نحن والمتغيّرات ..

عقاب يحيى

منذ عامين ويزيد ونحن نشهد دحرجة في المواقف الدولية، خاصة المحسوبين على أنهم أصدقاء الشعب السوري، حول جوهر الحل السياسي، والموقف من رأس النظام وكبار رموزه لجهة تغيير مضمون بيان جنيف 1 بصيغ ملتبسة راحت تفصح عن نفسها تباعاً، أو بتأهيل النظام والإقرار ببقائه لفترة ما يجري الخلاف على مدتها، وهل هي بداية المرحلة الانتقالية، أو الفترة الأولى منها، أم تستمر حتى الانتخابات الرئاسية مع حقه بالترشح (( كمواطن سوري)) مثل بقية المرشحين ؟؟!! .

منذ لقاء فيينا 1 و فيينا 2 ، بل من يوم اتفاق الأمريكان والروس على نزع السلاح الكيمائي للنظام حدث نوع من اتفاق أمريكي ـ روسي وكأن الإدارة الأمريكية سحبت نفسها من الملف السوري، أو ابتعدت عنه وسلمته لروسيا، وتكرّس الأمر بعد مجيء ترمب الذي راهن البعض عليه في تغيير الموقف، بينما لم يستطع الأوربيون فعل شيء مهم بظل الهيمنة الأمريكية، فظلوا يدورون في فناجين الانتظار، فالتغيير المتوافق مع المواقف الأمريكية، ومثلهم ظهر بقية أصدقاء الشعب السوري من الأشقاء والجوار .

الإدارة الأمريكية بنت معادلة وسارت عليها، وفرضتها على الآخرين : الإرهاب مقابل النظام، والأكيد أنها والحالة هذه سترجح الكفّة لصالح النظام، بينما شطبت المعارضة من حساباتها، واتهمتها بأنها مشتتة، أو أنها غير مأهلة، أو إسلامية تفرخ الإرهاب في حين يعرف الجميع أنها لو دعمت قوى المعارضة الوطنية، والجيش الحر بجدّية لاختلفت الأمور على مختلف النواحي، ولقويت المعارضة وأصبحت بديلاً مهيّئاً .

الإدارة الأمريكية الجديدة تضع محاربة الإرهاب أولوية الأولويات، وبحدود ما تقليم أو تحجيم الدور الإيراني، بينما تركت دورها في الحل السياسي، وفي وضع ثقلها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية وإجبار النظام على الانصياع لها .

طوال فترة الاحتلال الروسي لبلادنا، وحربه التدميرية ضد فصائل الجيش الحر، والبنى التحتية، والمدنيين بالأساس لم يتحرك الأمريكان أو يوقفوا الروس وكأنهم موافقون ضمناً، وكأنهم يريدون التوصل لتفاهمات شاملة، فتستفرد روسيا في الملف السوري مقابل نوع من المقايضات في أمكنة أخرى .

هكذا بدأ الانزياح في الموقف الدولي عن بيان جنيف، تارة بإيجاد سلال ثلاث، فأربع والتقديم والتأخير في أولوياتها، ثم في إطلاق مصطلحات غامضة حمّالة أوجه، كالجسم الانتقالي بدل الهيئة الحاكمة الانتقالية، والحوكمة، أو حكومة وحدة وطنية، ثم تراخي الموقف من رأس النظام وتغيّر التصريحات وتداخلها : لا مستقبل للأسد . لا دور للأسد في مستقبل سورية . وصولاً إلى المشروع الروسي الصريح، والمعلن .

روسيا بعد حلب أرادت استثمار النصر الذي حققته بفرض واقع جديد، فكانت أستانة واحد الذي ارادت فيه استقدام الفصائل العسكرية بديلاً للهيئات السياسية، وفرض أجندة خاصة تكون بديلاً عن مسار جنيف، وبما يتجاوز وقف إطلاق النار، وبما يعرف بمناطق خفض التصعيد إلى طرح مشاريع ذات صفة سياسية كالدستور، ولجان للمصالحة والتفاوض، والتي قوبلت برفض تلك الفصائل التي تمسكت بالهيئة العليا مرجعية وحيدة لها، وبجنيف طريقا رئيساً للمفاوضات .

وفقاً لموازين القوى وغياب الدور الأمريكي، وهامشية الدور الأوربي واصدقاء الثورة السورية برز الدور الروسي وحيداً والذي يسير في طريقين متنافسين أو متلاقيين . تكريس مناطق خفض التصعيد بعقد مصالحات مع النظام، وإبراز بعض الوجوه السياسية المحلية التي يمكن أن تكون بديلاً للهيئات القائمة في حالة لم توافق على المشروع الروسي، والعمل على فرض منصتي موسكو والقاهرة بهدفين متلازمين  الأساس فيهما إنزال سقف مطالب المعارضة بالحل السياسي، وبالموقف من رئيس النظام وكبار رموزه باتجاه الانصياع للمشروع الروسي، وخلخلة المعارضة ووضعها بين مطرقة الرفض وسندان القبول، وما سيحدث من تداعيات في الحالين يمكن أن تؤدي إلى الانشقاق، والتصدّع ..

المشروع الروسي يتجاوز بيان جنيف إلى تسوية سياسية وليس حلا سياسياً، تحافظ على بقاء النظام رأساً، ومؤسسات، خاصة الجيش والأجهزة الأمنية، وحذف مراحل العملية الانتقالية وتدرجها، بوضع دستور لمرحلة قادمة، وإقرار قانون للانتخابات، ثم البدء بها، وبما يسمح لرأس النظام بالبقاء، وربما بتعديل، او تخفيض بعض صلاحياته لجهة حكومة وحدة وطنية، أو شكل تشاركي ما : هيئة رئاسية، أو ما شابه .

وفقاً لهذه المتغيرات يجيء التفكير والإعداد لرياض 2 تحت شعار توسيع قاعدة التمثيل، وبما يقتضي إدخال ممثلي منصتي القاهرة وموسكو وبعض الشخصيات المرنة وإحداث تغييرات على بيان الرياض 1 فيما يتعلق بالموقف من رأس النظام وكبار رموزه .

المعارضة ممثلة بالهية العليا للمفاوضات، والائتلاف الوطني سيونان أمام تحد صعب. إمّا القبول بهذه المتغيرات ومواجهة استحقاقاتها في الشارع الثوري، وما يستتبع من اتهامات بالخيانة، وبالتخلي عن الثوابت، وإما الرفض وما يستتبعه من ضغوط ومحاولات إيجاد بدائل على المستوى المحلي، والعام تستثني هذه الهيئات من أي دور لها في العملية السياسية، وليس مستبعداً العمل على إنهائها بقطع الدعم عنها، وتصويرها على أنها المعيقة للحل السياسي .

هذه الاستحقاقات الراهنة والقريبة تستدعي من قوى المعارضة وهيئاتها التفكير الجدّي بالخيارات والبدائل. وإذا كان من الواضح ـ حتى الآن ـ أن الثقل الأكبر في المؤسستين، خاصة على صعيد الائتلاف، سيكون باتجاه رفض الإذعان للمشروع الروسي، التمسّك بثوابت الثورة، فإن أثمان الرفض يجب أن تكون واضحة، وأن تستعدّ لها ببرنامج عمل بديل، وأن يرتبط بتوفير مقومات الرفض، والعمل على خلخلة بنية المشروع الروسي، وقلب الطاولة حين يكون ذلك ممكنا، وعبر الاستناد إلى الشعب السوري وقواه، وإلى الأصدقاء القريبين، ومستوى العلاقة معهم، وعبر الارتقاء إلى الوطنية السورية جامعاً يزيح جميع الاعتبارات الأخرى الحزبية والإديولوجية والفصائلية وغيرها، وتوحيد جهود الجميع في خندق الاصطفاف الوطني الجامع .

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.