من لم يمت بالسيف مات بغيره.. الأيديولوجيات والنمط المشترك

لو أنّ في عام 1970 لم يستطع الأسد الوصول للسلطة، واستلم البلاد عوضاً عنه الشيوعيون أو الأخوان المسلمون أو حتى الناصريون، ما الذي سيختلف بالنسبة للمستقبل؟!.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في عام 1970 استلم حافظ الأسد البلاد، وأصبح الأب الروحي والرب الذي لا يُخطئ. وتحولت الدولة السورية مع تقادم الزمن من دولة سيادة لها مشاكلها الطبيعية إلى دولة مافيا ولصوص، يتحكّم مجموعة من الأشخاص برقاب الملايين.

اليوم أصبحت هذه الحقيقة مفروغ منها، ولا يمكن الجدل أصلاً بما يناقضها، هناك حقائق مثل الشمس واضحة ولا لبس فيها، لكن المعضلة التي تجابه الكثيرين اليوم هو رؤيتهم أن ما جرى في سوريا منذ نصف قرن يتحمّل وزره، ذلك النظام البعثي والأسد الأب الذي مدّ أيادي الآخرين في كل مفاصل الدولة والحياة، وتحولت سوريا إلى دولة بوليسية؛ لكن دعونا نتوقف هنا دقائق ونعيد تشكيل خارطة السلطة السورية بما يوافق الخيال المستهتر.

لو أنّ في عام 1970 لم يستطع الأسد الوصول للسلطة، واستلم البلاد عوضاً عنه الشيوعيون أو الأخوان المسلمون أو حتى الناصريون، ما الذي سيختلف بالنسبة للمستقبل؟!.

دعونا نتخيّل هيكل الدولة بوجود هؤلاء في السلطة.. ما هو مصير أي شخص يقول في سلطة الشيوعيين، أنه لا يجد الاشتراكية أمراً مثيراً للاهتمام، ولن ننسى الولاء الضمني للمعسكر الشرقي، ألن يكون مصير ذلك الشخص هو أن يمضي 14 أو 20 عاماً في السجن كما أمضى الشيوعيون والأخوان نفس الفترة في حكم البعث؟. أو استلم الأخوان زمام الأمور، ألن يكون الأمر أسوأ بكثير من الاعتقال والسجن لسنوات لا تعد ولا تحصى! ألن يمضي البعثيون والناصريون أنفسهم في السجون والشيوعيون على أعواد المشانق بأبسط تهمة أنهم حلفاء الشيطان ضد الإرادة الإلهية.

بافتراض أن الناصريين استلموا السلطة، ويقول تباً يا عبد الناصر، هل تتخيل ما يمكن أن يجري بحق ذلك الناطق. لن يكون هناك محاكمة أصلاً، لأن القطيع المحب لشخصية عبد الناصر سيأكل الناطق حياً قبل أن يتم تقديمه لمحكمة.

أو مثلاً يخرج شخص غير سياسي بافتراض أن الناصريين استلموا السلطة، ويقول “تباً يا عبد الناصر”، هل تتخيل ما يمكن أن يجري بحق ذلك الناطق. لن يكون هناك محاكمة أصلاً، لأن القطيع المحب لشخصية عبد الناصر سيأكل الناطق حياً قبل أن يتم تقديمه لمحكمة.

كم مثير للسخرية مجرد تخيل هذا الأمر؛ وأتمنى ألا يخرج أحد الآن من الأيديولوجيين ليقول بأن ما كُتب هو تخيّل فانتازي ذاتي، غير واقعي، لأن الجميع يعلم ضمناً أن ذلك هو ما سيجري، وأتمنى أيضاً ألا يقول أحد بأنّ ما كُتب هو تبرئة للنظام الأسدي؛ بكل تأكيد ليس تبرئة إنما محاولة فهم كيف الأيديولوجيا التي يعيش الإنسان في جوهرها لا تخلق سوى بهائم وقطعان لن تختلف من حيث المصلحة والعمق الفكري لها سوى بما انتهجه البعث والأسد.

الفكر القومي والديني وحتى الاشتراكي، جميعهم يقومون على نقطة واحدة، بأن النضال ليس فقط للبيانات النصيّة التي تتحدث عن العدالة والشورى والقانون، بل بدرجة جوهرية يتماثلون كلهم في خلق مجتمع أمني يريد أن يزج كل من يخالف السلطة في السجن. النضال القائم على تعبئة السجون.

اليوم بعد ما جرى في سوريا لم تعد تلك الأحزاب قادرة على استلام شيء وحتى وإن استلمت فإنها لا تستطيع منهجة فكرة النضال على تعبئة السجون لأن العالم تغيّر كلياً، لقد فقدوا كل شيء وأصبح البشر واعيين تماماً لتلك المنهجيات التي كانوا سينفذونها في عام 1970 لو استلموا السلطة.

فكرة التفرد والعنف واعتبار أي جهة تمتلك أيديولوجيا هي الحق، ودائماً الأيديولوجيا تعتبر نفسها كذلك، ليست حكراً على النظام السوري الحالي، إنما هي تربية دوغما تشمل الجميع؛

ما أريد قوله بأن فكرة التفرد والعنف واعتبار أي جهة تمتلك أيديولوجيا هي الحق، ودائماً الأيديولوجيا تعتبر نفسها كذلك، ليست حكراً على النظام السوري الحالي، إنما هي تربية دوغما تشمل الجميع؛ ولنكن أكثر وضوحاً، إذا ما رحل البعث والأسد وأتت أي سلطة لها منهج، ستخضع نسبياً لقرارات دولية لكنها في الجوهر ما تزال تمتلك تلك النزعة التفردية، وما زالت فكرة النضال بالنسبة لهم قائمة على تعبئة السجون لكل من يخالف.

إن كان هناك من ضرورة لبناء سوريا مستقبلية فبالتأكيد ليست على أيدي أي شخص ينتمي لأيديولوجيا دينية وممثليهم الأخوان المسلمين وولائهم لدول إسلامية حالية، أو الشيوعيين وولائهم أيضاً لدول قائمة حالية أو حتى القوميين بمختلف مشاريهم وولائهم لدول ذوات مصالح في هذه المنطقة.

أبداً البعث لا يختلف عن الأخوان والشيوعيين والناصريين والوحدويين، الجميع في نفس السلّة المتعفّنة، فعلى الأقل يُفترض بالإنسان الحالي أن يتحرر من كل أولئك ولا يدعو لأي فكر مؤدلج، تحاول بعض الأيديولوجيات وتابعيهم أن يقدّموا أنفسهم على أنهم رعاة الحرية والتعددية، ويقومون بجذب الناس إليهم، ليس من أجل شيء، بل فقط كي يشعر هذا الإنسان أنه ليس بهيمة تمشي على أربعة. الأمر واضح تماماً، النضال في هذه البقعة من العالم له هدف واحد، أن تصبح السجون ممتلئة بكل ما يخالف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.