موت على عتبات الجوع

محطات من التغريبة الشامية(14)

النظام أعاد القصف بالمواد الكيماوية، صُعقت من الخبر المفجع، ضج الحي بالحركة والصراخ، الناس تدق على أبواب الجيران توقظهم. نظرت إلى زوجي وامتلأت عيوني بالدموع موضحة أن أهلي ينامون باكرا ولن يعرفوا بما حدث وأني أشعر بالخوف الشديد.

الأيام السورية؛ نور الشامي

كان الموت في الغوطة الشرقية يتلقفنا أينما ذهبنا، فإن لم يتمكن من حصدنا قصفا بشظايا مباشرة، أو هرسا وخنقا تحت ردم الأبنية المهدمة، فالموت مرضا وجوعا وقف لنا بالمرصاد، وبدأ يصطادنا بالتدريج بدءا بالأضعف

تفاصيل لا يمكن تصديقها

مادة (السكرين) المنتشرة تفتك بالأجساد، ضَعُفت مناعة الأبدان ومقاومتها، بات الناس يتساقطون كأوراق الخريف اليابسة جوعا وعطشا وقهرا خط على ملامح الشباب فينا أخاديد تحكي تفاصيل أوقات مرة كالعلقم لو حدثنا بها أحدا كاد لا يصدقها.

العاملون على ثغور (مخيم الوافدين) فاقوا النظام جشعاً وطمعا، بسبب رفع أسعار بضاعتهم يوما تلو الآخر، وكسبوا فوق ذلك سمعة سيئة من خلال السماح للنساء بالعمل هناك وحاجتهن أحيانا لملاطفة العساكر بالكلام من أجل كسب أفضل الأسعار وأكثر الكميات، الأيام تمضي فينا مسرعة دونما هوادة.

مخزن للأسلحة تحت الملابس

في ذلك اليوم حين طلب زوجي قطعة القماش وبعد أن فتحت الكنبة في منزل الجارة المسنة الذي لا تنتهي مفاجأته، صدمني منظر الأسلحة المخبأة تحت الملابس، هي مجموعة من القنابل اليدوية والمسدسات وقطعتان من البنادق الروسية وصُرة من المخازن والرصاص.

تأملتها لفترة لأجد زوجي خلفي يسألني لماذا تأخرت؟ فيصدمه منظر الأسلحة، اقترب منها وتفقدها، سألته ماذا سنفعل بها؟ طلب مني أن أتصل بصاحبة المنزل، ولكن كيف لي أن أسألها عن هذه المواضيع هاتفيا وكثيرا ما كنا نسمع عن حالات اعتقال بسبب مكالمات تجري بين المحاصرين في الغوطة؛ وبين المقيمين في باقي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات أسد.

ومستودع للمواد الغذائية

اقترحت عليه أن نفتش المنزل بداية لعل شيئا آخر نجده، وبالفعل بدأت عملية البحث، في الكنبة الثانية وجدنا أكياس من الأرز سعة العشر كيلوغرامات، ومثلها عدس أسود وأحمر، وفاصولياء، وعُلب شاي من النوع الفاخر بعدما أصبح الشاي الموجود في الغوطة من أسوء الأنواع بسبب شدة نعومته وقلة صبغته وطعمه، وكيس من القهوة حين فتحته انتشر عبق رائحة الهيل كل المنزل، كنت اتوق شوقا لهذه الرائحة فقد أصبحت القهوة آنذاك عبارة عن نواة التمر المحمص المطحون، أو حبات الشعير المطحون التي لاتشبه القهوة أبدا لا في رائحتها ولا نكهتها.

بانتظار الإذن من صاحبة المنزل

نظرت إلى زاوية الغرفة حيث يوجد البراد المجمد (فريزر)، لكننا كنا قد توقفنا عن استعمال كل شيء كهربائي بسبب انقطاع الكهرباء منذ زمن، وتحولت البرادات إلى أماكن لتخزين الملابس أحيانا. فتحته لأجد فيه عبوات زيت نباتي وأخرى زيت زيتون، أكاد لا أصدق من أين لهذه المسنة كل هذه الأشياء؟ يناديني زوجي الذي يبحث في علية المطبخ، ذهبت لأجد كراتين من المنظفات وسوائل الجلي وفُرش الأسنان والصابون وما إلى ذلك بالإضافة إلى كيس من (الملوخية اليابسة).

عانقت زوجي فرحا به، لكنه أصر ألا نستخدم شيئا قبل أن نتحدث مع الجارة، وبدأت محاولات الاتصال دون فائدة، والأفكار تأكل عقلي ماذا لو كانت تتعامل مع النظام؟ لكنها مسنة لا تستطيع إعطائهم أي معلومة مفيدة فهي قليلا ما تخرج من بيتها، عدت إلى منزلي متحسرةً على فنجانٍ من القهوة أو كأس من الشاي الدافئ في هذه الليلة الباردة.

محتارة أنا بشدة كلانا صامتان، متى أخبره بأمر الحمل، الحطب الأخضر الموجود في الموقد يرفض أن يشتعل، جربت كل شيء في النهاية وضعت إحدى فردة الحذاء المطاطي ستسمر في الاشتعال وتساعد على تجفيف الحطب واحتراقه.

رحلة البحث عن مواد

تجاوزت الساعة العاشرة ليلا، الهدوء يعم المكان دائما في مثل هذه الأوقات إلى أن يقطعه صوت باص المخيم ـ كما أصبح اسمه ـ بأغانيه الشعبية يأخذ (التجار) ويرحل بهم، فإما أن يعودوا ببضاعتهم سالمين غانمين، وإما يعودوا كخفي حنين لا يحملون شيئا، هاربين بأرواحهم من تعنت العساكر والضباط هناك، هاربين من رصاصهم أو محاولة اعتقالهم، فقد حدثت عدة حالات مشابهة، حيث قضى العديد من الشباب والنساء وحتى الأطفال في مثل هذه المواجهة حين يعطي الضابط المناوب الاوامر للعساكر بمنع التعامل مع أحد، وفض تجمعاتهم خلف الأسلاك ومع رفض هؤلاء الناس العودة دون البضائع؛ كانوا يطلقون عليهم الرصاص الحي، فيقعون بين قتيل ومصاب، وفي حال كان المصاب قريبا جدا من الأسلاك كانوا يسحبونه إلى ناحيتهم ويصبح مجهول المصير.

الكيماوي من جديد

أصوات بكاء وجري في حارتنا قطع هذا الصمت، عدلت جلوسي لأسمع بشكل أوضح، أنه صوت شابة تجهش بالبكاء، دفعني بكائها لمشاركتها حزنها دون أن أعلم سببه، خرج زوجي وتبعته إلى الشرفة، فأسمع شابا يقول لها: (صرنا بأمان لا تخافي تنفسي منيح)، فيسأله أحد الشباب الواقفين في الحارة عما جرى وهل يحتاجون مساعدة؟ فيجيبه الرجل أن النظام أعاد القصف بالمواد الكيماوية، صُعقت من الخبر المفجع، ضج الحي بالحركة والصراخ، الناس تدق على أبواب الجيران توقظهم. نظرت إلى زوجي وامتلأت عيوني بالدموع موضحة أن أهلي ينامون باكرا ولن يعرفوا بما حدث وأني أشعر بالخوف الشديد، طلب مني تجهيز نفسي بسرعة، أبحث عن حجابي فلا أجده وأبحث عن جواربي فلا أذكر مكانها ـ رغم أنها أمامي ـ، وقفت قليلا حاولت تمالك أعصابي وتوتري، وارتديتها على عجل، وحملت صندوق الإسعافات الذي طالما كان مجهزا، إلا أنه بات شبه فارغ في هذه الأيام الصعبة.

خبر الحمل على دراجة نارية

حملت قماشات مبللة بالماء ونزلت لأرى زوجي واقفا بجانب دراجة هوائية متوسطة الحجم، ويطلب مني الصعود لنصل بشكل أسرع لأننا مقيمين في أطراف البلدة، وأهلي في الطرف الآخر منها، أشعر بخوف من هذه الدراجة، فليس فيها كرسي خلفي للجلوس بقيت واقفة كما يقف الشباب خلف بعضهم، متمسكة بزوجي بشدة خشية السقوط، الطريق وعرة وعتمة بعض الشيء إلا أنه منتصف الشهر فحين تنزاح الغيمة عن القمر يطل علينا ببعض الضوء، كل شيء في الشارع هادئ جدا، بدأت البكاء فيصرخ زوجي متسائلا فأخبرته أنني احمل في أحشائي جنينا إذا لم أفقده بسبب القصف والحصار الحاصل سأفقده من فرط التوتر، وبينما كنت أتحدث كنا قد وصلنا إلى منزل أهلي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.