موقع الإيديولوجيا راهناً وقادماً

هل سيخفف الزمن القادم كثيراً من التمسّك بالإيديولوجيا العقيدية لصالح ولادة تيارات عريضة تعبّر عن توجهات الناس فيها، كالتيارات الوطنية، والوطنية الديمقراطية، والليبرالية، أو القومية، والإسلامية وغيرها، بعيداً عن قيود الأدلجة وأسوارها؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

موضوعياً، ووفق التحولات التي شهدها العالم، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، بدا وكأن مرحلة الإديواوجيا في حالة غروب، وأن بدائل أخرى تطرح نفسها بقوة “العولمة” ونتائج ذلك السقوط، ومجمل الأزمات المتعاقبة لعموم الأحزاب العقائدية، والتي ظهرت في موقع المعادي للحريات الفردية والعامة، ول”حركة التاريخ” التي اجتاحت معظم مناطق العالم.

ـ على الصعيد العربي ظهرت النتائج أكثر إيغالاً في بنية ودور وواقع الأحزاب “التقليدية” التي ظلّت متمسكة بعقائدها خاصة بعد سلسلة الهزائم ومفاعلاتها، والتي وضعت جلّ الأحزاب في بؤرة الأزمة الشاملة التي تفاقمت على مرّ عقود ما يعرف بمرحلة الردّة.

ـ الردّة هنا تعني، فيما تعني، التخلي على ثوابت تلك المرحلة التي كانت تتصف بكثير الشعارات، وبتغليب العقائدي على السياسي، ونمط الحكم الشمولي القائم على وجود حزب حاكم يملك صلاحيات غير محدودة، وقد تهاوى كل ذلك تباعاً، وأخذت نظم ما بعد الردّة تعمل على قولبة المجتمعات التي تحكمها بطريقة مختلفة، فقد جوّفت المبادئ والشعارات التي كانت، وفرضت أنماط مجتمعات الاستهلاك القائمة على الربح السريع، والاقتصاد العشوائي المفتوح، والاستيراد بعد تصفية وبيع معظم مؤسسات ما يعرف ب”القطاع العام” بأسعار رمزية كان أغلبه من نصيب القوى الطبقية الصاعدة ذات السمة الطفيلية والمرتبطة بوشائج قوية مع النظم السياسية من خلال الشراكة، والتسهيل، والرشا، وعبر عملية منظمة للفساد والإفساد.

ـ إن نخر ذلك المشروع النهضوي على يد قوى ولدت من أحشاء النظم الحاكمة، ضمن مسلسل الهزائم والمقايضة على القضايا الوطنية والقومية، وفرض بضاعة وقيم وعلاقات مجتمعات الاستهلاك، ونشوء فئات صاعدة أقرب للمافيوزية، وإلغاء السياسة إلا على أهل السلطة فيما يعرف ب”التصحّر”.. أنتج تركيبة مجتمعية جديدة، وعلاقات مختلفة عن تلك التي برزت على امتداد عدة عقود، وقد خلت فيها القضايا العامة، أو اضمحلت لدى الأجيال المتعاقبة، وباتت سياسة دبّر رأسك، واهتم بمصالحك اللغة السائدة في المفاهيم والعلاقات، وهو ما كانت تسعى إليه نظم القمع والتغييب المنهّج لدور الشعوب.

على الصعيد العربي ظهرت النتائج أكثر إيغالاً في بنية ودور وواقع الأحزاب التقليدية التي ظلّت متمسكة بعقائدها خاصة بعد سلسلة الهزائم ومفاعلاتها، والتي وضعت جلّ الأحزاب في بؤرة الأزمة الشاملة التي تفاقمت على مرّ عقود ما يعرف بمرحلة الردّة.

ـ صحيح أن نوعاً من المدّ الإسلامي الاختلاطي، بكل تنوعاته، انتشر لسنوات، وعمل على طرح نفسه كبديل ـ شمولي ـ للأحزاب السابقة، وللأوضاع القائمة، والتمسّك بشعار الدولة، أو الخلافة الإسلامية، لكن ذلك المدّ الذي لاقى دعماً لعقود من قبل القوى الغربية بهدف إيجاد سدّ في مواجهة الإتحاد السوفييتي والفكر اليساري، خاصة بعد التدخّل السوفييتي في أفغانستان، عرف بدوره أزمات متلاحقة، وعجز عن تقديم نفسه كبديل مناسب، على العكس من ذلك فإن وجود بعض الاتجاهات الإسلامية في الحكم، أو في مواقع التأثير والسيطرة أسهم في خلق إشكالات جديدة، تصبّ في مجرى الابتعاد عن القضايا العامة، والإيديولوجيات مهما كانت طبيعتها.

ـ لقد جرى احتقار السياسة، والمبادئ والقيم التي سادت لعقود، وفي مقدمها أساسات ما يعرف بالمشروع النهضوي، الوحدوي، التحرري، فغابت تماماً تلك القضايا العامة التي شكّلت على مدار حقبة كاملة محطّ اهتمام العمل السياسي، والشباب، والأحزاب، وأصبحت الأحزاب المستندة إلى مرجعيات عقائدية تواجه نوعاً من الانفصام عن الواقع، وابتعاد الشباب عن الانخراط فيها، أو الاهتمام بما تطرح من شعارات وبرامج، بما أوجد فجوة راحت تتسع مع مرور الزمن، يزيدها القمع، واغتيال الحريات العامة والخاصة، والتضييق والتصفيات والاعتقال حدّة، وشمولية لدرجة ضمور عديد الأحزاب، وحدوث شروخ فيها، وانشقاقات متعددة الأسباب والأشكال، بما في ذلك عملية ” التبطيل” أو الاستقالة من العمل بالشأن العام، والنتيجة تكريس حالة أقلوية في تلك الأحزاب التي كاد بعضها يقتصر على مجموعات صغيرة، وعلى العائلة والأقرباء، وبعض الأصدقاء المقرّبين.

ـ بواقع الانحسار المتراكب، الذاتي والعام، لم تعد الأحزاب العقيدية قادرة على التأثير في الأجيال وكسب الشباب، مما أدّى أشكال عديدة من التخثر والأزمات الداخلية التي تظهر بعديد الأشكال، وكأنها تدور في حلقات مفرغة تجعلها غير قادرة على التجديد، أو حقنها بدماء شابّة، فشابت معظم القيادات وهي تكرّس ديمومة شبيهة بطبيعة النظم الاستبدادية القائمة، فكبرت الفجوة بين الشعارات والواقع، خاصة ما يتعلق منها، مثلاً، بالديمقراطية، والتغيير، والتجديد، وعلى سبيل المثال لم يعد ـ ملفتاً ـ أن يستمر مسؤول ما في موقع قيادي أول، أو متقدّم لعقود، وأن يستنجد بالأولاد والعائلة والأقرباء لتعبئة الفراغات القيادية ـ النظرية ـ التي تحددها الأنظمة الداخلية، وهياكل الأحزاب.

الوطنية تعني باختصار أن يكون الوطن هو الحاضن، ومركز الاهتمام والعمل، وهو الجامع التوافقي بين اتجاهات يمكن أن تكون مختلفة في قضايا عديدة، لكنها مجتمعة حول الوطن، وكذا الأمر فيما يخص الديمقراطية نظاماً، وسلوكاً، ونهجاً.

ـ الحقيقة الصارخة التي كشفت عنها ” ثورات الربيع العربي” بوجه الخصوص أن بنية الأحزاب التقليدية ليست مهيّأة، وبالتالي ليست قادرة على أن تكون البديل للنظم التي ثارت عليها الشعوب، وطمحت إلى تغييرها، وكان التحاقها، أو ركوبها متن تلك الثورات عبئاً داخلياً عليها، وعاملاً من عوامل الإشكالات التي تواجهها تلك الثورات، خاصة وأن التحولات، والعقيدات التي عرفتها معظم بلدان تلك الثورات، لم تسمح بولادة قيادات من صلبها تستند، بشكل رئيس، على أجيال الشباب (صناعها الرئيسين)، والذي بدوره يكشف طبيعة الأزمة ضمن الشباب الذين يعانون تركة العقود من ممارسات أنظمة الاستبداد والفساد.

ـ ربما لن تموت الإديولوجيا نهائياً، وستبقى كاتجاهات عامة عريضة، لكن الأكيد أن الأحزاب الإديولوجية، بصيغها السابقة، ومرجعياتها المتشددة لن تكون قادرة على مواجهة التطورات وعلى التأقلم مع المتغيّرات، ومتطلبات المستقبل، وستكون أمام تحدّيات مصيرية تدعوها لإجراء تغييرات جوهرية، بنيوية وفكرية وسياسية قد يكون منها التخفيف، أو إلغاء موقع الإديولوجيا فيها، والانفتاح الجدّي على الشباب باستيعاب اهتماماته وتوجهاته.

ـ إن تشكيلات تيارية عريضة تطرح الوطنية، والديمقراطية قد تكون الخيارات القادمة للتحولات السياسية القادرة على الحياة، وعلى استقطاب أجيال الشباب، وهي قضايا ليست بسيطة، أو شعارية، بل تستلزم تفصيحات نظرية وفي الممارسة. الوطنية بمعناها الجمعي، التوافقي، والديمقراطية كإيمان والتزام وتجسيد تستلزمان التحديد، وتوضيح التخوم لإحداث الفوارق بين هذا التيار وذاك، لتكون الممارسة هي الامتحان والمقياس.

ـ الوطنية تعني باختصار أن يكون الوطن هو الحاضن، ومركز الاهتمام والعمل، وهو الجامع التوافقي بين اتجاهات يمكن أن تكون مختلفة في قضايا عديدة، لكنها مجتمعة حول الوطن، وكذا الأمر فيما يخص الديمقراطية نظاماً، وسلوكاً، ونهجاً.

ـ أعتقد أن الزمن القادم سيخفف كثيراً من التمسّك بالإيديولوجيا العقيدية لصالح ولادة تيارات عريضة تعبّر عن توجهات الناس فيها، كالتيارات الوطنية، والوطنية الديمقراطية، والليبرالية، أو القومية، والإسلامية وغيرها (بعيداً عن قيود الأدلجة) وأسوارها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.