من يدفع فاتورة الحرب؟

بقلم: فرات الشامي

كلُّ شيءٍ يوحي بدمار البنية التحتية… المدارس، المشافي، مؤسسات الدولة، القضاء، وصولاً إلى “الجيش والأمن”، في منظرٍ مرعب يوحي بأن المستقبل في البلاد سوف يكون على شكل بقعةٍ من “الخراب”، على بحيرةٍ من دماء السوريين.

لن نسأل عن المنظر المرعب الذي يعيدنا مئات السنين إلى الوراء، لكن نطرح ما يدور في ذهن الشارع السوري اليوم، وتحديداً عن مستقبل البلاد في حال توقف الحرب.

“من يدفع فاتورة الحرب؟”.

إن تكلفة الحرب التي تسبب بها “غباء نظام الأسد”  واستجلاب الاحتلالين “الإيراني والروسي” محورٌ هام لما له من دلالات حول طبيعة العلاقات مع هذه الدول في حال بقاء الأسد على رأس السلطة أو هزيمته، من الناحية الاقتصادية والقانونية.

سؤالٌ من الضروري أن نفتح التساؤلات حوله، ونثيره على طاولات النقاش والبحث، ثورياً وسياسياً في ضوء غياب أي عمل “سياسي معارض” لما يسمى بـ”الائتلاف” الذي نام عن التفكير في الموضوع ورسم فرضية أو تصور لما يمكن أن تؤول إليه الأمور وتبعات ما يجري اليوم.

تفيد العديد من التقارير بما يتوافق مع تسريبات من مصادر داخل بعض مؤسسات الدولة عن قيام الأسد بـ”بيع سورية” عبر عقود وقّعها مع المحتلين “الروسي والإيراني”، متنازلاً ضمن هذه الصفقات التي أبرمها عن أهم المرتكزات التي تقوم عليها الدولة في الجانبين الجغرافي والاقتصادي.

“بشار الأسد” حاول قبل الثورة وإرضاءً لـ”إيران” وحفاظاً على تحالفه معها بيع بعض المناطق تحت مسميات “مشاريع سياحية دينية”، قدم خلالها ما لم يقدمه “حافظ الأسد” من تنازلات، كما حدث في “الرقة” وكذلك في الأراضي القريبة من مقام “السيدة رقية” وسط دمشق.

في وقتها كان الناس يجدون المبرر لشراء تلك البيوت أو الأراضي من الحليف المساند لقضايا العرب والمسلمين وتحديداً القضية الجوهرية “فلسطين”.

أما اليوم، فيبدو أن ما يحدث هو سداد أولى الدفعات من الفاتورة التي تم تقسيطها من قبل حلفاء الأسد كجزءٍ من الفاتورة الكبيرة التي لن نعرف “قيمتها” قبل نهاية الحرب.

الثمن هو سورية، والبائع من لا يملك الحق في البيع، أما المشتري فهما مشروعان بطابعين مختلفين “طائفي” وآخر بطابع “احتلال”، والثمن النهائي مجزأ على أقساط، أما “المغبون” في هذه الصفقة فهم جميع أطياف المجتمع السوري بعيداً عن أي توصيف موالٍ أو معارض، كل ذلك في إطار إرضاء الأسد لداعميه ولهاثه خلف أحذيتهم.

مع بدايات الحرب وحتى قبل مدة قصيرة تقاسم جميع أطياف المجتمع السوري فكرة استلام “سورية” على شكل “كومة من الرماد”، واستسلم الناس لهذه الفكرة، فكرة “الوطن المدمر”، بالمقابل الجميع استبعد أن يكون محصلة الأمر “بيع مقدرات البلاد وخيراتها” بعقودٍ رسمية، وهذا ما لم يحدث تاريخياً إلا بعد فرض الاحتلال قوته ويرغم الدولة “المحتلة” على منحه “امتيازات”…!!

خطورة الأمر أن المعارضة السياسية تقف على الحياد متفرجة تقلّب كفاً فوق كف، في الوقت الذي يدخل فيه وفد “بشار الأسد” غرفة التفاوض في “الأستانة” ومن قبلها “جنيف” ممسكاً بخيوط اللعبة السياسية.

شخصياً، أعتقد أن الأسد تعرض لضغوط وابتزاز من طرف داعميه، وقدم التنازلات تلو التنازلات، وإن كان هناك ما يشير أنه ما يزال يقدم فروض الطاعة والولاء للروس والإيرانيين على حدٍّ سواء وبطريقةٍ طوعية، ليجد نفسه غارقاً في مستنقعٍ موحل، والمشكلة أن “سورية” تغرق بعد أن خرق السفينة والمعارضة ما بين اقتتالٍ داخلي، وأخذ موقف المشاهد عن بعد.

الأسد اليوم مجبرٌ على سداد “الفاتورة”، أو على الأقل دفع جزءٍ من القيمة الكلية، لكنه بالوقت ذاته يجهل كما نجهل نحن حقيقة “القيمة المتبقية” أو حتى “صافي القيمة النهائية”_ كما يسمى في المصطلح الاقتصادي_ والمطلوب سدادها نهاية المطاف.

ثمة سؤالٌ آخر مرتبط بالموضوع ولا ينبغي تجاهله، في حال قبلت “طهران” و”موسكو” بهذه الصفقة، ماذا عن حصة الميليشيات التي تقاتل إلى جانب “الأسد”؟ ما هي الامتيازات التي سوف يقدمها لهم؟

إذا كان القتل والتشريد والدمار هو أسوأ ما توقعناه في هذه الحرب، خلال السنوات الماضية من حياة الحراك الثوري السوري، وقد كنا محكومين بمقولة “الأسوأ لم يقع بعد”، غير أن هذا المشهد يدق ناقوس الخطر، منذراً بكارثة تقضي على “سورية” كدولة ذات “سيادة” ذات يوم لصالح دولٍ دمرتها بكل المقاييس.

ننتظر من “الحقوقيين” تعليقاتهم، والتي ربما تخلُص في النهاية للقول بالتقليل من خطر هكذا “اتفاقيات”، وللأسف فإن مثل هكذا تبريرات تدعي بأن من سيحكم البلاد بعد سقوط الأسد غير ملزم بما وقعه “المجرم” فهو بعيد تماماً عن “المنطق” وفهم “مسيرة التاريخ وتجارب الأمم”.

هذا على اعتبار أن “العدو” لديه تصور للمستقبل ومدرك تماماً لما سوف تؤول إليه الحال فيما لو “سقط نظام الأسد” وفق قاعدة “الحيطة والحذر” التي يعرفها أرباب الفكر الاقتصادي، بالتالي لدى هذه الدول المقدرة على حماية “حقوقها ومصالحها واتفاقياتها” إن جازت التسمية.

ما تزال الأمور حتى اليوم غامضة، والأيام القادمة كفيلة بكشف “المستور” وما تم توقيعه “تحت الطاولة” ربما يكون “أخطر” مما وقعه الأسد “فوق الطاولة” وتمت بموجبه “عملية البيع والتفاوض”.

المرحلة المقبلة باتت ربما أقرب لفهم ما يحدث لكن حالما تتحول الأمور نحو الهدوء ولعل ذلك يكون في “الفترة الانتقالية”.

والشواهد التاريخية في هذا الباب تتحدث على سبيل المثال قيام اتفاقيات من مثل هذا النوع، كما حصل أن قامت “الصين” بتأجير “هونكونغ” لـ”بريطانيا” لمدة 99 عاماً.

“هونكونغ” عادت إلى “الصين” بعد انقضاء المدة وهي تحمل معاني النمو والازدهار، أما والمستأجر هو “إيران” و “روسيا” فالأمر مختلف.

وقعت “هونكونغ” بيد دولةٍ حقيقية، ووقعت “سورية” ضحيةً للقتلة وشتان بين “روسيا وإيران” وبين بريطانيا.

بالنهاية باع “حافظ الأسدالجولان وقبض الثمن بقائه على “الكرسي”، والسؤال، هل ينتهي الوريث من بيع كامل الأرض السورية؟

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.