من يربح معركة حلب؟

بقلم:د. كمال اللبواني –

كَمْ يُبْعِدُ الدَّهْرُ مَنْ أَرْجُو أُقارِبُهُ عنِّي ويبعثُ شيطاناً أحاربهُ

فيالهُ من زمانٍ كلَّما انصرفتْ صروفهُ فتكتْ فينا عواقبهُ

دَهْرٌ يرَى الغدْرَ من إحدَى طبَائِعهِ فكيْفَ يَهْنا بهِ حُرٌّ يُصَاحِبُهُ

يا طامعاً في هلاكي عدْ بلا طمعٍ ولا تَردْ كأسَ حتفِ أنت شاربهُ

لن نتحدث عن الأمنيات فهي معروفة ، لكن نتحدث عن الامكانات والاحتمالات المشروطة بسلوك واتباع خطة واقعية تعبر عن هذه الامكانات ، فما نذكره ليس تنبوءا بل يفترض أن يكون نتيجة فعل واع، وهذا ليس في يدنا لكوننا لسنا في مركز القرار، لكننا نشرحه عسى أن يكون فيه مساهمة في تطوير استراتيجياتنا وتنظيم جهودنا في الأشهر القادمة، حيث نتوقع أن تكون الأمور قد اتضحت وميزان القوى قد تحدد بحلول الربيع القادم، الذي نتمنى أن يشهد بداية مسار الانحسار لمأساة سوريا :

حاليا تسعى الولايات المتحدة للقضاء على داعش باستخدام قوات سوريا الديموقراطية التي يقودها الكرد الانفصاليون في شمال سوريا، لكنهم لقلة عددهم اضطروا للتحالف مع المزيد والمزيد من العرب، الذين يشترطون الحفاظ على قدر من الاستقلالية عن المشروع الكردي، وأن يقوموا بتشكيل مجالس عسكرية ومدنية محلية تحكم المناطق المحررة من داعش

وهكذا تتقدم عملية قضم داعش بالتدريج لصالح القوات الكردية المدعومة أمريكيا، لكن ظاهريا فقط. فالفعل الحقيقي بعيدا عن المناطق الكردية هو للعرب المنخرطين في تحرير قراهم ومدنهم من سلطة داعش وإن كان تحت قيادة الفيدرالية الكردية المعتمدة أمريكيا والتي تدرك الحاجة لاشراك العرب لنجاح مشروعها، مما يخفف من حدة الاعتراض التركي على تقدم هذه القوات غرب الفرات و جنوبه، وهو ما صرح به أكثر من زعيم تركي.

النظام وايران المدعومين روسيا يتجنبوا الصدام مع داعش بل يتعاونوا معها في أكثر من جبهة ومكان، ويتغاضوا عن وجود داعش وتمددها ويستفيدون منه، طالما هو على حساب قوات المعارضة، لذلك لن يدخلوا في نزاع جدي معها، بل هم يركزوا قوتهم لسحق المعارضة، أيضا قوى الثورة من جهتها رفضت الانخراط في الحرب مع داعش وحدها لكي لا تكون حربها مع داعش لصالح النظام، وهذا يحدث فجوة يستفيد منها المشروع الكردي الانفصالي الذي تدعمه أوروبا وأمريكا وروسيا معا وجميعا بطرق مختلفة، ويتسبب في تخوف تركيا التي تعتبره خطرا استراتيجيا عليها، ولهذه الأسباب مجتمعة يصبح مشروع قوات سورية الديمقراطية بقيادة كردية شيوعية هو المشروع الوحيد الذي يتلقى الدعم العسكري الغربي الفعال، ويحظى بدعم روسي أيضا نكاية بتركيا.

وعليه فالخطة المطروحة في هذا الظرف تتطلب من تركيا والمعارضة السورية اعتماد استراتيجية جديدة ، بأن تتغاضى عن التمدد الكردي الظاهري وتشجع العرب على الانخراط فيه واغراقه، والاستفادة من الدعم الغربي والسكوت الروسي للقضاء على داعش، بدل خطة التفكير في تركها تتصادم مع الكرد والنظام والتي كانت نتائجها كارثية على الثورة، فتحرير المناطق الشرقية من داعش سيكون له دور مهم في دعم المناطق الغربية التي تقاتل النظام وايران، والتي لن يطلب منها لا ترك جبهاتها، ولا أن تستنزف نفسها في حرب داعش، لكنها ستستفيد بطريقة غير مباشرة من القضاء على أحد خصومها.

فالقوة الرئيسية للمعارضة السورية الحليفة لتركيا يجب أن تتوجه لمواجهة التقدم الإيراني والروسي جنوب حلب وفيها وفي ادلب، وهي قد استطاعت بالفعل استيعاب الهجوم بل تقويض معظم نتائجه.

بينما توجه تركيا جهدها الأمني والعسكري والاقتصادي والديبلوماسي، لمنع المناطق الكردية التركية من التفكير بالتمرد بمزيج من الحكمة والقوة، فالشريط الفيدرالي الكردي في الشمال السوري غير قادر على الحياة من دون مساندة المناطق التركية الكردية المجاورة له، والمشروع الكردي لا يستقر ويتكامل في سوريا من دون تقسيم تركيا أيضا، وهذا يتطلب انفصال الكرد المحاذين للحدود السورية عن تركيا، وهو ما تحاول تركيا تجنبه بوسائل مختلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية، وهي منشغلة فيه لدرجة تمنعها من خوض حرب خارجية مباشرة واسعة تحاول روسيا جرها إليها، والتي يتطلب خوضها جبهة داخلية متماسكة، وتحالفات دولية تسعى إيران لجر تركيا إليها كي توقف دعمها للمعارضة وتتعاون مع النظام بحجة القضاء على الحلم الكردي.

فإيران ذات مصلحة حقيقية في بقاء النظام، ولا يكتمل هلالها الشيعي بوصلة كردية تبعيتها لأمريكا. لذلك تفضل هيمنة تركيا على شمال سوريا بشرط هيمنتها هي على الوسط والجنوب وتهجير السنة منهما، وهو خيار غير أخلاقي بالنسبة للقيادة التركية الحالية.

النظام وايران يسعون لإخراج المجاهدين من الوسط والجنوب، وتجميع المتشددين الاسلاميين في ادلب، التي تبقى خلال هذه الفترة خارج نطاق الاستهداف المباشر، بل تدخل في هدنات متفاوتة معهم، لا يخرقها إلا الروسي، بينما يركز النظام وحزب الله جهودهم على عقد هدن ومصالحات في بقية مناطق الدولة المفيدة خاصة في محيط دمشق والجنوب والوسط. وهذا يجعل من تحريك القوى الموجودة في إدلب لجبهات جنوب حلب أمر مفيد، كانت نتيجته في الآونة الأخيرة أن معظم انجازات ايران وروسيا فيها قد انهارت بفعل الجهد العسكري المميز لجيش الفتح وحلفائه بدعم تركي وعربي

الإيرانيون يؤجلون معركة ادلب حاليا ويتظاهرون بتسيير قوتهم العسكرية بدعم جوي روسي باتجاه حلب المدينة أملا في ضمها للدولة المفيدة ولكنهم غير جديين في دفع ثمن باهظ خدمة للمشروع الروسي والغربي، وروسيا تدرك التخاذل الإيراني وتضجر منه، فسقوط حلب بيد الكرد لن يخدم ايران بل سيخدم الغرب والروس، بينما تهتم ايران وحزب الله في ترتيب مناطق الجنوب والوسط، وفي تأمين وصلة عبر الصحراء بين العراق والشام فتحشد باتجاه تهجير سنة العراق أيضا تحت شعار الحرب على داعش.

في الأشهر القادمة وتحت إلحاح الأمريكان المحشورين بموعد انتخاباتهم، يتوقع أن تقدم قوات سوريا الديمقراطية بغالبيتها العربية لتحرير الرقة وبقية المناطق السورية من يد داعش، وقد يشارك النظام في إلتهام قسم من الأراضي التي تحت سيطرتها في الوسط وباتجاه الشرق بدعم ايراني لتأمين الوصلة مع العراق، وعليه فالمنتظر أو المطلوب عندما يكتمل التحرير من داعش أو قبل ذلك أن يرفض العرب استمرار تبعيتهم للسلطة الكردية في القامشلي، ويغيرون ولاءهم لسلطة أخرى وطنية أو يتبعون إداريا لحلب كما هو الحال تاريخيا، وبذلك يتقلص المشروع الكردي وينعزل في مناطق جغرافية صغيرة معزولة ثلاث هي شمال شرق الجزيرة، وعين العرب، وعفرين.
فإذا فشلت محاولة انفصال الكرد الأتراك أو تأخرت وهذا ممكن بضغط عسكري وأمني من الجيش التركي، وحكمة سياسية من حكومتها. تقوض مشروع السلطة الذاتية في سوريا وساد الكرد الوطنيين السوريين الذين لا يسعون لهذا الانفصال بل يطالبون بحقوق قومية وعدالة ضمن الدولة السورية. عندها تتجه جهود هذه القوات العربية لوسط سوريا لقطع الطريق على ايران ومنع اقامة اتصال جغرافي مع الحشد الشعبي في العراق.
وهذا يتطلب التفكير بفتح جبهة ضد داعش من الجنوب ايضا بدعم أردني وعربي.

لهذا نرى أن استنزاف ايران وروسيا والنظام في معركة حلب ودحرهم وارد جدا فهم غير جديين وغير قادرين على حشد ما يكفي لكسب المعركة بسبب اصرار أهل حلب وتمرسهم في القتال، لكن هذا يتطلب دعم عربي وتركي جدي للمقاتلين هناك، والافادة من الخزان البشري الكبير في المنطقة وفي مخيمات تركيا

فعناصر النجاح متوفرة خاصة إذا نجحت الجهود في تجاوز الخلافات، وأمكن فيما بعد الافادة من الوحدات العسكرية التي تساهم في القضاء على داعش للضغط باتجاه الوسط ( حماه وحمص ) وهذا ممكن إذا احتفظت بقدراتها، وقياداتها العربية المستقلة نسبيا أثناء الحرب على داعش.
لكن في هذه الأثناء سيحدث تراجع في العمل المسلح في الجنوب وتسيطر المصالحات، ويقوى النظام، ويزداد النفوذ الإيراني، لذلك لا بد أن تترافق معركة حلب بتفعيل و تنشيط جبهة الجنوب بدءا من درعا وباتجاه دمشق ، وتحريك جبهة القلمون التي تهدد معاقل حزب الله ، ودعم العرب في الدير والبوكمال ، وفتح جبهة في البادية انطلاقا من الجنوب والحدود مع الأردن ، وهذا يتطلب تعاون وتفاهم سعودي تركي أردني لن يكون كسب الحرب ممكنا من دونه .

فإذا خسر النظام معركة حلب واحتفظت ادلب بحريتها، وتحررت مناطق داعش، وكسر الهلال الشيعي بالوسط عبر صمود العرب في الرمادي وفي وسط سوريا، ستعود جبهة دمشق وحماه والقلمون للنشاط، فيصبح النظام أمام احتمالين إما الانعزال في دولة ساحلية صغيرة ، أو القيام بانقلاب داخلي يفتح باب التفاوض ويوجد امكانية للتوصل لحل سياسي يحفظ وحدة سوريا ويخرج بموجبه قوات الاحتلال الفارسية ، ويسمح بعودة السكان السنة المهجرين.
هذه هي الطريقة العملية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن وتوصيات فيينا التي ستصبح الحل الأفضل للجميع.

لكن نجاح مثل ذلك الجهد يتطلب تعاونا من القوى الاسلامية التي يجب أن تتخلى عن عقلية الهجرة والتكفير والأمارة، وتنخرط في المشروع الوطني. ويتطلب اعادة بناء مؤسسات المعارضة وتنظيمها بمعايير وطنية. وتحريرها من هيمنة الدول الأجنبية…والتوجه بخطاب عقلاني لكل مكونات الشعب السوري. فإستعادة سوريا ممكنة رغم كل هذا الخراب…نقول إنشاء الله

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.