثوارها ولابد أن تستثمر تركيا المستجدات لأبعد مدى فلا تتوقف عند جرابلس أبداً, وإن فعلت فقد ضيعت المكاسب وبخّرت الفرصة التاريخية وجعلت تحرير جرابلس عملية معزولة باهتة لا أثر لها ولا قيمة إلا كيلومترات قليلة ملاصقة للحدود تنتظر هجمات تنظيم الدولة أو هجمات البي يي دي في أي حين.

والثوار السوريون هم الجهة الوحيدة المستقلة عن إدارات الدول المنافقة…جهة مستقلة فعليا إلى حد كبير مهما قيل عن تجاوب ممثل لفصيل هنا أو هناك لغرف الأمريكان فعلى الأرض كل القادة الميدانيين الفعليين يبيعون الإدارات إن استوجب الامر بزهد وعجل بلا ندم….وهم الجهة الوحيدة التي تستطيع الإدارة التركية “المراهنة” عليها…والثوار في أغلبهم ما زالوا يعتبرون الإدارة التركية جهة مأمونة مأمولة وعلى هذه الإدارة أن لا تضيع ذلك ولا تُفرط فيه.

عملية جرابلس لم يسبقها كثير خطابات وتصريحات وخطوط حمر من الرئاسة أو الحكومة التركية و تحركت الحملة الإعلامية التركية مصاحبة للحدث وهي إلى الآن حملة صاخبة مليئة بالعرض والتحليل والتقويم والتوقع والسوريون المنتفضون راحوا كعادتهم التي لا يغيرونها يترقبون ويتوقعون ويمتدون ويتمددون في أحلامهم وزامنوا عملية جرابلس بعملية مرج دابق العثمانية التي كانت منذ خمسمئة سنة وطاروا في خيالاتهم إلى دمشق ونسأل الله أن تتتابع المراحل بعد جرابلس حتى لا تحطّ أحلام السوريين على “لا شيء”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.