نحن والثورة السورية وحلم التغيير الديمقراطي.. بين الواقع والممارسة

هل كنّا بالفعل على مستوى ما صبونا إليه من طموحات؟ وهل بذلنا ما يمكن بذله لتحقيق حلمنا المؤجل؟ أم كنا بممارساتنا اليومية غير مستعدّين لتحمّل المسؤوليّة؟

الأيام السورية؛ فاديا الحاج فاضل

كان التغيير الديموقراطيّ من أبرز مطالب الثورة السورية، وكانت الحرية والكرامة شعار هذه الثورة، فما الذي جعلها اليوم أبعد الأشكال المطروحة عن الواقع السوريّ؟

هل كنّا على مستوى الحلم

في بداية الثورة، كان حلم السوريّين بالتغيير الديموقراطيّ، المطلب الأساس من مطالب الثورة، وكانت الشعارات والهتافات تركّز وتحضّ على الحرية، والكرامة، ودولة المواطنة، وأهمّيّة الديموقراطيّة، لما تحتله من مكانة أساسيّة في دول العالم المتقدّم، ولما تشكّله من ضرورة للواقع السوري المعقد بالكثير من الاصطفافات الدينية والعرقية والمذهبية.

ولكن هل كنّا بالفعل على مستوى ما صبونا إليه من طموحات؟ وهل بذلنا ما يمكن بذله لتحقيق حلمنا المؤجل؟ أم كنا بممارساتنا اليومية غير مستعدّين لتحمّل المسؤوليّة؟

وأنا هنا لن أناقش العمل السياسي للمعارضة السورية، ولا العمل الحزبي، ولا حتى العسكري، إنما سأركّز الحديث في نقطة رئيسة وهي تعاملنا مع بعضنا البعض كأفراد، ومدى تقبل الواحد منّا لفكرة الآخر.

في بداية الثورة، كان حلم السوريّين بالتغيير الديموقراطيّ، المطلب الأساس من مطالب الثورة، وكانت الشعارات والهتافات تركّز وتحضّ على الحرية، والكرامة، ودولة المواطنة، وأهمّيّة الديموقراطيّة.

حضور المفهوم وغياب الممارسة

للأسف، منذ بداية انطلاق الثورة ووصولاً إلى يومنا هذا، كان مفهوم الديموقراطيّة الحقيقيّ غائباً عن أغلب المحافل الثوريّة، رغم حضوره الطاغي كفكرة بين أغلب الثوار، وكذلك أغلب القوى السياسية.

كأبسط الأمثلة، إذا أراد أحد الثوّار التكلّم عن رأي معين له بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعيّ أو ضمن جلسة ثوريّة، نرى ردوداً وتعليقات أبعد ما تكون عن روح الديموقراطيّة، فتارةً ترى من ينعته بقصور الرؤية، وكأنّما هو المُبصِر الوحيد لما يدور من أحداث، وآخر ينهال عليه بوابلٍ من الشتائم مخوّناً إيّاه متناسياً أنّهما في صفٍ واحد لمواجهة الظالم وفي خندقٍ واحد من حبّهم وغيرتهم على الوطن.

قلائل هم أولئكَ الذين يناقشون الأفكار المطروحة بمنطقيّة الواقع والإمكانيّات المتاحة، دائماً ما تكون ردود أفعالنا انفعاليّة وأبعد ما تكون عن العقلانيّة والتفّكر، اللذان نحن بأمسّ الحاجة لهما.

متى نشأت فينا هذه الطبيعة الرافضة للآخر وأفكاره؟

ربّما كانت خمسة عقودٍ من الحكم الشمولي الواحدي، من الظلم والقمع والتخلّف، كفيلة تماماً لتصنع بنا ما صنعته من تشويه بنية الفكر والسلوك.

كانت مساحات التفكير المتاحة لنا شبه معدومة، وإمكانيّة إثبات وجودنا وأنفسنا تندرج تحت خانة المستحيل، فمن يُفكّر أو يتجرّأ على الخوض في معارضة الأفكار المطروحة ستكون عاقبته وخيمة بلا شكّ.

ومن هنا بدأت تتأصّل فينا مفاهيم القطيعية والانصياع وراء كلّ ما هو عام ومطروح، فدائماً هناك فكر أوحديّ يطغى في كلّ مجال، فالإعلام كان ممسوكاً من جهة واحدة، والفن والثقافة لا يتم نشره إلا عبر جهة واحدة، والنشاطات الاجتماعية المدنية لا تقوم بها إلا جهة واحدة وإن تعددت التسميات.

وتباعاً مع مرور السنين أصبح التعامل مع ما تفرزه هذه الآلية الشمولية وكأنها الوضع الطبيعيّ في كافّة مجالات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافية، وأصبح ما هو سائد وكأنّه النتيجة الحتميّة، والشكل الطبيعي لما يمكن أن تكون عليه الأمور.

من يجرؤ على معارضة الأفكار الاجتماعيّة سيكون مصيره النبذ اجتماعيّاً بلا شكّ، ومن يجرؤ أن يقول لا للفساد المنتشر سيدفع حياته ثمناً أيضاً!

كانت مساحات التفكير المتاحة لنا شبه معدومة، وإمكانيّة إثبات وجودنا وأنفسنا تندرج تحت خانة المستحيل، فمن يُفكّر أو يتجرّأ على الخوض في معارضة الأفكار المطروحة ستكون عاقبته وخيمة بلا شكّ.

حتّى وصلنا لمرحلة من تساوره أفكار معارضة لكلّ ما هو مطروح وسائد، يعتبرها شبحاً مخيفاً، يسعى للابتعاد عنه وعن من ينادي بها خشية أن يصيبه ما قد يصيبه!!.

هكذا درّبونا على نبذ الآخر وعدم الاعتراف بوجوده، والتمسّك بآرائنا التي تبنّيناها ـ غالباً ـ رغماً عن إرادتنا، فتوقّفت عقولنا أيضاً وحلّ مكانها المنطق المطلق العامّ السائد.

لم نستطع أن نثور على أنفسنا

بالتأكيد، من انطلق بالثورة تخلّص من بعض هذا، ولكنّه للأسف تربّى عليه، فلم نستطع أن نثور على أنفسنا لنغيّر ما ألمّ بها من تشوّهات تكوينيّة.

ترى الواحد منّا يدافع عن فكرته أشرس الدفاع، وكأنّه يدافع عن وجوده. وإذا خسر معركة إثبات صحّة ما يقول سوف ينتهي ويتلاشى وجوده، هذا كلّه إن دلَّ على شيء فهو يدلُّ حتماً على ضعف شخصيّاتنا وضعف ثقتنا بأنفسنا، فلطالما شعرنا أنَّ وجود الآخر سيُلغي وجودنا حتماً، فليسَ هنالك متّسع لأكثر من رأي واحد، إمّا أنا أو هو، لا فسحة لتتّسع لنا نحن الاثنين معاً، هذا ما يدفع الفرد – أو الجماعة – منّا لتسخيف وتشويه صورة الآخر، حتّى لا يكاد يبرز أحد بفكرة إلّا وتجد الناس تعمل جاهدة على الانتقاص من الفكرة وصاحبها، دونَ دراسة موضوعيّة وحقيقيّة لها.

هكذا تعلّمنا لعقودٍ طويلة وهذا ما جُبِلَت أنفسنا عليه، لا أحد يطوّر نفسه، ويعمل على ذاته ليرتقي بها ويصبح أفضل، فهذه الطريق كانت غير مطروحة لعقود، والطريق الوحيد المتاح أن نُبخِس من الآخرين ليعلو من شأننا، بقينا على هذا النسَق حتّى وصلنا لمرحلة لسنا قادرين فيها على الاعتراف بالرأي الآخر وإمكانيّة صحته، بل أصبحنا غير قادرين على الاعتراف بوجود الآخر.

هذا المرض المستشري فينا والذي تجذّر في تكويننا لعقود سيحول دون قدرتنا على تجسيد الديموقراطيّة بأبسط صورها، ومن لا يستطيع أن يتعامل مع الآخر بديمقراطية في تفاصيل الحياة اليومية، من الطبيعيّ لن يكون قادراً على تبني حلم التغيير الديموقراطيّ لوطن بأكمله!..

علينا نشر مفاهيم الديموقراطيّة الحقيقيّة قولاً بين عامّة الناس، والعمل على تطبيقها فعلاً على أرض الواقع ابتداءً من أصغر الأمور لنتمكّن من الوصول لأكبرها.

ما الحل؟

ربّما بداية الطريق هي التخلّي عن تعنّتنا وردود أفعالنا الانفعاليّة والعاطفيّة ليحلّ مكانها التعقّل مع مزيد من الثقة بالنفس، ومزيد من الثقة بإمكانيّة الحياة مع الآخر ونواياه تجاه وطنه.

ربّما تقاسم الأعمال وعدم ترؤس أشخاص معينيّن على العامّة وإجبارهم على الانصياع لآرائهم “الواحديّة” كفيلة بخلق حدّ أدنى على الأقلّ من أشخاص يمتلكون شخصيّات لديها ثقة بأنفسها، بالإضافة إلى عدم قيام حدّ السيف لأيّ فكرة جديدة مخالفة للرتابة المطروحة.

علينا نشر مفاهيم الديموقراطيّة الحقيقيّة قولاً بين عامّة الناس، والعمل على تطبيقها فعلاً على أرض الواقع ابتداءً من أصغر الأمور لنتمكّن من الوصول لأكبرها.

قد يبدو الخوض في هذه الطريق الوعرة صعباً، ولكنّه غير مستحيل بالطبع، إنّما علينا بدايةً الاعتراف بأخطائنا لنستطيع إيجاد الحلول الواقعيّة لها.

مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.