من سيكتب قصة الريح التي هزت الأرض السوريّة؟ -د. سماح هدايا

ن سيكتب قصة الريح التي هزت الأرض السوريّة؟
الفيلم الإنجليزي (الريح التي تهز القش”The Wind That Shakes the Barley”)الذي أخرجه البريطاني “كين لوتش” وأنتجه عام 2006 ورجع فيه إلى الماضي إلى انتفاضة أيرلندا في العشرين من القرن العشرين، ليصور الصراع والمقاومة المسلحة في إيرلندا ضد الاحتلال البريطاني، هو فيلم رائع مذهل في واقعيته الاجتماعية والنفسية وفي خطابه الوجداني داخل سياق سياسي… لكنه مخيف مرعب حتى الصدمة في رهافة صدقه في تصوير الحقيقة ورصد الجانب الإنساني للصراع ضد الاحتلال والظلم .
كنت شاهدت الفيلمThe Wind That Shakes the Barley منذ سنوات قبل عرضه في منتدى مداد السينمائي، حين صفعني في الصميم أول مرة، فوجدت نفسي عاجزة عن كبح الغضب والألم، وعن منع التأسي من هول المأساة الإنسانية والأخلاقية والسياسية التي يرصدها الفيلم وينقلها لعين المشاهد وقلبه …
الآن، وبفعل الأحداث العظيمة في أوطاننا، أعود لاسترجاع ذاكرة الفيلم ومشاهدته من جديد، لكن بنقد موضوعي واستصار وجداني ،بعد أن وسّعت الآلام خارطة الصبر في مساحة أرواحنا وحواسنا وتجاربنا… في الفيلم محاكاة لواقعنا وإنساننا وبعض حربنا الشرسة…أقف عند الفيلم قليلا، من أجل تأمل مشهدنا السياسي والإنساني والأخلاقي بحقيقته العارية الصادمة من دون تجميل ومن دون أقنعة…فالفيلم، في معظم مشاهده وخطابه، وخصوصا في مشهد قتل الأخ الثائر لأخيه يحاكينا ويكتب عن جزء من مأساتنا وحربنا وضراوة معركتنا.
لا يكتفي الفيلم، كما قيل عنه، يوضع الوضع الخطوط الحمراء حتى لايتجاوزها الإنسان والثائر والمقاتل ..ولا يكتفي بدق أجراس الإنذار والخطر… بل يكشف بقسوة شديدة عن وحشيّة الجريمة التي يؤسس لها نظام القهر السياسي الطغياني، ويطلقها للتوسّع الشيطاني في ظل الحروب الأهليّة، التي تستطيع فك اللحمة الإنسانية والوطنيّة وتنجح في تقسيم المجتمع و تفتيت الشعب والعوائل، وفي تحويل الإنسان إلى عدو شرس لأخيه بالدم واللحم،..حين نترك الأخ يقتل أخاه بوحشية لا نظير لها غير عابىء بأي من روابط الأخوّة..
الأخوان البطلان في الفيلم تشاركا المصير والحياة والنضال وحاربا جنبا إلى جنب ضد قوات الاحتلال في وحدات المقاومة في الجيش الجمهوري الإيرلندي الذي كان يتصدى للقوات البريطانية ويحارب من أجل نيل الحرية والاستقلال ..وخاضا أشد الآلام معا …..ولكن بعد توقيع الايرلنديين معاهدة مع الانجليز تمنح إيرلندا استقلالا منقوصا مشروطا، تصاعد الصراع ليصطدم الثوار ببعضهم، وهنا تبدأ المشكلة الكبيرة بالتأزّم وتحريك الفيلم. فيبدأ الانقسام ويتحول الانقسام والصراع بين أخوة السلاح والنضال والمعاناة بين:
– الذين يرون ان المعاهدة تطيح بأحلام الحرية والعدالة وتبقي إيرلندا الشمالية تحت الاحتلال الانجليزي وتحت الولاء للملك البريطاني، فيرفضون هذه الاتفاقية لتناقضها مع طموحاتهم وأحلامهم في استقلال كامل وفي تأسيس جمهورية عادلة اجتماعيا واقتصاديا…
– وبين الذين يرون أن المعاهدة مقبولة تتيح بناء كيان سياسي إيرلندي وسلطة تحافظ على مصالحهم وتحميهم من نتائج سيئة لحرب شاملة غير متكافئة تشنها بريطانيا عليهم. وراحوا يشكّلون حكومة وشرطة تقوم بملاحقة الرافضين للمعاهدة ، وتتهمهم بالانشقاق والعمل على تدمير الكيان السياسي الإيرلندي الجديد؛ فيلقى الأخ داميان من رجال الفريق الأول الرافض للاستسلام مصرعه في مشهد وحشي، على يدي شقيقه “تيدي” من رجال الفريق الثاني الموقع على المعاهدة ، عندما حكم عليه بالإعدام ونفّذه. في لحظة درامية من أشد الأحداث والمشاهد تأثيرا وإيلاما وقوة .
الفيلم يصور فظائع مروعة وأشكال تعذيب مريعة يرتكبها الجنود البريطانيون وقواتهم العسكرية في المدنيين الإيرلنديين العزّل، ويرصد وحشية لا تعرف رحمة فيفتح
الجراح بعنف وجرأة. ويصور بواقعية شديدة إرهاب الجنود الإنجليز وهم يقتلون الثوار الإيرلنديين…ثم يصور وحشية الاقتتال الأهلي ؛ لكنّه يعطي قيمة كبيرة لبسالة الرجال الثوار وبطولاتهم ، ولشجاعة نساء الريف الايرلندي اللواتي يقمن بأدوار كبيرة في دعم الثورة ومساعدة الثوار وتوفير المأوى والمأكل والسلاح احيانا. كما يفسح للحب والعاطفة مجالا شفافا وعميقا لمنح المشهد المأساوي الدموي فسحة أمل وقطعة جمال خارج السياق الموجع ، وخارج الأمكنة المحبوسة في بؤس وضيق نظر، عبر امتداد الحقول البديعة التي تسحر الناظر بعناصر جمالها
لعل الأقوى في خطاب الفيلم وإبداعه إلمشهدي ليس فقط في الشاعرية والشعرية، بل الروح التسجيلية الشفافة المستندة إلى وقائع تاريخية موثّقة ودقيقة عن الثورة الإيرلندية ضد قوات الاحتلال البريطانية، بالإضافة إلى توخي الأصالة والدقة التاريخية في إنجاز الفيلم..ورغم الحزن المقيت ومشهد إعدام فظ وحشي يبقى هناك أفق للأمل في الكفاح الإنساني من أجل الحرية والعدل ومقاومة الظلم والغطرسة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.