نحر الوحدة على أيدي أعدائها

عامل مهم آخر لعله يكون الأبرز، والأشدّ فتكأً بالوحدة؛ ذلك الذي يتلخص بالموقف الخارجي إن كان لجهة الدور الإسرائيلي بوجه الخصوص الذي نظر إلى تلك الوحدة بعين الخطورة على مصير كيانه، أو من قبل عموم الدول الغربية، أو من النظم العربية القطرية التي اعتبرت الوحدة وإمكانية انتشارها تهديداً وجودياً لها.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

في طفولتنا، وشبابنا الفتي كانت الدنيا غير الدنيا التي عشناها لاحقا والتي نُحرت فيها تلك الأحلام الجميلة على أيدي ذاتية بالدرجة الرئيس، وعبر تراكب ذلك مع دور خارجي وجد بأيّ خطوة وحدوية خطراً على وجوده ومصالحه، وكانت إسرائيل الحاضر، والمستفيد الأكبر.

مشروع نهضوي

كان هناك مشروع نهضوي خارج من رحم سنوات التجزئة، والتخلف، ومن جهود روّاد ضحّوا بحياتهم، وجهدهم لأجل وحدة الأمة، وتحررها، وتقدّمها.

صحيح أن ذلك المشروع لم يكن كاملاً، وكانت تنقصه الكثير من المستلزمات، ويعاني ثغرات كبيرة فيه، خاصة لجهة الموقف من الحريات العامة والخاصة لكنه تموضع في قلوب وعقول الملايين من الشعوب العربية، وجاب الساحات من مشرقها لمغربها مبشراً بعصر جديد يختلف عمّا سبق.

في هذا الغمار، وعبر بروز شخصية عبد الناصر وتصدّيه لمواقع الاستعمار، خاصة بعد العدوان الثلاثي 1956، وأطروحاته العربية، ونمو عدد من الأحزاب القومية التي كان البعث في مقدمها، انتقلت الشعارات إلى حيّز التنفيذ، فكانت الوحدة السورية ـ المصرية تتويجاً، أو خطوة ظنّ الكثيرون أنها الأولى على طريق وحدة شاملة.

قيل وسيقال الكثير في دور عسكر سوريا (المجلس العسكري) في “فرض” الوحدة الاندماجية على السوريين، وحتى على عبد الناصر، وقيادة البعث، أيضاً، بديلاً لما كان متداولاً حول وحدة اتحادية، أو متدرّجة، أو عن الجانب العاطفي، والاندفاعي، أو من يريد حشر أسباب أخرى تتعلّق بمخاوف خارجية، أو لتمكين البعث من الحكم..إلخ، لكن الحقيقة أن موقف العسكريين لم يأت من فراغ، أو كقفزة مقطوعة عن نبض وإرادة الشارع السوري خصوصاً، والعربي عموماً، بل جاء في سياق متناغم معه، وبذهن هؤلاء أن يقدّموا كل الضمانات التي كان يطلبها عبد الناصر حول موقع الجيش والضباط ودوره .. فكانت الوحدة الاندماجية..

صحيح أن ذلك المشروع لم يكن كاملاً، وكانت تنقصه الكثير من المستلزمات، ويعاني ثغرات كبيرة فيه، خاصة لجهة الموقف من الحريات العامة والخاصة لكنه تموضع في قلوب وعقول الملايين من الشعوب العربية، وجاب الساحات من مشرقها لمغربها مبشراً بعصر جديد يختلف عمّا سبق.

الفجوة الأولى

لقد كانت الفجوة الأولى في الوحدة تلك الفجوة الجغرافية بين مصر وسورية، أي عدم وجود اتصال مباشر بينهما، وهنا تظهر جلية آثار اتفاقية (سايكس ـ بيكو) والخبث البريطاني في إيجاد عازل بين بلدان أسيا العربية وتلك التي تقع في أفريقيا بسلخ فلسطين وتحويلها إلى ” وطن قومي” لليهود بقيادة الصهيونية العالمية، وهذا عامل مهم في ظلّ وسائل الاتصال الضعيفة تلك الأيام.

لكن العامل الداخلي الأكبر في الخلخلة والسقوط يعود إلى طبيعة النظام الشمولي الذي استمد نسغه من التجربة السوفييتية من جهة وطبيعة العقلية العسكرية من جهة أخرى التي ترفض منح الحريات العامة والفردية وتستبدلها بالمركزية الشديدة، وبالبناء الهرمي الذي يبدأ من فوق لتحت وليس العكس، واشتراط حلّ جميع الأحزاب، وإلغاء الحياة الديمقراطية التي كانت تعيشها سورية ما بعد الاستقلال والاستعاضة عنه بأوهام تشكيل حزب عام بقرار صادر من الجهات الحاكمة.

ولن ننسى هنا موقع ودور التفاوتات القطرية بين البلدين، ووجود فوارق في التركيبة والممارسة تعود لعقود، بل لقرون طويلة من الموضوعات القطرية التي عمّقت الخصائص القطرية وأبرزتها حين دخلت امتحان الوحدة، وتشابك العلاقات، وما نتج عنها من حساسيات، خاصة داخل المؤسسة العسكرية، وشعور كثير من الضباط السوريين بالتعامل الفوقي من قبل الضباط المصريين الذين وفدوا لسورية بغية التوحيد والقيادة.

الموقف الخارجي

لكن عاملاً مهماً آخر لعله يكون الأبرز، والأشدّ فتكأً بالوحدة؛ ذلك الذي يتلخص بالموقف الخارجي إن كان لجهة الدور الإسرائيلي بوجه الخصوص الذي نظر إلى تلك الوحدة بعين الخطورة على مصير كيانه، أو من قبل عموم الدول الغربية، أو من النظم العربية القطرية التي اعتبرت الوحدة وإمكانية انتشارها تهديداً وجودياً لها.

لعل آخر نتاجات غياب الوحدة، وأية مشاريع عربية نهضوية ما يحصل لفلسطين من حصار وتواطؤ على ما تبقى منها، وعلى الحقوق المقرة عالميا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين، والانتقال من اعتبارها قضية العرب الأولى إلى مسخها بعمليات تطبيع مشبوهة ضمن ما يعرف بصفقة القرن.

بتضافر تلك العوامل، وسيطرة النهج الأمني ـ القمعي على الحياة السورية؛ كان الانفصال الهزيل بقواه وخلفياته بمثابة القطع الفاصل لذلك الحلم الاستراتيجي، والنهاية الحاسمة لأي عمل وحدوي حقيقي، خاصة بعد سيادة نظم الارتداد والقطرية، ومحاولاتها التلاعب بشعارات الوحدة عبر إقدامها على خطوات مفرّغة من مضامينها؛ أصابت الوحدة بمقتل درجة نحرها، وغيابها تماماً ليس من جدول أعمال النظام العربي وحسب، بل وحتى من موقعها في ذهن وأحلام الأجيال المتعاقبة.

على العكس مما كان شائعاً في فترة النهوض من رواج أفكار التحرر والوحدة والتقدّم، وبعد هزيمة حزيران الساحقة، ثم الوفاة الفجائية لعبد الناصر، واعتلاء الطاغية ألأكبر حافظ الأسد سدّة الحكم بانقلاب مشبوه الخلفية والأهداف؛ ابتعدت الوحدة ـ بالتدريج ـ عن جدول الأعمال، وتموضعت أكثر دولة قطرية سماتها الاستبداد والتبعية والفساد، تبحث عن “شرعيتها” من الخارج بينما تتنمّر على شعوبها قمعاً، ومصادرة للحريات، ومقايضة للقضايا الوطنية والقومية، وكانت فلسطين الضحية الأكبر، مثلما هي حال الكيانات القطرية التي ترنّحت وتفتّقت أزمات متعاقبة وأشكال مختلفة من الحروب البينية والأهلية، والدول الفاشلة بواقع تغلغل المشاريع الخارجية، خاصة الإيرانية منها التي تهدد المجتمعات العربية بمزيد التشرذم والنزاعات المذهبية التي تبغي شرخها عمودياً .

آخر نتاجات غياب الوحدة

ولعل آخر نتاجات غياب الوحدة، وأية مشاريع عربية نهضوية ما يحصل لفلسطين من حصار وتواطؤ على ما تبقى منها، وعلى الحقوق المقرة عالميا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين، والانتقال من اعتبارها قضية العرب الأولى إلى مسخها بعمليات تطبيع مشبوهة ضمن ما يعرف بصفقة القرن التي لن يجني النظام التي تقدم عليها سوى مزيد من التبعية ضمن رهان حمايتها من الخارج، ومن إسرائيل بالذات.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.