موت يحسد عليه

حسين رحمي قوربنار

الموت جوعاً… إنها الجملة التي تحرم ناصح من النوم، وتحفر قبوراً سوداء معتمة مخيفة أمام عينيه الفضوليتين… كان على استعداد لأن يغامر بأي شيء، أي شيء لكي يهرب من سواد وشؤم هذه الجملة المخيفة… كل شيء إلا أن يموت جوعاً.. كل مصيبة، كل سوء لم يكن ليعتبر كارثة مقارنة مع الموت جوعاً. الموت بحد ذاته مفهوم معلوم بالنسبة للجميع.

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

على الرغم من وجود اختلاف كبير بين مكونات موائد الميسورين (الأرستقراطية) وموائد الشعب من الطبقة المتوسطة والمتدنية، لم تكن الطبقة الفقيرة محرومة تماماً من فرص الحصول على اللحم، والحلويات، والفواكه. لكن الآن قلبت مقاييس المعيشة رأساً على عقب. اختلّ تسلسل نبل الطبقات.

حالياً بالنسبة للمعيشة العامة لو أردنا أن نقيّم الناس استناداً إلى الوفرة والحاجة لاحترنا مَن الغني ومَن الفقير؟ لو قورنت معيشة الكاتب المدقق الذي يجني ليرتين يومياً بمعيشة الحمّال الذي يجني سبعمائة إلى ثمانمائة قرش يومياً لوجدنا أن من هم أدنى من حيث المهنة هم في صعود، وهذا نتيجة الارتباك الكبير في التوازن الاجتماعي. هناك فرق غير متناسب في الإيرادات. ثم إنه ليس للحمال هم غير حبله وسرجه، وليس لديه أفواه ليطعمها غير فمه. بينما يحمل السيد المصحح المسكين على كاهله إيجار البيت، ومصاريف دراسة الأولاد وحمل عائلةٍ لا يمكن لأي معجزة أن تتكفله بليرتين. إذاً أي منهما الحمال الحقيقي وأي منهما الأفندي! المسكين لو أن لجسده قوة كقلمه، لو لم يكن يتحاشى أقاويل أقاربه ومعارفه، لم يكن ليتعالى عن تبديل شرف “الكتابة” بسوقيّة الحمال، كان سيقول هذه سنوات الربح وليس الخجل، لكن ما العمل؟

والآن ها هو السيد ناصح بعد فلسفته الاجتماعية العميقة هذه واقعٌ في شواطئ هذه الأفكار الخسيسة، ضارباً رأسه المسكين المتألم من حجر إلى حجر. مشقة حمل الحمال ليست شيئاً يذكر مقارنة بحمل المعيشة الشاق وغير المرئي الذي يُسحق تحته كل دقيقة.

قبل الحرب كان السيد ناصح يأكل ويشرب بشكل جيد جداً. لكن هذه الحرب اللعينة التي قدمت أرباحاً هائلةً غير متوقعة للكثير جففت جميع سبل عيشه، ولم تُبق في يده شيئاً. انحدر مستوى معيشته إلى أضيق الدرجات وأكثرها إيلاماً. كان السيد ناصح من الأشخاص النهمين المعتبرين في اسطنبول، كان أحد أبطال المعدة في المدرسة عندما ربح الرهان بين أصدقائه وأكل خمسة وأربعين صحناً من العاشوراء.

زادت شهرته كنهم عندما بدأ كمتدرب في العمل، أدهش المتفرجين في السوق عندما أكل صينية ونصف من البقلاوة الرقيقة المحشوة بالقشطة. وفي وليمة أحدهم أحاطوه بالتصفيق بعد أن أنزل خمسة عشر قرصاً من الباذنجان المحشي في معدته، لكن هذه المرة رقد في السرير أسبوعاً كاملاً بسبب عسر الهضم. يا له من زمان، الآن يحاول تعزية نفسه بذكريات الماضي.

كان ناصح متوسطاً في الطول لكنه ضخم في العرض. بكتفيه العريضين، وزنوده السميكة وفخذيه السمينين، وبطنه المنفوخة كالطبلة، يشبه باكوس في اللوحات المعروضة في بعض الحانات. لكن القحط الذي سببته الحرب أبهت احمرار لونه أولاً، ثم أذاب جسده الضخم، وأذابه، حتى أضحى المسكين في حالة يصعب التعرف عليه. لم يكن يشبه بالحواضر الموجودة فاعتمد بشكل كلي على خبز الإعاشة والبرغل. تعرض لحرقة الأمعاء وضيق النفس، وتحمل آلام المغص الشديدة. في ليلة كاد يختنق. تتضخم قدميه ويؤلمه ساعداه كل حين، أصاب يديه تنمل، لم يعط بالاً لهذه الأعراض إلى أن بدأ يشعر بالدوار.

كان يغيب عن الوعي بينما هو يمشي فيقع وينخطف لونه. أخيراً اضطر للذهاب إلى الطبيب. بعد معاينة شاملة من قبل الطبيب، نصحه بتجنب أكل ما يصعب هضمه من الطعام، وتجنب ملء المعدة، والمشي السريع وصعود الأدراج، وكل ما قد يسبب له تسرعاً في دقات القلب. لكن لم يكن وحده في البيت ممن يعاني من اضطراب المعدة والأمعاء والقلب. زوجته التي في مثل عمره تقريباً، كانت تعاني من مثل حالته، ابنته، أحفاده دائماً مرضى وبحاجة للعناية وتناول طعام مغذٍ. خبز الإعاشة، البرغل، والطعام الثقيل كالحجر الخال من الدهن واللحم، آذى صحة أفراد العائلة كاملةً، خرب دماءهم، وأنهك أجسادهم.

في عائلة جميعها كباراً صغاراً، يعانون من سوء التغذية والهضم كيف له أن يفكر في نفسه فقط ويأكل اللحوم البيضاء ولحوم الرقبة، الحليب، الألبان، البيض الطازج، الحلويات، الفواكه، والمخبوزات الطازجة؟ إما أن يتغذى الجميع بنفس الغذاء، أو أن يموتوا جميعهم. عندما يشتد مرض أحدهم لا يدوم الاعتناء بغذائه كما يتطلبه المرض سوى ثلاثة أيام.

الموت جوعاً… إنها الجملة التي تحرم ناصح من النوم، وتحفر قبوراً سوداء معتمة مخيفة أمام عينيه الفضوليتين… كان على استعداد لأن يغامر بأي شيء، أي شيء لكي يهرب من سواد وشؤم هذه الجملة المخيفة… كل شيء إلا أن يموت جوعاً.. كل مصيبة، كل سوء لم يكن ليعتبر كارثة مقارنة مع الموت جوعاً. الموت بحد ذاته مفهوم معلوم بالنسبة للجميع.

السيد ناصح حاشى، لم يكن يريد أن يقف في وجه القدر، لم يكن يهاب الموت، الجوع هو ما يجعله يرجف فزعاً، هو لم يكن يريد ما يجلبه هذا الموت من الألم.

حسين رحمي قوربنار(حرييت)

كان قد رأى الكثير من الناس في شوارع اسطنبول على الأرصفة في عز اندلاع الحرب من الذين يتلوون على حواف الموت قبل أن يلقوا حتفهم من الجوع، وقد سال لعابهم، احوّلت عيونهم، واصفرت وجوههم. كان يخاف أن يواجه نفس النهاية، ولا يزال خائفاً.

عدا عمّن يموتون في اسطنبول بين الأقدام كالكلاب، معذبين، تختلط حشرجاتهم بأصوات السيارات، هناك عدد لا يحصى ممن تغيرت حياتهم مساكين يموتون في بيوتهم بنفس الألم.

يقابل بين حين وحين في ذلك الحي، في المراحل الأخيرة اليائسة لمرض السل أحداً من المعارف شاحباً واهناً، لحماً على عظم، يخطو بصعوبة، ويصله خبر موته بعد عدة أيام. يفكر في حلول مختلفة لكي لا يموت جوعاً، لكنه مهما فكر لا يجد مخرجاً من هذه المسألة التي عجز أكبر علماء الاقتصاد عن إيجاد حل لها، فقر الطعام كان تهديداً تزداد حدته كل يوم.

مضى زمن لا بأس به على وداع المخبوزات، والكباب، والحلويات، والدجاج، والأسماك. مرة بينما هو يمشي في باهتشاكابي وقف أمام مطعم وأخذ ينظر شارداً إلى المأكولات على الواجهة.

رؤوس الخرفان وعلى فمها خضار للزينة، شرائح اللحم الناعمة، سمكة الباربونيا ذات اللون الوردي بنظراتها الواهنة موضوعة على طبق مستطيل، قطع سمك الترس الممتلئة، الدجاج المقلي، المحشي، البقلاوة بالقشطة، خشاف التفاح، والمشمش، الأرز بالحليب، السلطات، الفواكه المتنوعة.

راقب السيد ناصح هذا المعرض الصغير للطعام بالعاً ريقه. أرسلت معدته الخاوية كل رسائلها بالجوع والاشتهاء. بحث عن مكان يستند إليه كيلا يقع، الشهية التي تضخمت في معدته، انتشرت في جسده كريح سامة، لفه تشاؤم مخيف من كعب رجليه إلى دماغه، فأحس بكراهية وقرف كبيرين في داخله تجاه الأثرياء والشبعانين.

لمن هو قحط الحرب إذاً؟ في هذه البلد بالقرب ممن يموتون جوعاً كان هناك من هم يتعرضون لسوء الهضم من التخمة. ليس من الإنصاف أن تعرض هذه الأطعمة بهذه الطريقة دون أدنى تفكير بآلام من يبلعون ريقهم، يشتهون، يرجفون ويتألمون وتجحظ عيونهم كلما مروا من أمام هذه الواجهات وجيوبهم خاوية. فكر في أن يلتقط حجراً من الأرض ويكسر زجاج الواجهة، ويرمي طيناً ووسخاً على الأطعمة المزينة. لكن ماذا كان سيفيده غضبه وهجومه هذا؟ سيظنونه مجنوناً ويعتقلونه، وبينما يجرجرونه من مركز شرطة إلى الآخر سيواصل زبائن هذه المطاعم إتخام بطونهم بكل شهية ونهم. تابع النظر إلى جمال أطباق الطعام محاولاً أن يتغلب على غضبه. من يعلم كم من النقود يلزمه ليأكل من هذه الأطعمة بنهم؟ لم يكن بحوزته سوى خمسين إلى ستين قرشاً. خرج من المطعم شخصان وهما ينكشان أسنانهما بالأعواد، تشع الصحة وبهجة الحياة من وجهيهما، أكلا حتى الشبع، والآن يمضيان إلى العمل بانتشاء يليق بالشباع. بينما هو محكوم بالجوع. لماذا تقسم الحياة الناس إلى جائعين وشباع؟ ويسمى هذا التعسف “قدر”. عاد الفقر لينخز دماغه.

في هذه الأثناء جاء طفلان متسولان ثبتت أعينهما المخدرة على الأطعمة، واللعاب يسيل من شفاههما. أشار أحدهما بإصبعه المتسخة إلى سمكة القاروص بالمايونيز:

– أحمد، من يدري كم هو شهي طعمها؟
بلع الآخر ريقه عدة مرات وأجاب:
-لو حطمت بقبضتي هذا الزجاج، وأخذت حفنة منه وهربت، لعرفنا كيف هو طعمه…
في تلك اللحظة شعر ناصح باستياء وقرف شديدين تجاه الفقر والبؤس، شد على قبضته وهجم باتجاه الطفلين:

-أيها الأوغاد، اللعنة على الأم والأب اللذين زرعاكما في حقل البؤس كما تقذف الحيوانات بنسلها في الروث، ستموتون قبل أن تتذوقوا هذه الأطعمة، هكذا أراد من خلقكم، هيا اذهبوا وكلوا مع الكلاب الكناسة والقاذورات المتبقية من سوق الخضار. لماذا تريدون التعالي على قسمتكم أيها الصعاليك؟ ذوقوا من هذا الحرام بطرف إصبعكم وسيجعلونكم تتقيؤون ضرباً. لماذا لم تولدوا من بياع البرغل يا أولاد الحمير؟
ظن المتسولان الصغيران أن ناصحا مجنون وهربا مرتعدين.

بينما الطفلان البائسان يهربان ناظرين خلفهما، أنزل ناصح إصبعه التي رفعها في وجهيهما على رأسه:

-وكأنني أفرق كثيراً عنهما! هما جائعان وأنا كذلك… هما لا يعرفان طعم سمك القاروص بتاتاً، أما أنا فقد نسيت طعمه!..

غاص في أفكاره في تعقيدات مسألة الجوع المؤلمة وعيناه لا تزال على الأطعمة. لعن الحرب، والحياة، والبؤس، وكل شيء، كان خائفاً من الموت جوعاً، ولم يكن بعد جائعاً تماماً، لكن ما الفرق بين الموت بأقصر طريق مباشر جوعاً والموت دنفاً رويداً رويداً بأكل العصيدة والكراث المطبوخ مع الماء، وخبز الإعاشة القاسي كالطوب؟ ألم يكن الأول أكثر عذاباً وإيلاماً؟ لا مهما يكن لا يريد ناصح الموت جوعاً. سيموت شبعاً. أقسم بحماس كبير على أن يموت شبعاً من الحلويات، والمحاشي، والخرفان، والأسماك، والدجاج، وكل الأطايب.

القرار الأصعب هو تقبل الموت، هل يوجد ما لا يمكن للإنسان فعله بعد أن يتقبل فكرة موته؟

مشى ببطء إلى بيته في ياراباتان، مشى شارداً غير منتبه إلى مكان دعس رجليه، كان يحاول حل الصعوبات التي قد تواجه المسألة. دخل إلى بيته، انغلق على نفسه في غرفته بحدود الساعة، ثم لبس أنظف ما يملك. كتب بحماس ورقة ووضعها في جيبه بعناية، لم يأخذ معه نقوداً أبداً. قبل أفراد عائلته دون أن يوضح لهم وجهته، وخرج إلى الشارع. مشى مجدداً بخطوات ثقيلة إلى باهشاكابي، دخل واحداً من أفخم المطاعم، اختار ركناً منعزلاً، كان سيأكل حتى يمتلئ وينفجر. كان يجد الموت بهذه الطريقة فنياً بالمقارنة بالموت عن طريق النفخة من أكل العصيدة والبرغل.

قرأ قائمة الطعام ست مرات بدقة من يحفظها، افتتح طعامه بمحشي الديك الرومي، طلب سلطات مشكلة، فتح قارورة شامبانيا، وضع الثلج، لم يترك نوعاً من اللحم، البقر، الخروف، الدجاج، السمك. وطلب كل أنواع الخضار سواء كانت بزيت الزيتون أم سادة. لم يغفل عن خانة واحدة في القائمة إلى أن وصل إلى الأرز والمعكرونة. أراد أن يستفيد من مرض القلب الذي شخصه له الأطباء ليتخلص من عذابات الحياة التي وصلت حداً لم يعد يحتمل في المدة الأخيرة. سوف يأكل… ويأكل… ستنتفخ معدته، سيشعر بنخزة في قلبه، وكآلة انفجر مرجلها ستتوقف الحياة فجأةً. لكنه كلما أكل يشعر باتساع لا يصدق في معدته. تذكر نهمه القديم، كم كان يأكل بابتهاج في شبابه. كانت التسلية مختلفة في رهانات النهم. أما الآن فهو يأكل ليموت. حتى لو ندم الآن لن يستطيع تغيير قراره، فلم يكن بحوزته نقود ليخرج سالماً وبدون فضائح من هذا المطعم. لنرى أي قاتل، والأصح أي طبق مقدس سينهي حياته ويسلمه إلى عزرائيل قبل أن تتسلمه الشرطة؟

الندل مندهشون يحملون الأطباق بدون توقف. ودستة الفواتير على الطاولة تتضخم وتتضخم.

في طرف المطعم حيث يدقق صاحب المطعم طلبات الزبائن لتجهيزها كان يلقي نظرات فضولية ومتشككة على هذا الشره الذي لا يشبع.

بدأ السيد ناصح بتناول الحلويات تحت النظرات الفضولية المندهشة المصوبة إليه. لم يترك أرزاً بالحليب، ولا حلوى الشوكولاتة، ولا الكريما، إلى أن ثبت عند البقلاوة بالقشطة التي أعجبته كثيراً. لم يشبع منها، طلب منها أطباقاً بعد أطباق. انتفخ.. انتفخ.. كلما أكل كلما تمدد جسمه كالكيس البلاستيكي. تضخم كثيراً طولاً وعرضاً، أحس بنوع من الفخر بامتلائه هكذا بالأطعمة والشامبانيا بعد مجاعة استمرت أعواماً طويلة.

كم خدع الأطباء بتشخيصهم، أين مرض القلب هذا؟ لماذا لا يظهر نفسه؟ أه من الأطباء من يعلم كم أخافوا الأغنياء بالأمراض ومنعوهم من الشبع بالطعام والشراب. إن كان الأطباء فعلاً مخطئين في تشخيصه، إن لم يكن مصاباً فعلاً بأمراض القلب، إن لم يقتله ما أكله من طعام، سينقلب كل هذا إلى فضيحة. هل كان يريد أن يأكل المزيد؟

حسين رحمي قوربنار(حرييت)

لم يكن يفهم الأمر، لكن مادام قد حصل على هذه الفرصة كان لزاماً عليه أن يأكل. بطولته اليوم كانت في أن يأكل حتى ينفجر. كلما تأخر بالانفجار كلما سبب الضرر لصاحب المطعم، وليس لنفسه. ألقى نظرة على القائمة وعلى الواجهة، وطلب مجدداً مما اشتهت نفسه.

كان يتصبب عرقاً من كل أنحاء جسده، كإسفنجةٍ محشورة، تحت ضغط الامتلاء الذي وصل إلى حلقه، يتنفس بصعوبة من يسحب النفس من بئر عميقة، أصبح طعم ما أكله من حلو وحامض ومالح وحار يصعد إلى فمه بالتجشؤ والفواق. فهم الآن أنه قد شبع. انسدّ بشكل فظيع.

في صحوته كان يكابد وكأنه داخل كوابيس مخيفة، يغيب عن الوعي ويعود مرتخياً. ها هي النفس العمياء التي يقولون إنها لا تشبع، قد شبعت. جميع السرقات، الجرائم، النشل، هل كانت كلها للامتلاء هكذا حتى الانفجار؟ جوع طوال اليوم ثم طعام وامتلاء حتى الحلق، هل هذه هي الحياة؟ إن كانت لم تكن لذة الحياة غير الحصول على امتلاء كهذا، فهو لا يعتقد بأن الشبع الذي أراده بشدة منذ زمن بعيد يستحق هذا الضجيج، والطنين، والصخب، والمعاناة التي يحسها الآن. تذكر المثل؟ “الجائع يظن بأنه لن يشبع، والشبع يظن بأنه لن يجوع”. ها هو قد شبع بينما كان يظن أنه لن يشبع. إن بقي على قيد الحياة كان سيجوع مجدداً. كان في تلك اللحظة كعاشق سعيد شبع من معشوقته التي ظن بأنه لن يحصل عليها أبداً. سعادة الناس الحقيقية هي في التمني. عندما تطفأ الأمنيات بالشبع منها لا يبقى للحياة أي لذة.

الآن… في تلك الساعة كان هناك الكثير من الجياع في اسطنبول، بدأ يلوم نفسه بجريمة أنه قد ملأ معدته وحده بما قد يأكله خمسة أو ستة أشخاص منهم. أهكذا أكثر الناس إنصافاً، وأكثر الناس عدالةً، يفكر بأوجاع من هم مثله من المحتاجين بعد أن يملأ معدته إلى أقصى درجاتها؟ يا ترى هل يوجد شخص لم تتح له الفرصة لأن يأكل حد الشبع هكذا ولو لمرة واحدة في حياته من الأطعمة التي يحبها؟ حتى لو وجد، فهو الآن أصبح خارج هذا الصنف. أراد أن يفكر في سبب أكله كل هذا الطعام ليخلص ذهنه من الوهن الذي تسببت فيه هذه الرخاوة. أكل ليموت. لكن لماذا لايزال حياً؟ طلب طبقاً من البقلاوة بالقشطة بينما هو يفكر في ذلك. أخذ لقمة بثقل، بلعها بصعوبة، شرب نصف كأس من الشمبانيا ليدفع بشهيته إلى الحد الأقصى، اللقمة الثانية وقفت في حلقه بثقل كرة حديدية، هذه البقلاوة الشهيرة بلذتها، والتي ملأت أحلام وخيالات الكثير من الجياع، هذه الأكلة الشهية، باتت الآن ثقيلة على البلع حد الغثيان. لم تتحمل معدته ثقل هذه اللقمة الأخيرة، ازرقّ وجهه، ضاعت ملامح كل شيء أمامه، سمع انسكاب سائل بعد انفلاق شيء في داخله. أحس بانزلاق جميل وكأنه يطير في الفراغ. باصطدام خفيف انقلب بهدوء على طبق الحلويات. بخدين مليئين بالبقلاوة والقشطة، وحواف شفاه عليها رغوة الشامبانيا، ودع آلام الجوع، وانعدام الأخلاق، والبؤس في هذه الحياة الفانية. لف صفار الموت وجهه. أصبح السيد ناصح جثة محشوة بالطعام. موت دسم كهذا كان سعادة لا يحصل عليها الكثير في سنوات القحط هذه.

علمت الشرطة، جاءت الشرطة والأطباء، بعد المعاينة كتب تقرير بأنه مات بسبب سكتة قلبية، فتشوا جيوبه ليتعرفوا على هويته، لم يعثروا على مال ولا على أي شيء ذي قيمة. وجدوا ورقة مطوية فقط.
قال صاحب المطعم مضطرباً محاولاً أن يفهم من سيدفع له ما تحمله من ضرر:

-سيدي، لو لم يتوقف قلب هذا الرجل العجيب على طاولة الطعام، كيف كان سيدفع حسابه؟

كتبت هذه السطور على الورقة التي في جيبه:

” حمداً وشكراً لم أمت من الجوع، لا أريد أن أكون مثالاً سيئاً للغير، لكن كيف لي أن أنكر حلاوة هذا الموت؟ فكرة تتويج سنين الجوع الطويلة بهذه التخمة اللذيذة والعبور إلى الآخرة هي ابتكار سيجعل حتى الأمريكان معجبين بإيجادي لها.

قد يوجد بعض الزاهدين ممن يفكرون بالعقاب الناتج عن ملء المعدة بالأكل الحرام والعبور إلى الآخرة. هذه المسألة مهمة، هي قضية سؤال وجواب بيني وبين الملائكة. قبل أسئلة تلك الملائكة، عندي لها الكثير من الأسئلة الدقيقة، فلتواجهني إن استطاعت. في زمن النهب والسلب والغنائم والمصائد، ما وزن كلمة الحرام والحلال؟ أشبعت نفسي بالمجان مرة في العمر، وأعطيت عمري في المقابل. ولم يعد في الإمكان تكرار هذا الأمر. ما أكثر من يمتهنون أكل الحرام طيلة حياتهم، انظروا إليهم، هؤلاء عديمو الرحمة هم من يسرقون أرزاق من هم قانعين برزقهم. ولو حسبنا الأمر بشكل أصح، لكان لي في ذمتهم الكثير، ولخجلوا من قول كلمة حرام على آخر وجبة لي. إن لزم أن أطلب المسامحة من صاحب المطعم أخبروه أن يقترب… في هذه اللحظة ارتفع ستار الماديات عن عيني، أصبحت أرى داخل كل شيء كزجاجة شفافة براقة. وأقرأ قلب رب العمل ككتاب كذب وخداع مفتوح أمامي، هل أنشر على الملأ مصادر ما جمعه من مال إلى اليوم؟ هل أروي كيف جمع رؤوس المال لأولاده، وكيف حصل على جهاز بناته، وكيف اشترى الأبنية التي في باي أوغلو؟”.

ازرقّ وجه صاحب المطعم وهو ينصت إلى هذه السطور بخفقات قلب تزداد تدريجياً وكأنه هو الثاني سيتعرض لسكتة قلبية:

-يكفي، لا تتابعوا القراءة، حلال على هذا الرجل مني جميع ما أكله. كيف للسان أن يحرمه على شخص عظيم مثله؟ لكن لي رجاء منكم، ألّا تُنشر القصة في الصحافة كي لا يقتدي به آخرون من الجياع.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.