من يدفع الفاتورة؟ – بقلم د. سلوى الوفائي

الصمت يغلّف المشهد الإنساني ، و القاتل مسترسل بالجريمة ، المكان أرض الشام ، الزمان زمن العهر و الكفر ، أما التاريخ فقد وقف موقف المتفرج منذ عام 1948، هذه الركام تغطي أجساد الأبرياء، هذه الأشلاء مبعثرة، محظوظ من دفن بكامل جسده، محظوظة أسرة بكاملها دفنت في مقبرة جماعية كي لا يحزن أحدٌ من أفرادها على الوداع، و كي يلتحموا في عناق أبدي يوم المحشر، سماء سورية لا كأيّ سماء، غائمة ضبابية متّشحة بالسواد، تجهّمت و احتجّت و اكفهرت، و غضبت، لكن من يمسح عنها دموع القهر؟

كلّ فيديوهات الناشطين و الصور التي توثّق المجازر الأسدية تضيع في زحمة الإفلاس الأخلاقي و الصمت الدولي المشين، و انشغال المؤتمرين و المتآمرين بقمم واهية و ندوات و مؤتمرات و لقاءات ما جرّت إلينا إلا المزيد من النزف، و ماتزال كؤوس الخمر تدار في فنادق ذات السبع نجوم، و الفاتورة يدفعها الشريان السوري النازف، و آلاف المشردين المهجرين النازحين في دول الشتات تئن من وطأة الذلّ و الجوع و المرض، و سوء الأحوال المعيشية، و الإرهاب و الملاحقة الأمنية و التهديد بالاختطاف أو الاغتصاب أو القتل. هنا سورية، لا تظنوا الحديث عن غزة أو يافا أو الخليل، و المجرم أسد الرافضة، ليس مناحيم بيغن و لا شمعون بيريز و لا النتياهو، و الشاهد على الجريمة أصدق من أن تكذّبه الروايات الكاذبة المختلقة لإعلام القنوات العاهرة و مذيعات الرذيلة و الفساد و الإفلاس الأخلاقي.

تعرّف اللغة كلمة ” مجزرة ” على أنّها القتل الوحشي الذي لا يميّز بين الضحايا، و عليه فإنّ هذا التعريف لا يحدّد المجزرة بعدد الضحايا، فالمجزرة هي الفعل الجرمي الذي ينتهك قدسية الحياة البشرية بغضّ النظر عن هوية القتيل. و تصنّف المجازر عالمياً تحت بند انتهاكات حقوق الإنسان و الإبادة الجماعية و جرائم الحروب وجرائم التطهير العرقي، و وفق اتفاقيات جنيف الأربعة، تعرّض مرتكبها للمحاكمة، بل المحاكمة لا تتوقف على محاكمة المجرم في أرضه بل في محكمة دولية لأنّ الجريمة تمسّ شرف الإنسانية، وفق ما جاء في القانون الدولي الحديث.

تتسم المجازر عامة بترويع الأهل، و طردهم و تهجيرهم و قصف المنازل فوق رؤسهم، و التمثيل بجثثهم و تركها في العراء ، وسلب و نهب بيوتهم و احتلالها، و قد تطابق وصف المجازر العالمية على ما يرتكبه الأسد بحقّ شعبه، بل إنّه تفوق على كلّ قادة الإرهاب و القتل في العالم في أنّه أول حاكم يقتل شعبه تحت أنظار المجتمع الدولي و تأييده و صمت الجبناء، و إنّ مقارنة بسيطة بالمجازر التي ارتكبتها اسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني يجعلنا ندرك أنّ عدد ضحايا مجازر الأسد يفوق أعداد ضحايا ايّ مجزرة ارتكبها العدوّ الاسرائيلي بحقّ الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 إلى 2009 من مجزرة دير ياسين و اللدّ و الرملة و كفر قاسم و خان يونس و صبرا و شاتيلا و الأقصى و جنين إلى مجازر غزّة بين عامي 2006 و 2009. و إنّ مجزرة داريا الأخيرة وحدها و هي إحدى مجازر الأسد و ليست آخرها، قد وصل عدد ضحاياها إلى ألف ضحية حتى الآن غير الأشلاء و الجثث التي ماتزال تحت الأنقاض، و أعداد المعتقلين الذين يعانون أبشع أنواع التعذيب من حرق إلى اغتصاب، إلى الصفع بالكهرباء، و التشويه و الضرب بالجنازير و المثقاب الكهربائي، بشهادة المعتقلين الذين قدّر الله أن ينجو من الموت و يخرجوا بعد أن دفع أهلهم الآلاف فدية لهم. و كثير منهم في عداد المفقودين و كثير منهم تمّ تسليم جثته لذويه بعد أن قضى نحبه تحت التعذيب، و التهمة شعب يطالب بالحرية و المساواة و الكرامة الإنسانية و العدالة.

من يوقف هذا الوحش الكاسر الذي أفلت من حلبة السيرك العالمي و راح يلتهم البشر و الحجر؟ من يوقف نهر الدماء الذي فاق طوله أنهار العالم مجتمعة؟ من يعيد للطفولة ابتسامتها البريئة و صفاء نومها؟ من يمسح دمع الأمهات الثكالى؟ من يدفع فاتورة الخراب ؟ ما أسخف هذا العالم المتحضر و ما أتفه قوانينه الزائفة. يكفي السوريون فخراً أنّ ثورتهم أسقطت كلّ الأقنعة و عرّت الإنسانية من زيفها، و أثبتت أنّ البطولة أن نموت من الظمأ، لا أن نشرب دماء الشهداء في كؤوس النصر الوضيع. طوبى للسوريين، و طوبى لشهداء الحرية و طوبى لمن ما يزال تحت القصف و حدّ السيف، يغني للحرية و يبتسم فوق ميسم الجراح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.