نحن ضعاف لا قوة لنا إلا بالمحبة

مختارات من رواية عزازيل ليوسف زيدان (2/2)

“تعجبت من البساطة التي قص بها الفتى حكايته، من دون أي أسف أو خجل؛ كأنه يقص واقعة عادية، من شأنها أن تحدث لأي شخص. كان ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمته في هذا الدير، وأفادني كثيراً على نحو خفي. لا ينبغي أن نخجل من أمر فُرض علينا مهما كان، ما دمنا لم نقترفه.”

اختيار وإعداد: كفاح زعتري

17/

اجتهدتُّ حتى وقفت منتصباً. بيدي اليسرى أمسكت الصليب المعلق فوق صدري وانتزعته، فانقطع الخيط الذي كان يلفه حول عنقي. ارتاع الراهب والصبي، واجهشت المرأة في البكاء. أحسست براحة مفاجئة حين انتزعت الصليب من عنقي وتركته يسقط على الأرض وسط ذهول الثلاثة”

18/

“نظر “نسطور” نحوي بعطف وهو يقول: الإنسان مهما كان، ضعيف. نحن ضعاف لا قوة لنا إلا بالمحبة.”

19/

“فوجئت بالراهب الصموت الذي لم أسمع له صوتاً منذ رأيته، وهو ينطق بلسان يوناني ذي لهجة شرقية، قائلاً بحدة وهو مستند بكتفه على عصاه، وليغفر الرب للإسكندرانيين ما فعلوه وما يفعلونه الآن، وما سوف يفعلونه غداً! فكنيسة الإسكندرية لن تكف أبداً حتى تنهار، أو تنهار الديانة كلها.”

20/

“أسند نسطور ظهره إلى الحائط، ومد رجليه على السرير. أخذته لحظة تفكير عميق، علت وجهه خلالها علامات الإبحار في التأمل. بعد برهة أغمض عينيه قليلاً، ثم نظر إليَّ وهو يقول هذه العبارة التي حفظتها عنه، قال ما نصه: “خريطون” رجل مبارك من غير شك، لكن طريقه يختلف عن طريقنا في أنطاكية. هو يهجر العالم فيرتاح، ويغوص في ذاته فينجو بها، ويزهد في الأشياء فتسعى إليه. ولكن طريقنا يا هيبا مختلف، فنحن نؤمن بقلوبنا ونقر بالمعجزة الربانية، ثم نُعمل عقولنا لنرتقي بالإنسان إلى حيث أراد الرب. نحن نؤمن بأن المعجزة لا تكون معجزة، إلا لو وقعت على سبيل الندرة، وإلا فإن تكررها وتواليها سوف يخرجها من باب المعجزات. لقد تجسد الرب مرة في يسوع المسيح، ليرسم الطريق للإنسانية من بعد ذلك للأبد. فلا ينبغي لنا العيش في المعجزة ذاتها، إنما في الطريق الذي رسمته، وإلا فقدت معناها.. لقد أراح الراهب خريطون قلبك بأن أزاح عن عقلك ما يؤرِّقه، أملاً في إذهاب قلق العقل، وإبقاء القلب منارة للإدراك. والقلب يا هيبا فيه نور الإيمان، ولكن ليس لديه القدرة على البحث والإدراك وحل المتناقضات”

21/

“لسوف أصارحك بأن كلام الراهب الكبادوكي أثارني، وهيج في فكري التناقضات الواقعة بين ديانتنا القائمة على الفداء والمحبة، وتلك الأفعال التي تجري باسم المسيح في الإسكندرية.”

22/

“ياهيبا، ما يجري في الإسكندرية لا شأن للديانة به.. إن أول دم أريق في هذه المدينة، بعد انتهاء زمن الاضطهاد الوثني لأهل ديانتنا، كان دماً مسيحياً أراقته أيادٍ مسيحية! فقد قتل الاسكندريون قبل خمسين سنة أسقف مدينتهم “جورجيوس”، لأنه كان يوافق على بعض آراء “آريوس السكندري”. وقَتلُ الناس باسم الدين، لا يجعله ديناً. إنها الدنيا التي ورثها “ثيوفيلوس”، وأورثها من بعده ابن أخته “كِيرُلّس”. فلا تخلط الأمور ببعضها يا ولدي، فهؤلاء أهل سلطان لا أصحاب إيمان.. أهل قسوة دنيوية لا محبة دينية”

23/

“في الدير الذي استقر به في منطقة بين حلب وأنطاكية، عرفه رئيس الدير على فتى ليقوم بمساعدته والتعلم منه، يدعى “شماس”، أخبر الفتى، هيبا بقصته قائلاً: بأنهم وجدوه رضيعاً بعمر يومين على باب الكنيسة صبيحة أحد، تطوعت امرأة فقيرة إرضاعه مرتين في اليوم، وتطوعت امرأة كاهن القرية بأن تؤويه في بيتها، وأعطاه رئيس الدير اسم الشماس. “تركتني أمي التي لم أعرفها قط، لأنها كانت خائفة”

24/

“تعجبت من البساطة التي قص بها الفتى حكايته، من دون أي أسف أو خجل؛ كأنه يقص واقعة عادية، من شأنها أن تحدث لأي شخص. كان ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمته في هذا الدير، وأفادني كثيراً على نحو خفي. لا ينبغي أن نخجل من أمر فُرض علينا مهما كان، ما دمنا لم نقترفه.”

25/

“قلت في نفسي: ها هو حارس الدير نائم في أمان حارس الكون الذي لا ينام! فلماذا لا يتعلم منه القسوس والأساقفة والرهبان، ويلقون إلى الله نواصي الأمور، ويكفون عن المنازعة فيما بينهم؟ اليوم أسأل الاسقف “نسطور” حين تسنح الفرصة، عن صحة الأخبار التي يتناقلها الرهبان حول بطشه بمن يرى أنهم “مهرطقون”. ولسوف أسأله عما قاله في خطبة رسامته أسقفاً، موجهاً كلامه للأمبرطور: ساعدني في حربي ضد الكفر، أساعدك في حربك ضد الفرس. أعطني الأرض خالية من الهرطقة، أعطيك مفاتيح السماء ونعيمها المقيم! إن صح عنه مثل هذا القول العجيب، صح عندي أنه تغير عن الحال الذي عرفته عليه، وصار يطلب الأرض لا السماء.. وذلك مما لا أحبه له.”

26/

“تماوجت في باطني الأسئلة التي لا إجابة عنها: هل القويم هو إيمان “كيرلس”، أم هو إيمان “نسطور” المسكين الذي سيلحق عما قريب بمن سبقوه من المحرومين: بولس السميساطي، آريوس المطرود، تيودور المبجل.. كل المهرطقين هنا، كانوا مبجلين هناك! وكل الآباء مطعون عليهم، عند غير أتباعهم. الشيطان يلعب بالجميع، فهل تراه يسعى الآن كي يلعب بي؟

غلبني الغياب فتركت “عزازيل” يقول ما يريد، وانصرفت عنه. بعد حين عدت إليه، فكان يتكلم منفرداً. أنصتّ، فوجدته يقول بلغة غريبة ما معناه أن الله محتجب في ذواتنا، والإنسان عاجز عن الغوص لإدراكه! ولما ظن البعض في الزمن القديم، أنهم رسموا صورة للإله الكامل، ثم أدركوا أن الشر أصيل في العالم وموجود دوماً؛ أوجدوني لتبريره.”

27/

“- أنا يا هيبا أنت، وأنا هُم.. تراني حاضراً حيثما أردت، أو أرادوا. فأنا حاضر دوماً لرفع الوزر، ودفع الإصر، وتبرئة كل مدان. أنا الإرادة والمريد والمراد، وأنا خادم العباد، ومثير العّباد إلى مطاردة خيوط الوهم”

28/

“قبل مائة عام بالضبط كانت اللجنة الرهيبة التي شكلها الإمبرطور قسطنطين، من القسوس المتشددين، سعياً لإرضاء الأساقفة. كان ذلك سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة للميلاد. اللجنة راحت تفتش دور الكتب وتدهم بيوت الناس، لتجمع كتب الفلاسفة والمهرطقين، والأناجيل غير الأربعة المعترف بها، والكتب الدينية المخالفة لما استقر من رأي الأساقفة، والرسائل الغنوصية. كانوا يجمعون كل ذلك في ساحات المدن والقرى، ويحرقونه علناً مهددين من يخفي هذه الكتابات الممنوعة، بالويل..”

غلاف الرواية(موقع أمازون)
مصدر يوسف زيدان، رواية عزازيل
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.