عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (15)

كل شيء في تدمر ممنوع، فكيف بالتسلية… لم يسمح لنا بالطبع سوى بالقليل مما يقدمه لنا السجانون من نوم غير مريح، مأكل ومشرب ضئيل، والدخول إلى الحمام… ولو كان بيدهم منعنا.

باب الهجرة إلى الجحيم: من بيروت إلى السويداء
ذكريات من تدمر واخواته

——75——
والعروس وفق ما كذب و ألف الشرطي. فعوقبت العروس ب 500 جلدة على رجليها والعريس ب 200، بحجة أن العروس قد أغوته ولم يستطع المقاومة فأكل آدم التفاحة.
لازمتنا قصة العروس والعريس لمدة خمسة أشهر… وكانوا كلما أرادوا أن يعاقبوا أحدا، يطلبون العريس والعروس… فذهبت العروس إلى مهجع السل، فيما طلب العريس السماح من مدير السجن يوم أتى في مهمة خاصة، وطويت صفحة من الصفحات الأليمة التي عشناها في جهنم تدمر.
التسلية

كل شيء في تدمر ممنوع، فكيف بالتسلية… لم يسمح لنا بالطبع سوى بالقليل مما يقدمه لنا السجانون من نوم غير مريح، مأكل ومشرب ضئيل، والدخول إلى الحمام… ولو كان بيدهم منعنا.
من ذلك لفعلوا. إلا أننا ابتدعنا بطرقنا الخلاقة، والحاجة أم الاختراع، بعض وسائل التسلية: فكنا على سبيل المثال نخيط على قطعة قماش مايخولنا لعب الطاولة والشطرنج، ثم نخبئها قبل التفتيش. إذ لو اكتشف المسؤولون أمرها لكان حسابنا عسيرا.
وأفضل سبل التسلية وأشهرها على الإطلاق هي رواية الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية على السواء… همسا! ويكتسب الراوي وفق خبرته جمهورا واسعا يجتمع حوله.
في ساعات <<العرض>> التي يعلن عنها مسبقا عند الغداء. وقد يروي هذا الأخير حلقتين في اليوم الواحد، تماما كما قد يحصل في <<الحرية>>.

——76——

( طبعا كان للراوي الحق المطلق بزيادة بعض المشاهد أو بحذفها كما يراها أو يحبها أن تكون،وشرطه الأساسي عدم مقاطعته وإلا يوقف السرد أو الفيلم ).
في بعض الأحيان، كنا نقوم بعرض حلقات مكثفة للراغبين مهما تعدد أو اختلف مستواهم التعليمي والتثقيفي. فنروي حلقات من التثقيف الديني والفقه، واللغات، والإعراب والتجويد، والتاريخ والجغرافيا… وتعليم اللغة الإنكليزية أو الفرنسية، كل في موعده، أي بعد التفقد عندما نكون اطمأننا إلى أن باب الزنزانة لن يفتح قبل حلول المساء… فكنا دوما حذرين مخافة العقاب.
وكأن عدم الموت سأما أو يأسا في السجون يشكل هزيمة لمن رمى بنا في ظلمة الحبس والقمع…
في أحد الأيام وبعد التفقد، تمعنا ستة أشخاص حول زميل لنا في المهجع لسماع واحدة من رواياته عن حرب بيروت. هو شاب لبناني من الحزب التقدمي الاشتراكي يدعى غازي م.
وقد خاض معارك ضارية في بيروت ضد حركة أمل.
بدأت الرواية عندما جاء الأمر إلى زميلنا غازي من المسؤول الأول، أبو هيثم، بالتراجع، وغازي يدخل جو المعركة.
– 1-1، تراجعوا!
( 1-1 هو لقب مسؤول جهاز الأمن يومها ويدعى جمال كرارة الملقب<<أبو هيثم>>. عرفته في تدمر وأطلق معنا في دفعة عام2000، لكنه بقي مسجونا في لبنان ولا أعرف أين).
يتابع غازي:

——77——

– جندت مئة وخمسة عشر شابا بأسلحة الكلاشنيكوف وإلام 16 وبعض الأسلحة الأخرى المتوسطة، ثم علقت جنزيرا من الرصاص من طراز ديكتيريوف حول عنقي وانطلقت أقاتل من شارع إلى شارع، من زاروب إلى آخر حتى وصلت إلى مبنى البلاديوم في شارع الحمرا
حيث مقر قيادة حركة أمل زاحتللناه… قاتلت حتى وصلت باب المسؤول، فخلعته بركلة قوية لأجد أبا علي جالسا فصاح:
– لا يا غازي لاتطلق النار!
– اسكت! أنتم قتلتم الناس وحرقتم السيارات وهدمتم المنازل.
– نحنا وأنتو. مش بس نحنا. إذا بدك منسحب جنودنا فورا.
ويجود غازي ليخبرنا كيف شهر سلاحه الرشاش، وبدأ يطلق النار في المكتب مقلدا صوت الرشاش. فجأة… يقاطعنا قرع عنيف على باب المهجع ليصرخ الحارس آمرا إيانا بخلع ثيابنا كلها في أقل من نصف دقيقة للتعقيم.
لم يستوجب الأمر أكثر من بضع ثوان حتى أصبحنا عراة تماما، لا يغطينا سوى حرام من حرامات الزنزانة النتنة. ساد صمت رهيب أجواء الغرفة.
ابتسمت. وكان خطر لي أننا 67 شابا لبنانيا في الغرفة، حضرنا وشاهدنا واشتركنا بالحرب، كل ينفذ أوامر حزبه ( ولا أظن بأننا كنا جبناء حينها)، مذ كنا قادة عسكريين في حروب بيروت.

——78——-

وإذ بواحد من خارج الغرفة لا نعرف له وجها يملك علينا سلطانا فيوقفنا عراة، كما لم تعرفنا أمهاتنا. طأطأ غازي حامل الرشاش رأسه وقد وقف شامخا بطوله في الغرفة، وضحك لعورته التي بانت لاعيننا عندما غدرت به السرعة والخوف فلم يتغط كما يجب. وضحكنا لأمجاد المقاتلين التي حولهاالسجن السوري هيكلا فارغا يخشى قرع الباب، فيحتمي بحرام لا توازيه قذارة سوى ظلمات المجهول، وخطف الكرامة البشرية التي برع فيها من دون منافس أرباب السجون السورية.
السجن مجتمع مصغر، وعينة عما قد يجده الواحد في دنيا الحرية. لذا، ترى بيننا الطيب والخبيث، المتكبر والمتواضع، الكريم والبخيل، دمث الأخلاق وسيئها… ومنهم أيضا الصامت الذي لايكلم أحدا، والخائف أو الحزين الذي يبقى في زاويته طول النهار يبكي… منهم من أولاده، أهله أو عائلته، فيضحك لذكرى ويبكي لأخرى، فترتسم على وجهه سمات الوجل حينا، ومسحات خجولة من الفرح الهارب أحيانا… أما الأقوى فهو ذاك الذي استحبس داخل سجنه، فأطلق العنان لمصيره، لحياته أو موته، أو لعله يحصر تفكيره بالحالة الوسطى مابين نبضة الحياة وشخرة الرحيل…أما أنا، ففكرت بأن إرادة الحياة هي الأقوى، وكلما كنت قريبا من الموت تمسكت أكثر بالحياة، لا لسبب غير الأمل بالحرية، فأخرج يوما وأكتب ذكرياتي، شهادة حق للعذاب الذي يعتصر قلبي، فأنتفض ضد الظلم والظالمين والإهانة والبطش والتعسف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.