ميشيل كيلو.. في حرب حزيران إسرائيل أسقطت القيادة العربية، وحافظ الأسد أسقط المجتمع

154
حاوره: فهد إبراهيم باشا
ميشيل كيلو

شكّلت هزيمة 5 حزيران/يونيو صدمة قويّة لوجدان الشعوب العربية، إذ أنها وبعد شحن عاطفي في وسائل الإعلام بمحاربة إسرائيل، وشحن الجماهير بوعود استرجاع فلسطين من المحتل الإسرائيلي، انهزمت الجيوش العربية بسرعة خاطفة، حيث لم تمتد الحرب لأكثر من ستة أيام، كسب الإسرائيليون فيها أكثر من ثلاثة أضعاف الأرض التي كانوا يسيطرون عليها قبل الحرب، وامتد الاحتلال ليشمل مناطق في سوريا ومصر كمرتفعات الجولان السورية، وسيناء المصرية.

وكانت هذه الحرب/ الهزيمة، منعطفاً هاماً في تاريخ المنطقة العربية، ما زالت الشعوب تدفع الفاتورة من استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، ومن حريتها وإنسانيتها، وخاصة بعد استفراد العسكر بالحكم، دون تقديم أي مراجعات لطرق إدارتها للمجتمع، ومشاريعها، مما ساهم بتأجيل المشاريع التنموية والمجتمعية في تلك البلدان لصالح سيطرة الشمولية والحزب الواحد، وتكريس بنى الاستبداد.

في ذكرى الهزيمة، أو ما اصطلح المهزومون على تسميته بالنكسة، من باب تخفيف وقع الكلمة على ذواتهم المريضة، ومحاولة كسب الشارع الشعبي من جديد، نحاول في صحيفة “الأيام الالكترونية” تسليط الضوء على بعض تفاصيل هذه الحرب ونتائجها عبر اللقاء مع مجموعة من المثقفين الوطنيين.

استعان البعث بإسرائيل في 5 حزيران/يونيو لتحطيم جمال عبد الناصر عبر خطة معتمدة بين الأمريكان والسعودية وإسرائيل، وأعطيت العملية اسم اصطياد الديك الرومي.

في الحلقة الأولى من مجموعة الحوارات حول هزيمة حزيران/يونيو 1967، تستضيف الصحيفة الأستاذ ميشيل كيلو، الكاتب والباحث والمحلل السياسي السوري، رئيس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سورية سابقًا، وأحد مؤسسي لجان إحياء المجتمع المدني، أحد المشاركين في صوغ إعلان دمشق، عضو سابق في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، ورئيس اتحاد الديمقراطيين السوريين.

السؤال الأول:

ما أهمية هذا اليوم في تاريخ العالم العربي؟

٤ حزيران هو اليوم الذي بلغت فيه أوهام العرب ذروتها في تاريخهم الحديث، حيث انجروا كما أراد لهم حزب البعث، بمعنى الحماسة المطلقة لخوض معركة خاسرة حسب ما كان يصرّح المراقبون، كما تم تجاهل التحذيرات التي أطلقها كل “عبد الناصر” والسوفييت والفرنسيون، وكل أصدقاء العرب.

نجح حزب البعث قبل 4 حزيران/يونيو وبعدها في دفع العرب إلى أكذوبة رفع المعركة وجاهزيتها، وكان وراء ذلك “أمين الحافظ” في مؤتمري القمة 1964 و1965م، والتي خوّن بها بعدها “عبد الناصر” معتبراً أنه لا يريد استعادة فلسطين.

عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر(أخبار اليوم)

أعود وأكرر؛ أن يوم 4 حزيران/يونيو؛ هو اليوم الذي بلغت فيه أوهام العرب ذروتها، أما يوم ٥ حزيران/يونيو فهو يوم تحولي مفصلي، لم يبق بعده كما كان قبله، وبطبيعة الحال فقد أخذت التوجهات السياسية مداها الأقصى، وأهمها:

ـ أن حزب البعث قام بعد انهيار الوحدة مع مصر بنقل المعركة من المعسكر الوحدوي التقدمي القومي ضد المعسكر التقليدي في معركته ضد جمال عبد الناصر حيث عاد الضباط من مصر ولهم موقفان:

الأول: لا يمكن الموافقة على الوحدة باعتبار أن جمال عبد الناصر رئيسا لمصر.
الثاني: إنهم لا يوافقون على قيادة ميشيل عفلق لحزب البعث.

هناك تحول في السياسة الدولية الأمريكية باتجاه القضاء على حركة عدم الانحياز، حيث قضت على إندونيسيا، وغانا، ولم يبق إلا جمال عبد الناصر، الذي كان قرار إسقاطه باتفاق مع حزب البعث.

وقد وجدوا في سوريا نفس الموقف برفض الوحدة مع مصر، وبسبب هذا الموقف قلب ميشيل عفلق فكرة السياسة من رؤية الحزب بدلالة الوحدة إلى رؤية الوحدة بدلالة حزب البعث باعتبار نقل المعركة من المعسكر التقليدي إلى داخل المعسكر التقدمي القومي؛ الذي يمثله جمال عبد الناصر.

إن هذا التطور أودى إلى 5 حزيران/يونيو وبعد هذا التطور دخل البعث في عملية الإعداد لحرب حزيران عام 1964 ثم 1965، عندما قرر الحزب فورية المعركة والحرب، وقال حافظ الأسد؛ إننا سنخوض حرباً لتحرير فلسطين عام 1967م.

وقال رئيس مجلس الوزراء “يوسف الزعين” أنه بدأت الآن معركة تحرير فلسطين، وقال نور الدين الأتاسي شيئا مماثلا؛ إنّ إسرائيل إذا تحركت نحونا لا يمكن أن نقف إلا بعد أن نكتسح الحدود، ونصل إلى تل أبيب.

إنّ ٥ حزيران هو يوم التحول المفصلي؛ الذي ترتّب عليه نقل الصراع لداخل المعسكر القومي لتحطيم جمال عبد الناصر وإلغاء دور مصر، عملياً؛ استخدام إسرائيل باعتبارها أداة في صراع قومي ضد الطرف الرئيس الذي كان يمثل الثقل المركزي للعمل السياسي والمكان المحوري لقيادة العالم العربي، استعان البعث بإسرائيل في 5 حزيران/يونيو لتحطيم جمال عبد الناصر عبر خطة معتمدة بين الأمريكان والسعودية وإسرائيل، وأعطيت العملية اسم “اصطياد الديك الرومي”.

حافظ الأسد(تاريخ سوريا)

السؤال الثاني:

ما الأسباب التي أدت إلى خسارة الحرب؟

أما عن الأسباب التي أدت إلى خسارة الحرب فهي:

1/ أن العرب خاضوا حربا في شرط غير ملائم، ليس لديهم الوقت الكافي لخوضها وكسبها.
2/ العرب في حالة تمزّق غير موحدين ومتفقين؛ فالبعث جلّ همّه إسقاط جمال عبد الناصر، وأخذ الزعامة العربية منه.
3/ المجتمعات لم تكن مهيأة وشريكة في القرار السياسي والعمل السياسي.
4/ لأن هناك تحول في السياسة الدولية الأمريكية بشكل خاص باتجاه القضاء على حركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي، حيث قضت على إندونيسيا، وغانا، ولم يبق إلا جمال عبد الناصر الذي كان قرار إسقاطه باتفاق مع حزب البعث.
5/ استعداد إسرائيل حسب تصريح قائد الطيران عن استعدادهم من أكثر من عشر سنين وتسليح أميركا لهم.
6/ لم يكن هناك موقف دولي داعم للموقف العربي ولو حتى بنصائح أو معلومات.
7/ بسبب الكذب والخديعة، فالسوفييت أعلموا عبد الناصر بوجود لواء إسرائيلي على الحدود السورية، وعند مجيء محمد فوزي رئيس الأركان المصري؛ أبلغه السوريون بعدم وجود أحد، وفي اليوم الثاني أرسلوا مذكرة لمجلس الأمن أن إسرائيل تعد للحرب.
8/ أخطاء جمال عبد الناصر؛ منها: اتفاق الدفاع المشترك مع سوريا عام 1966م، والتي استغلتها الرؤوس الحامية بدمشق، وبالفعل؛ ساقه الحزبيون للحرب.
9/ الطبيعة السياسية والطبقية لقادة الجيش المصري، لم يكونوا على اتفاق مع رئيسهم جمال عبد الناصر.

هزيمة الجيوش العربية(مجلة الوعي العربي)

السؤال الثالث:

ما دور جمال عبد الناصر؟

ارتكب عبد الناصر أخطاء كثيرة، أهمها؛ عدم محاربة البعثيين، وسعيه إلى إرضائهم وإجراء الاتفاقيات معهم رغم سعيهم لإزاحته عن زعامة العالم العربي.

للأسف الشديد فإن أخطاءه كثيرة، فقد اعتبر أنه إذا دخل على الخط وتخلى عن زعامة العالم العربي، وقدّم ما يكفي من أدلة بعدم رغبته في الحرب؛ محاولا احتواء موقف البعث السوري، ولم يدرك أنّ إسرائيل تستعد للحرب وهي طرف فيها، ولم تصله معلومات أنه عام ١٩٦٥اتفقت السعودية، وأمريكا على ضرب عبد الناصر ضربة تجبره على سحب جيشه من اليمن.

إضافة؛ إن الضغط على جمال عبد الناصر في الإذاعات السورية والسعودية حول مسألة خليج العقبة، وأن عليه أن يغلقه أمام السفن الإسرائيلية، مع العلم أن إسرائيل عام 1956م صرحت على لسان رئيس وزراء إسرائيل؛ أنه إذا تم إغلاق خليج العقبة سوف نشن حربا على مصر.

هنا؛ وقع عبد الناصر في الفخ الذي خططه له حزب البعث في الشام، وكانت الفرصة التي استغلتها إسرائيل لشن الحرب عليه، علما أن تجارة إسرائيل من هذا الخليج لا تتجاوز 3% من التجارة الخارجية.

ارتكب عبد الناصر أخطاء كثيرة، أهمها؛ عدم محاربة البعثيين، وسعيه إلى إرضائهم وإجراء الاتفاقيات معهم رغم سعيهم لإزاحته عن زعامة العالم العربي.

حافظ الأسد؛ هو من علون الجيش، وطيّف النظام، وهو من سلّم إسرائيل الجولان، حسب قول الياس مرقص ليتمكن من حكم سوريا.

السؤال الرابع:

وماذا عن دور حافظ الأسد؟

كان دوره أساسياً بنصب الفخ لجمال عبد الناصر، يقول أحد العارفين البريطانيين بالسياسة لأحد العاملين بالشأن السياسي السوري؛ إنكم تركّزون على صلاح جديد وذلك خطأ، لأن الشخص المهم هو حافظ الأسد.

حافظ الأسد الذي مات أبوه سنة ١٩٦٤م، ولم يبق أحد من الجيش السوري والأمن والزعامات إلا وحضر الجنازة، وكل من حضر الجنازة تفاجأ بأن الأسد مجرد رائد في الجيش، كيف له كل ذلك الصيت والنفوذ والقوة.

حافظ الأسد، هو من أطلق التصريحات بأنه سيخوض المعركة ضد إسرائيل، وسيصل فيها بالحد الأدنى لتحرير فلسطين مع أمين الحافظ، وقد دفعا باتجاه ثورية المعركة، علما أنهما سرّحا خلال سنة واحدة ٧٥٠ ضابطاً من خريجي الكليات الحربية، ليعينوا مكانهم طلاب ضباط، ورقباء احتياط، مع ترفيع مساعدين بالجيش من الطائفة العلوية، وتسليمهم فرقا وألوية، مع علم الجميع؛ إن الجيش السوري بُني ليحافظ على السلطة.

علما؛ أن حافظ الأسد هو من بنى أجهزة أمنية خاصة “سرايا الدفاع” وعمل على إيجاد مخابرات جوية التي سلّمها للملازم محمد الخولي، وهو من أحضر “علي دوبا” من “تشكوسلوفاكيا” ليسلمه المخابرات العسكرية.

حافظ الأسد مع قادة الجيش السوري(أورينت نت)

في عام 1966 منع حافظ الأسد أي اتصال بين “صلاح جديد” وبين الجيش، كما جمع 500 ضابطا حوله قبل انقلابه عام 1970م، وقال لهم؛ أنتم الحزب والنظام، وأنتم من أحضر البعثيين، وأنتم مؤسسو حزب البعث من جديد، وأنتم من سيحسم الأمر ضد “صلاح جديد”.

يوم 5 حزيران/يونيو عام 1967، أعاد العرب إلى فترة محت كل الإمكانيات النهضوية التي بدأت مع المشروع القومي، والنضال الشعبي، والنضال الوطني، ومحت أي قدرة لديهم لأن يؤسسوا مركزا يتمحورون حوله

حافظ الأسد؛ هو من علون الجيش، وطيّف النظام، وهو من سلّم إسرائيل الجولان، حسب قول “الياس مرقص” ليتمكن من حكم سوريا.

السؤال الخامس:

كيف بات وضع العرب بعد الهزيمة؟

يوم 5 حزيران/يونيو عام 1967م، أعاد العرب إلى فترة محت كل الإمكانيات النهضوية التي بدأت مع المشروع الناصري، ومع المشروع القومي، ومع النضال الشعبي، ومع النضال الوطني بشكل خاص، محت أي قدرة لديهم لأن يؤسسوا مركزا يتمحورون حوله كالمركز الناصري، محت كل ما أنتجوه وحققوه بالاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، وأدخلتهم في زمن انحداري وانهياري نعيشه اليوم، والذي ساعدهم على تحقيق هزيمة حزيران/يونيو هو؛ الاستبداد الأسدي.

حرب حزيران/يونيو؛ أسقطت القيادة العربية في مصر، وقيادة الثورة حسب رأي “الياس مرقص”، فإسرائيل أسقطت القيادة العربية، وحافظ الأسد أسقط المجتمع.

للاستماع للتسجيلات الصوتية للسياسي السوري ميشيل كيلو:

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.