مها حسن في الروايات تسرد ذوات النساء على تعددهن وفرادتهن

في الرواية حضور للربيع العربي، وفي مصر بالذات، وكأن الرواية تقول أن الذات الفاعلة والمنفعلة للمرأة، والخالقة لعالمها الخاص، الباحثة عن الامتلاء الذاتي، وجدت بعض مطلبها في الربيع العربي، وبالحرية والكرامة والعدالة والتشاركية المجتمعية.

132

المؤلفة: مها حسن.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: دار التنوير للطباعة والنشر/ ط١، ورقية، ٢٠١٤م.

رواية الروايات، رواية مختلفة، فهي نسوية بامتياز، شاغلها الأساسي عالم المرأة من خلال تشعبه، تطال ذاتها والمجتمع التي هي منه وفيه، وتطال العالم من منظورها.

هي رواية السرد الذاتي، البوح، التفريغ، الشكوى، البحث عن الاعتبار الذاتي، هي كل ذلك في ذات الكاتبة، وفي ذوات كل النساء على تعددهن وفرادتهن.

لا وقوف كثيرا عند الزمان أو المكان أو الجغرافيا أو التاريخ أو المعاش المجتمعي، إلا بمقدار ما يعني لذات المرأة الساردة أو الروائية وبمقدار ما تهتم وما يعنيها.

سنتعب لنعرف هل الحدث في بلد أوربي أو عربي، أو أي مدينة، ما الوضع العائلي أو الاجتماعي للنساء الجالسات على كراسي الحكي؟. وكأنه مقصود أن نرى ما أرادت الكاتبة أن نراه فقط؛ نساء البوح بحالتهن المختلفة.

تقسم الكاتبة روايتها إلى ثلاث روايات، الرابط بينها أنها تتعلق بنساء يتحدثن عما عشن، أو ما أحببن أن يعشن، وبعض الشخصيات تستمر في الروايات الثلاث، أغلبهم بأسماء مختلفة، كما يتطلب مقام الكتابة عند الكاتبة التي، تتعب في سردها، وتتعبنا في تعقبها، لكنها تجعلنا أقرب لروح الرواية وروح بطلاتها المتميزات.

في الرواية الأولى:

بطلة الرواية هي التي لا نعرف اسمها، سميت ابدون، بطلة إحدى الروايات، تعمل في إحدى الشركات في المستودع ترتب البضاعة، عمل لتأمين لقمة العيش، لا علاقات لها، باستثناء صديقة وحيدة، عالمها الكامل تعيشه في قراءة الكتب وخاصة الروايات، لا تترك وقتا فارغا دون أن تستثمره لمزيد من القراءة والمعرفة، إضافة إلى أنها تعيش داخل نفسها عالمها الخاص الذي تنسج به الحكايا وتعيد صياغة الحياة تتذكر طفولتها وجدتها وحكاياها.

بقيت على روتينها هذا إلى أن جاء إلى محل عملها، رجل وسيم أحست بالانجذاب إليه، لاحظ وجود كتاب معها، عرفه من غلافه، فتح معها حديثا، كانت فرحة به، رجل حقيقي تتفاعل معه، هذا غير الرجال الذين تستدعيهم في مخيلتها حين تداعب نفسها للوصول إلى لذة عصيّة ومرغوبة.

رجل حضوره طاغ وجذاب، يناقشها بما تحب وتعشق، إنها الكتب والرواية والسرد، يقترح عليها أن تتفرغ لثلاثة أشهر لكتابة رواية قالت إنها موجودة في ذهنها يكفيها الوقت لتتفرغ لصياغتها على الأوراق، اتفقا وقدم لها أجر عملها عن ثلاثة أشهر مقدما، واشترط عليها أن لا يحصل بينهما تواصل جسدي جنسي.

كان مطلبه منغصا عليها متعتها بالتعرف عليه ورغبتها الجنسية به، قبلت بالكتابة لأنه أراد ولأنه بقربها، كتبت في وقت قصير وقياسي روايتها، وانتهت الرواية بحصول فعل جنسي بين بطلة الرواية وحبيبها، لقد انتقمت من مطلبه بأن ختمت روايتها بما رغبت به حقيقة.

إننا إمام رواية مختلفة ومتميزة، فهي تغوص كثيرا في الذات الجوانية النفسية لبطلاتها، متجاوزة كثيرا عن سرد واقعهن الحياتي بتفاصيله. لنقل إنها رواية وجودية في تحليل منعكس الحياة وما تريد ذوات البطلات في عقولهن وأنفسهن، وعدم تقديم صورة نمطية عن حياة عادية.

أخذ الرجل الذي أطلق عليه اسم ساباتو الرواية، أما هي فقد أمضت أشهرها التي تفرغت بها في راحة، ثم عادت إلى عملها، وروتينها السابق، والروايات بقيت تتناسل في ذهنها كل الوقت.

أما ساباتو فله حكاية مختلفة، رجل ثري ولديه أعماله، كان تزوج عن حب وبنى أسرة، لكن زوجته تركته إلى غيره. قلب ذلك حياته، فبدأ ينتقم من كل النساء بعلاقات مجون وجنس وشراب. لكن ذلك لم يرحه كل الوقت، رجع يبحث عن المعنى والحب في حياته، اقترحت عليه صديقة صاحبتنا أبدون الروائية أن يلتقي بها، وهي ستساعده على العلاج مما يعاني، وبالفعل التقى بأبدون واتفق معها، وكتبت له الرواية.

وعندها عاد إلى حياته العادية، محملا بأوراق الرواية، حيث اطلع عليها صديق ناشر وتشجع لنشرها باسمه. الرواية نجحت بشكل كبير جدا. جعلته مشهورا وثريا من ريعها. الروائية أبدون عرفت بذلك، كانت سعيدة لأن روايتها قد اسعدت ذلك الرجل الذي أحبته. وكان يوم التوقيع على روايته، وقفت بالطابور، لتوقع على نسختها من الرواية، شاهدها وارتبك، باركت له، وهمست في أذنه، تعال إلي عندما تريد رواية أخرى، لدي الكثير من الروايات.

تركته منتظرة عودته إليها.
بطل الرواية الأولى يعاني من كونه أصبح مشهورا وغنيا من وراء الرواية التي كتبتها الروائية، اعتبر نفسه ظالما لها، ومع ذلك تستمر الحياة.

الرواية الثانية:

تبدأ الرواية الثانية من أليس الفتاة ابنة الريف التي تتذكر صديقتها ابنة صاحب الأرض التي يعمل بها والدها، تأتي في كل عطلة أسبوعية أو صيفية، تعلم صديقتها فريدا القراءة والكتابة، وتتحدثا وتصنعا الحكايا وتكملاها، تتصوران نفسيهما وقد كبرتا، وأنجبتا وتسميان أولادهن، تتصور صديقتها أنها ملاحقة من أبيها الذي لا يريد لها أن تتعلم كما تحب، هو يريد إرسالها إلى أمريكا لتتعلم كما يشاء، وهي ترفض وتحاول الانتحار بشنق نفسها أمام صديقتها.

فريدا تتذكر صديقتها وتستحضرها دوما، وتكتب الحكايا وتسرد لها وتخبرها عن كل شيء. لكن صديقتها لم تمت، أنقذها والدها، وحرمها من صحبة صديقتها، سجنها في البيت لكونها رفضت مطلبه بالذهاب والتخصص في أمريكا. هي أيضا تعيد قص الحكايا لصديقتها التي افتقدتها، وهي في محبسها أيضا تستحضرها كل الوقت.

الاثنتان عاشتا حياتهما، بخلط عجيب بين حياة واقعية وحياة مع الأخرى متخيلة وضمن رواية تتبلور وتنمو كل يوم. عاشتا الحب ودخل الرجل لحياتهن. وروابطهما لم تنفصم أبدا.

الرواية الثالثة:

هي فريدا فتاة كانت تتهيأ من أجل الانتحار، لكنه لفت نظرها مقهى غريبا عليها إنه مقهى شهرزاد، وهي في باريس. دخلت إليه، وجدت نفسها تدخل إلى عالم آخر كليا ممتلئ بروح الشرق، فيه عيش على السجية وفيه بوح وراحة نفسية، تغيير بزي اللبس والتفاعل، والتعامل، فيه مشاريب تساعد على تفكيك الذات المأزومة وتعيد تركيب النفس المنفتحة المرتاحة، تستمع لموسيقا مختلفة تشارك برقص يحلق بالنفس عاليا.

هي بالأصل فتاة من أسرة، الأب فيها سكير ومقامر والأم منضبطة بشكل قاس جدا. ضاعت بين الأب والأم، مات الأب مبكرا، والأم هيمنت على حياتها وجعلتها أقرب للجحيم. ابتعدت عن أمها وفقدت معنى حياتها.

كان مقهى شهرزاد بديلها، من خلاله أعادت ترتيب نفسها واولوياتها، تعرفت على مجموعة من الناشطات النسويات، اللواتي يعملن من أجل السلام العالمي، خاصة في البلاد العربية، حيث الإنسان ضحية ظلم اجتماعي وسلطوي نتاج الاستبداد، تعرفت عن بعد على عليا الناشطة مثلها في كندا من أصول عربية، عليا وفريدا وجدا بعلاقتهما ذواتهن وقررتا أن تعملان سوية لأجل أفكارهن المشتركة.

نحن أمام روايات وليس رواية، لا حدث نتعقبه، بل نساء يحكين ذواتهن وما يتخيلن من حيوات موازية محكية كرواية نركض خلفهنّ لعلنا نصل إلى معنى ما، يراد لنا أن نعرفه.

وعندما بدأت الثورة في مصر مطلع عام ٢٠١١م، قررتا الذهاب إلى مصر بلد عليا صديقتها، ومتابعة حدث الثورة عيانيا. كانت معايشتهن للثورة المصرية والثوار تجربة انسانية ونفسية واجتماعية رائعة، تشبعتا بروح شباب الثورة الذين تحدوا نظام الاستبداد المصري للرئيس مبارك الممتد لعقود، وكيف وصل الثوار لمرحلة أجبروه بها على الاستقالة.

راقب الثوار دولة الثورة الأولى لمرسي، وخافوا من تغول الأخوان، وسرعان ما انقلب العسكر على الثورة، وأعاد الاستبداد سيرته الأولى، والثوار يرفضون كل ذلك.

عايشت أليس وعليا صديقتها كل ذلك، كان لهن أحباب وعلاقات وارتباطات. وتبين بعد حين أن أليس هي ابنة أبدون بطلة الرواية الأولى. وأن هاجس القص وكتابة الرواية بعضه إرث، وأن عيش هاجس السرد المستمر، متواجد في كثير من النساء إن لم يكن بهنّ كلهنّ.

تنتهي الرواية بسيرة سرد مختصرة لفتاة هندية تعيش هاجس السرد والقص وصناعة الحكاية.
وكأن الكاتبة تريد القول أن السرد الروائي مكون فطري عند كل النساء في كل زمان ومكان.

في تحليل الرواية نقول:

إننا إمام رواية مختلفة ومتميزة، فهي تغوص كثيرا في الذات الجوانية النفسية لبطلاتها، متجاوزة كثيرا عن سرد واقعهن الحياتي بتفاصيله. لنقل إنها رواية وجودية في تحليل منعكس الحياة وما تريد ذوات البطلات في عقولهن وأنفسهن، وعدم تقديم صورة نمطية عن حياة عادية.

هنا فرادة الرواية وغرابتها. التنوع داخلها كبير فنحن أمام روايات وليس رواية، لا حدث نتعقبه، بل نساء يحكين ذواتهن وما يتخيلن من حيوات موازية محكية كرواية. نركض خلفهنّ لعلنا نصل إلى معنى ما، يراد لنا أن نعرفه. المرأة العالم المختلف والمتميز، الذي لا يعيش إلا في وسط يحضر به الرجل بصفته مكمل الحياة في العالم ومزينها.

في الرواية حشد الأحداث والتداعيات والاسماء، بحيث يتوه المتابع لقراءة العمل.

في الرواية أيضا حضور للربيع العربي في مصر بالذات، وكأن الرواية تقول أن الذات الفاعلة والمنفعلة والخالقة لعالمها الخاص في المرأة، الباحثة عن الامتلاء الذاتي والمعنى تحقق بعض مطلبها في الربيع العربي حيث حصل انتصار لإنسانية الانسان، وحقوقه بالحرية والكرامة والعدالة والتشاركية المجتمعية والسياسية والديمقراطية، وعبرت عن الحضور الطاغي للمرأة في حراك الثورة.

كنا ننتظر أن تطل مها حسن على واقع الثورة السورية التي حدثت في ذات الوقت للثورة المصرية وتالية لها. رغم كونها تحدثت عنها في مترو حلب كعمل روائي منفصل…الخ
أخيرا نحن أمام روائية سورية متمكنة ننتظر منها مزيدا من الإبداع والعطاء.


مها حسن روائية سورية متميزة، لها الكثير من الروايات، قرأنا سابقا روايتها مترو حلب وكتبنا عنها. مستقرة في فرنسا، مواظبة على الكتابة الروائية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.