مهم لسوريا الغد من اجل بناء تعليمنا ونهضتنا – بقلم د. سماح هدايا

إن جانباً مهمّاً من أزمة المعرفة في الثّقافة العربيّة، يبدو في افتقار كثيرٍ من مسارات التّفكير إلى حريّة الرّأي الحقيقيّة في التعليم وفي المناهج وفي طريقة العلاقة بين المعلم والمتعلم، بالإضافة ، إلى ضعف إدراك قيمة الفكر الإبداعيّ وتقديره، ومن ثم تشجيع الإنتاج الجديد الأصيل المفيد، بالإضافة إلى غياب الفرص الواقعية أمام المتعلمين لنموّ الطّاقات المفكّرة وعمل العقول النّاقدة، التي تسعى إلى مراجعة الأفكار الراسخة ونقدها وتغييرها، وإلى أبتكار أفكارٍ فريدة. إنّ العموم يعود، غالبا، إلى ساحة الجماعة ويسلّم، عن طوعٍ أو إجبار، بأفكارها السّائدة، ويتباطأ في الانفتاح على حلول جديدة غير مسبوقة لمشاكل قائمة. وهو يتقاعس عن تحمّل مخاطر التّجديد والمجازفة، بسبب شيوع حالة البطالة والعطالة وبسبب خوفه من المنظومة الاجتماعيّة التي تحاصر أفكاره الحرة والمستحدثة؛ الأمر الذي يؤثّر سلباً في النّهوض العلميّ والثّقافيّ، وفي نموّ الواقع المعرفيّ، تعلّماً وتعليماً وإنتاجاً.
تظهر طلاقة التّفكير، برأينا، من لحظة العوامل الثلاثة: المنهاج والمعلم وفرص الإنتاج المعرفي. لكي يعمل الإنسان على فهم الواقع ومشاكله فهماً عميقاً وينجح في تحقيق حسن التّكيّف وحسن المعايشه وحسن الإنتاج، بالإضافة إلى بناء الواقع اعتماداً على الأفعال الواعية والهادفة، ثمّ استمرار العمل عليه، بالتّغيير الفاضل الصّالح وإخضاع الأفكار والوقائع إلى عينٍ فاحصةٍ وذهنٍ متّقد، من أجل الانتقال إلى الأفضل وإلى الإنجاز والتطوير. ويبدأ فهم الواقع، برأينا، من فهم الذّات وتقدير طاقاتها والإيمان بحرّيتها وهو ماتوفره العوامل الثلاثة السابقة.
لعلّ مظاهر التّفكير التي تفتقر إلى الحريّة، في أغلب مواقع التّربيّة والتّعليم، تستوقنا لنسأل بجديّة:
كيف نستطيع أن نكون خلاقين في نظرتنا إلى الواقع والوجود، ونحن مرغمون، على المسايرة والمجاملة، وبالتّالي مرغمون على إنكار ذواتنا الإنسانية؟ وكيف يحقّق المرء منا ذاته في ضوء تربية وتعليم، يبالغان قي قولبته داخل نموذج عامٍّ ينسخ الأفراد جميعاً من حبر واحد ولون واحد؟ ثمّ أليس التّوجّه التّرويّ، بمختلف أشكاله، أقرب بعمومه، إلى إلقاء المعلومات وحفظها داخل الرأس، وإلى تقديم الأجوبة، من خلال نموذج تعلّميّ واحد، يضم الجميع، غافلاُ فرديّة الإنسان وخصائصه التي قد تتناقض مع الصّورة العامة للنّموذج؟ ثمّ ألا يؤثّر هذا التوجّه، سلباً في طلاقة العفويّة وتفجير طاقة الذّات الفرديّة الإبداعيّة؟
يمكن أن نرى في واقعنا الفكريّ غياب النّضج المعرفيّ عن إدراك قيم الجمال والعاطفة والمبادىء، يظهر خصوصاًً، في سوء تعاطينا الجمال وسوء إنتاجه، وفي فساد بعض ذوقنا الفنّيّ، الذي أخذ يبرز واضحاً في عدّة مجالات؛ مثل مجال صناعة الأغاني والأفلام التي تغزوها حمّى الشّهوات والغرائز، ومثل مجال البيئة التي تتعرض للإساءة المستمرّة ومجال الطّبيعة التي تواجه أشكال التّجاهل والإهمال. كما يظهر في سطحيّة بعض القيم الأخلاقيّة وفي هشاشتها؛ ما أدّى إلى تكوّن فراغات خطيرة تُساقِط ُبعضَ القيم السّامية؛ فيشوه ذوقنا، وتتعطّل طاقات إبداعنا وتنساق عواطفنا وقيمنا الجميلة إلى مجاهل الإسفاف والقبح؛ فتنأى عن مخاطبة الهموم الإنسانيّة وقضاياها المهمّة، وتدير رأسها عن معالجة العواطف النّبيلة الأصيلة، وعن استخدام اللغة الجميلة.ومن هنا فإن تغيير التّوجّه التّربوي والتّعليميّ ضروريّ في عمليّة بناء التّفكير الإنتاجي وصقله؛ لأنّه أساس النّهضة المعرفيّة؛ لذلك يجب الانتباه بشكل جوهري إلى العومل الثلاثة: الأول- المناهج. والثاني- تطوير المعلم فكريا وتربويا وثقافيا واجتماعيا. والثالث- إتاحة فرص العمل والإبداع والإنج وذلك ضمن التوجهات التالية:

1- أن يكون الإدراك الواعي لمنظومة القيم السّامية والتزامها في تربيتنا وتعليمنا، جزءاً من أهدافنا في التغلّب على أزمتنا المعرفيّة؛ فيتّجه عملنا إلى تطوير القدرات والمهارات التي ترفع حالات الإبداع والابتكار الفرديين والجماعيين، وتوسّع الخيال وطاقة الوجدان، كما تعلي شأن تقدير الصّفات الجماليّة، وشأن اعتناق المبادىء الأخلاقية.
2- أن نعمل على بناء ثقافة فنيّة عميقة راقية متنوّعة الوجهات، تقدّر الجمال، في كل ومواقعه وأشكاله؛ فهي مهمّة جداً في تكوين ثقافتنا المعرفيّة التي تجعلنا أكثرارتباطاً بالكون المحيط، أرضه وبحره وجوّه، وأكثر حساسية به وبالمشكلات التي تحيط به. ونحن عندما نرفع عالياً قيمة احترام البيئة والدّفاع عن نقائها وعذوبتها وجمالها؛ نحقّق انتصاراً حقيقيّاً لمجالات المعرفة البيئيّة التي تبني المتسقبل الإنسانيّ والحضاريّ.
3- أن نسعى بوعي إلى توسعة مجال التّعلّم الذّاتيّ الفرديّ القائم على التّساؤل البنّاء، وعلى الاسفسار والتّخيّل الخلاق، من خلال تعاون الأجهزة التربويّة بمراكزها وجوانبها المختلفة.
4- أن ندعم عمليّة تنمية الإبداع، ونساعد في إغناء تجربة الفرد من أجل إنتاج جديد الأفكار والفنون، وصناعة أفضل الأعمال والأنشطة التي يتحقّق فيها الابتكار والأصالة والإتقان. وهو أمرٌ مهمٌّ جدّاً في الإتيان بأنجح الحلول لمشاكل الفرد والمجتمع، بما يقود الواقع نحو الأصلح.
5- أن نحسن الاستفادة من مستجدّات أبحاث التّفكيرالإبداعيّ الذي ببدو” عملية ذهنية يتفاعل فيها المتعلم مع الخبرات العديدة التي يواجهها، بهدف استيعاب عناصر الموقف من أجل الوصول إلى فهم جديد، أو إنتاج جديد، يحقّق حلاً أصيلاً لمشكلته، أواكتشاف شيء فريد ذي قيمة بالنسبة له، أو للمجتمع الذي يعيش فيه؛ فالشخص المبدع لديه القدرة على رؤية الكثير من المشكلات في الموقف الواحد. فهو يحسّ بالمشكلات إحساساً مرهفاً. وهو بالتالي أكثر حساسية لبيئتهِ من المعتاد، فهو يرى مالا يراه غيره، ويرقب الأشياء التي لا يُلاحظها غيره..”( زينب حبش، التّفكير الإبداعي.).
ولعلّه من الضّروريّ أن ندعو في خاتمة موضوعنا إلى التّفكّر والنّظر عميقاً في إجابة سؤالنا: كيف ننجح في جعل سعينا إلى تطوير التّفكير وتحريره في تجارب التّربية والتّعليم وتوجهاتها، غير مقتصرٍ على ملامسة السّطح والشّكل لصالح المظهر الطّبقيّ والثّقافيّ، أو لتبعيّة التّجديد الشّكليّ؟
د. سماح هدايا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.