نحن فاسدون حتى إشعارٍ آخر

لا أتمنى أن يزول الفساد والمفسدون من حياتنا، أمنية نهاية العام، لماذا؟!

الأيام؛ حنظلة السوري

 مجال الفساد حيزٌّ رائعٌ في حياة السوريين، يوفر غالباً نوعاً من الطمأنينةِ خلال النهار، داخل الدوائر الرسمية، أمام صاحب البقالية، في الجامعة والمدرسة، جميع الأماكن تحتاج إلى قدرٍ معين من “الحيلة”، “المحسوبية”، وغيرها.

فعلُ الفسادِ بحسب المشاهدة اليومية تطوّر إلى حالةٍ وطنيةٍ، بل إلى حلقة يدور في فلكها الجميع -المواطن والحاكم-حتى أن السرقة على سبيل المثال باتت عملية متبادلة بين كل الأطراف في الدولة. المواطن يسرق حكومته، والحكومة لا تجد ضيراً من نهب جيوب مواطنيها، تعطيهم العلاوة باليمين وتأخذها بالشمال، ولكن بعد أن يكون الاعلام الرسمي قد نقل فرحة الناس ورسائل الشكر للرئيس الملهم.

تؤكد بعض المؤشرات أنّ “اللصوصية” حالةٌ غير “مَرضيّة” وإنما تدل على قبولٍ ثنائي “شعبي-حكومي”، وتوافقٍ ليس على مجرد التسمية، وإنما عموم الحالة. مثال ذلك “سوق الحرمية” وسط العاصمة دمشق.

الواقع لم يختلف بعد الثورة؛ التي ما تزال في طور الرقاد السريري -بفضل المعارضة المرحومة-فأنت على سبيل المثال، تحتاج للمرور من أمام أي حاجزٍ ينصبه بواسل الفصائل الثورية أنْ تعرف تبعيتها؛ ومن ثمّ عليك أن تهتف وتسبح بحمدهم حين المرور وإلقاء التحية طوعاً أو كرهاً. وهذا ينطبق على شتى أمور حياتك داخل المحرر.

المحسوبيات انتقلت بطريقة سلسلة من أيدي البعثيين إلى الثوريين، فقط تغيرت بعض الوجوه، أو ربما حافظت على البقاء مع تغييرِ مواقفها، كذلك التذّمر من الواقع، والشكوى في المقاهي والأماكن العامة حافظ على وجوده، كلّنا يذمّ المفسدين والفساد.

النظام سبق المعارضة بإنشاء ما يسمى “الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد” في العام 2013، فيما ننتظر تفعيل دور “نظام الحسبة” في الأسواق وغيرها، ريثما تستقر الحال لطرفٍ معارضٍ على حساب الآخر.

عملياً، الدهاء والمكر، الحيلة وغيرها من الممارسات والتسميات باتت تشعر أفراد المجتمع بالنشوة، عقب الانتهاء من إجراءٍ ما في مكانٍ ما؛ تابعٍ للحكومة أو المعارضة، فهنا أنت موالٍ حتى العظم والنخاع، شبيحٌ على حاجز، قريبٌ لأحد المخبرين أو المتنفِّذين؛ لتسيير أمورك، وهناك أنت في صف الثوريين حتى قبل أن تولد، وربما تكون شرعياً بلحية، أو مجاهداً قادماً من ثغور الرباط؛ بتلك الطريقة تنال ما تشاء. ويطمئن قلبك أنك في “وطنك”. وإن كنا في الشمال السوري تحررنا من الأسد، فالعادات الموروثة والتقاليد الاجتماعية -الطيبة-لا تزال جذورها عميقة.

كأنّ القوم رفعوا شعاراً واحداً: «وفي ذلك فلْيتنافس المتنافسون».

لولا الفساد لم نكن لنكمل حياتنا في المناطق المحررة، أو تلك التي لا تزال تحت رعايةٍ حنونة من نظام الأسد.

وما عليك أيها السوري الوطني إلا أن تلعب بالبيضة والحجر، حتى تستخلص حقك، أو ربما تكون كما يقول إخواننا في مصرَ الشقيقة “حاوياً”.

في عملك شارك بالجريمة عن قناعة، لا تخشى لومة لائم، واسكن لقرارك فالجنة تنتظرك وحدك، وما قمت به من عملٍ لا يندرج إلا تحت مسمى “الوطنية”، والرشوة أصلاً بابٌ من أبواب التوزيع العادل للثروات، فأنت تعطي غيرك ما عجزت “الحكومة أو المعارضة” عن إيصاله لهم.

بالمقابل، فإن قيامك بالجريمة يصبح تقديم خدمة جليلة للحكومة أو المعارضة، فقد أسهمت في إعفاءِهما من عملية التخطيط الطويلة والمكلفة لتوزيع الثروة والضرائب على المواطنين المحتاجين، وألفت بين القلوب وهذا نفعٌ اجتماعيٌّ عظيم الجانب، فلا تستهن به.

دعك مما يقال عن “المحسوبيات”؛ فهي ترجمة حقيقية للصداقة، والتكافل الاجتماعي، وباب جليل من أبواب الخير، ودونه الانتظار ألف عامٍ لتحصيل جزءٍ من حقك، واسأل أولئك الذين وقفوا على أبواب المنظمات الإغاثية الكريمة العاملة في إدلب مثلاً.

تخيل أننا في بلاد العدالة والديمقراطيات، كيف كنت ستنهي معاملةً قبل شهر لولا الفساد والرشوة أو المحسوبية، وترجع إلى منزلك كأنك “أبو زيد زمانك؟!”، إذاً نحن فاسدون حتى إشعارٍ آخر. لذلك لا تتمنى وأنت في نهاية العام أن يزول الفساد والمفسدون من حياتنا؛ وإلا…؟!!

التعميم مغالطة، غير أنّ الواقع يقول بأننا بعثيون أسديون حتى إشعارٍ آخر…!

مصدر دي برس: الحكومة السورية: إحداث الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.