نجيب سرور.. صرخة الرفض ردًا على ما آلت إليه أوضاع مصر

كان نجيب سرور محبًا للمسرح والتمثيل، وكان للبيئة القاسية والفقيرة التي عاش فيها دور كبير في تأسيس شخصيته، فشبّ على رفض الاستغلال والإقطاع، والمناداة بتحقيق الحرية والعدالة في المجتمع.

الأيام السورية؛ محمد محسن

ولد في يونيو/حزيران عام 1932، في إحدى قرى محافظة الدقهلية، في بيئة إقطاعية قاسية ومضطربة، وبعدما أنهى سرور دراسته الثانوية، التحق بالجامعة لدراسة الحقوق فيها، ولكنه تركها في السنة الأخيرة؛ كي يحقق حلمه في الانضمام إلى المعهد العالي للفنون المسرحية؛ وهناك درس التمثيل والإخراج؛ ليتخرج فيه عام 1956، حيث بدأت موهبته المسرحية بالبزوغ إلى جانب شاعريته؛ ثم انضمّ إلى “المسرح الشعبي” الذي كان تابعًا لمصلحة الفنون، مؤلفًا ومخرجًا وممثلًا.

النشاط السياسي

انضم في شبابه، سرًا إلى منظمة “حدتو” الشيوعية، قبل أن يُرسل ببعثة إلى موسكو لدراسة المسرح عام 1958، لتبدأ معاناته مع زملائه الذين عمدوا لكتابة التقارير الأمنية ضده، وإبلاغ السفارة المصرية بميوله الشيوعية.

بقي سرور في الاتحاد السوفييتي ولكنه لم يكن على وئام مع التنظيمات الشيوعية هناك، ولذا قرر الذهاب إلى المجر، ومنها عاد إلى مصر سنة 1964.

وانتقل بعدها إلى المغرب ليقضي هناك عدة سنوات قبل أن يعود إلى مصر، ويحل ضيفًا دائمًا على سجونها في زمن رئيس جهاز المخابرات صلاح نصر.

ولم تقف الممارسات القمعية عند هذا الحد، فقد تعرض سرور للاعتقال وجرت محاولة اغتياله خنقًا، وطُرد من وظيفته، ومنع من النشر لبعض الوقت، حتى إنه أُودع في مستشفى الأمراض العقلية بتهمة الجنون، وقيل إنّ هذا الأمر كان إحدى وسائل السلطة للتنكيل به.

الشاعر نجيب سرور في شبابه(جريدة البلد)

المسرحي الجاد

عرف جمهور المسرح نجيب سرور من خلال العديد من أعماله الفنية، منها: “الشحاتين”، و”ياسين وبهية”، و”الحكم قبل المداولة”، و”كان جدع”، و”منين أجيب ناس”، و”قولوا لعين الشمس”، و”الذباب الأزرق”، و”آه يا ليل يا قمر” و”على ناصية الجحيم”. كما أخرج مسرحية “وابور الطحين” لنعمان عاشور، وأعدّ وأخرج للمسرح رواية “ميرامار” لنجيب محفوظ، ورغم كل ما تعرض له من اعتقال وتعذيب لم يتوقف نشاط سرور الإبداعي، فألف مسرحية “بهية وياسين” عام 1965، وبعدها بعامين أنهى كتابة مسرحيته الثانية “يا بهية وخبريني”.

وفي عام 1969، كتب مسرحية “الكلمات المتقاطعة”، وفي ذات العام أصدر مسرحية نثرية بعنوان “الحكم قبل المداولة”.

الشاعر نجيب سرور (ساسة بوست)

نجيب سرور الشاعر

ألف نجيب سرور العديد من الأغاني التي غناها الشيخ إمام، نذكر منها: “البحر بيضحك ليه” و”غريب وجيت البلد” و”حلوا المراكب”.

تعدّ قصيدة “الحذاء” -التي كتبها عام 1956- تلخيصا لتكوينه الثائر على الأوضاع غير العادلة، فيقدم نفسه في مستهل أبياتها باعتباره ابن الشقاء كباقي أشقياء قريته، لكنه يزداد عنهم بأنه رأى أباه يُضرب بحذاء عمدة القرية الذي يتصرف في أمورهم وكأنه الإله.

اُشتهر نجيب سرور بين الناس بقصيدته اللاذعة “الأميّات”، والتي جاءت كلماتها الجارحة وألفاظها الخارجة على المألوف؛ تعبيرًا عن حالته النفسية بعدما تعرض له خلال حياته من تنكيل وتضييق واعتقال، فكانت هذه القصيدة أشبه بصرخة يطلقها سرور في وجه جميع الناس استياءً من أوضاع مصر في تلك الفترة منتقدا فيها أبرز رموز السلطة في مصر؛ ولكن بالرغم من الكلمات الخارجة التي امتلأت بها قصيدة “الأميات”، فإنها عبرت عن المرارة الشديدة التي شعر بها سرور؛ فكانت “الأميات” أشبه بصرخة الرفض التي أطلقها سرور ردًا على ما آلت إليه أوضاع بلده.

كما أصدر نجيب سرور طوال حياته عدة دواوين شعرية نذكر منها: “لزوم ما لا يلزم” التي كتبها في المجر وصدرت عام 1975، وديوان “الأميات”، و”بروتوكولات حكماء ريش”، و”رباعيات نجيب سرور”، وديوانا “الطوفان” و”فارس آخر زمن”.

الأسرة والوفاة

تزوج نجيب سرور من الفنانة سميرة محسن، وأنجب منها ولدًا واحدًا هو الشاعر والمترجم الراحل شهدي سرور الذي عانى كثيرًا بسبب نشره بعض قصائد والده، ما اضطره للهجرة والرحيل إلى أن توفي في الهند قبل أشهر.

تدهورت الحالة الصحية والمعيشية لنجيب سرور خلال الفترة الأخيرة من حياته، في مستشفى الأمراض العقلية، ليتوفى هناك بتاريخ 24 أكتوبر عام 1978؛ تاركًا خلفه تراثًا مسرحيًا وشعريًا كبيرًا، وجدلًا لا ينتهي حول فنه وحياته الشخصية.

نشرت أعماله الكاملة في 4 مجلدات عام 1997.

بورتريه الشاعر نجيب سرور (صحيفة العرب)

ورغم رحلة الشقاء التي انتهت برحيله في 24 أكتوبر/تشرين الأول 1978 فإن سرور ترك الأمل ساطعا للأجيال القادمة، فقال في ديوانه الأخير “فارس آخر الزمان”..:

في يوم ما
من شهر ما
من عام ما
من قرن ما
سيجيء الفارس فوق براق
من أين يجيء؟ من الأعماق
أعماق الشعب الفارس، من أبناء الشعب
فلاح في عينيه صفاء النيل وإباء الأرض
الفارس جيل عملاق يتحدى أخطار الدرب
الفارس شعب سيهب
في يوم ما
من شهر ما
من عام ما
من قرن ما.

مصدر معابر، الجزيرة نت الأهرام، القدس العربي وكالات
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.