من سلسلة عابر سبيل _ ” أقدارنا حبلى وأمتي قادرة “

بقلم : ميشيل سطوف

فهلْ يجوز ُ الاعتراف ؟

لا بُـــدَّ أنْ أعترف ْ
وإنّي لأعترف ْ
بأنّي جبان ُ
فلما إذاً لا أُهان ُ

قدْ ضجَّ منْ صبري الزمانُ
وضاقَ منْ جـَلـَـدي المكانُ
فلما العجبْ
إنْ صُرتُ في وطنــي أهانُ
أو إذا صُرنا نهانُ
ونـــدانُ ..

أمْ يحقُّ ُالنشيدُ ..؟

لا تلوميني فلسطينُ
ولا تلمني يا عراق ُ.. ويا صديقُ
لستُ أشكو منْ خياري
لستُ أخرجُ منْ وعائي
لستُ آسفُ .. لستُ أخشى..
سافرُ الوجه ِ أنا
لست أخجل ُ مِنْ حصار ٍ آثم ٍ
يلتفُّ منْ حول الديار ِ
وألفِ سجن ٍ في الكهوف ِ وفي الصحاري
أقبضَ الجمرَ وتحترقُ يدي
لكنّني : مَنْ ليسَ يُذعـِنُ للظلام ِ وللحصار ِ
وليس تمضغني البليّةْ
وطنـــي ،
يا بـِئسَ أُوْلي الأمر ِ ، إذ يبقى الضحيّة ْ

لا تلمني يا عراقُ ..
لا تلمني يا صديقُ
لمْ أكنْ أمسكُ وهماً أو سرابا
بل وصـيـــــــّــة ْ
لمْ أكنْ أجري وراءَ الريح ِوالأوهام ِ
بل معنى الحياةْ
إنَّهُ الحقُّ الذي كانَ.. ومازالَ عليَّ
طالما وطني : الضحيـةُ والقضيــة ْ

لا تلمنــي يا عراقُ
لا تلوميني فلسطينُ الحبيبة ْ
لمْ أكنْ أطلبُ مجدا ًأو ثوابا
لمْ أكنْ آملُ نصراً هيّناً.. وانتصارات ٍ قريبة ْ
همّني صُرتُ طريداً
همّني صرتُ غريباً في بلادي ..
مثلما صارت ْ غريبة ْ

باعـَها السمسارُ والحاوي ..
و منْ ماء ٍ إلى ماء ٍ
على درب ِ الزعامة ِ .. والسرايا الجائرة ْ
وحساباتِ البنوك ِ الطائرةْ
لمْ يعدْ خجلٌ لهذا أو لذاكَ ..
بل عيونٌ فاجرةْ

وعـــزائي ،
يا عراقُ أنّك تبقى هنا
وفلسطينُ هنا
مثلما حُضنُ الحبيبة ْ
تردعُ الرعُبَ بأحجار ٍ تقاوم ْ
وبأطفال ٍ تصادم ْ
وبأرض ٍ لن تساوم ْ

يسقط زندي .. ووجدي
وأنامُ فوقَ أرضي
ُتـنـبـِتُ الزرعَ العنيد ْ
يهزمُ الريحَ وأنيابَ الذئاب ْ
ويُغطّي وجهَ ابني ، باخضرار الحقِّ و الأمل ِ الجديد ْ
إنّها أقدارُنا حبلى .. وأمّتي قادرة
وطني : كلُّ قضايا ” الكون ِ ” في هذا المدى
بـِئسَ أُولي الأمر ِ، إنْ صارَ دمي كلَّ القضية ْ

لا تلوميني فلسطينُ الهدى
لا تلمني يا عراقُ المفتدى
إنْ أنا أصبحت ُ أبحثُ عن عزاء ْ
كمْ فشلتُ ..كمْ تدهورتُ ، وكمْ ..
كمْ خسرتُ عبر جولاتي.. رهاناتي
وكمْ أُودِعَ الشعبُ قرابينَ الفداءْ

لا تلومونَ العطاءْ
قدْ فقدتُ في أتونِ الحرب ِجلَّ الرفقاءْ
وأَضَعتُ في ثلوج القهر ِ مئذنَةَ المدينة
بعَُض أمتعتي تبقَّى في النفق ْ
أو تلاشى في فصول ِ المرحلة ْ
بعضها زاغَ على طرفِ الطريق ِ..
في انحدار ِ الكوع ْ
أو في انحسار ِ المسألة ْ
قدْ صعدتُ زاحفاً نحو الروابي
حيثَ تنتظرُ بقايايَ:
حِصاني وفـتاتي والخوابي
حيثُ يسألني عذابي
عنْ قصوري ..عنْ صوابي
غيرَ أنّي لم أجدْ : إلاَّ السبايا ..والبغايا..
وجنودَ المقِصَلة ْ،
وطني ، يا بئسَ أُولي الأمر: إذ يبقى الضحية ْ

لا تلمني يا صديقي ،
إنْ غزا الشكُّ يقيني.. برهة ً
أو هربتُ منْ حنيني .. ساعة ً
أو تـَمَعْطفت أنيني ليلة ً

لا تلمني إنْ بكيتُ في ليالينا الحزينة ْ
كمْ هو حقٌّ علينا
كمْ هو حقٌّ علينا يا رفيقي
حقُّ ُأنْ نسقي قبور الأنبياءْ
حقَّ أنْ نضعَ الورودَ عندَ نَصْبِ الشهداء ْ
إنّها أضحتْ قضيّة ْ

لا تلمني إنْ كفرتُ..
أو هجرتُ مرّةً هذا المدار ْ
إنْ أنا هاجرتُ منْ جرح ٍ إلى جرح ٍ
لأبحثَ عنْ جدار ٍ أو ستار ْ

إنّا نعيشُ السقطةَ الكبرى لهذا العصر ِ
في حمق ِ الكبار ..
وفي عبث ِ الصغار..
حينَ يصيرُ العذرُ أقبحَ منْ خطايا الدهر قاطبة ً
حينَ يصير التيسُ فيهمْ عَلَما
والملاييـــــــــــــنُ لدينا رقما
حينَ جنونُ العظمة ْ
يستعيرُ منْ زمان ٍ قبل عيسى والنبي
كمشةً ً شهواءَ من سفرِ الدمارْ
وطني يا بئسَ أُولي الأمر ِ: إذ يبقى الضحيةَ

لا تلمني يا صديقي و يا بنيْ
لستُ باليائس ِ منْ أمري ومنْ عصري
حتى وإنْ قفلوا الكتابْ
أو جاهروا ” بكتابهمْ”

وفصولِه ِ الممدودة ِ بين َ العذاب ِ .. والخراب ْ
أو لوّنوا أمطارنـَا وهواءَنا ،
أو خضّبوا أجواءنا ..إرهاب
حتى إذا أبقوا على صلب ( السلام ِ) بأرضنا
باسمِ السلام ْ
ونوّعوا الأسباب ْ
حتى إذا ما استنسخوا حـُكّامَنـا .. أسراب ْ
أقدارنا حبلى .. ولن ننسى الوصيّة

لا تلمني يا عراٌقَ الرافدين..
لسنا ننسى ،
لسنا ننسى يا فلسطين الحجارة ِ والشباب ْ
أنَّ ريحَ الشرِّ ريحٌ لا تنام ْ
غير أنَّ الحقَّ روحٌ لا تموت ْ
والأساطير فتاتُ الجمر ِ يقتاتُ العراء ْ

إنّنا باقونَ مهما استوطنَ فينا العذاب ْ
لا ” وهمَ ” يـثنينا .. ولا قانونَ غابْ

كمْ يـُعلِّمنا الفشل ْ
لا فرقَ إنْ كانَ جواباً أو عتابْ
كمْ يـُعلِّمنا الألمْ
آلامنا بعضُ عذابِ الأنبياء ْ
كمْ يـُعلِّمنا الأمل ْ
كمْ تعلمنا الحياةُ..
وكمْ علينا منْ عمل ْ..

هذا عراقـُنا يفضحُ الزيفَ الفظيع ْ
هذي فلسطينُ الحجارة ِ، تدفعُ الحيفَ المريعْ
هذي عيونُ القوم ِقد فُـُتِحتْ على هولِ التحدّي والسقوط ْ
أعداؤنا .. حكّامنا .. أشلاؤنا

سقطَ الحجاب ْ
بلْ أسقطوهُ – وظِلَّهُ – دونَ اعتبار ٍ أو خجل ْ

سقط الحجابُ والحجابْ
دُفِنَ ” النظامُ ” في البنوك ْ
رحلَ ” النظامُ” عنِ العواصم ِ والبلاد ِ..
فلا نظامُ
لا رئيسٌ ، لا مليكٌ ، لا أميرٌ ..
لا إمامُ
قدْ ولّى أُولي الأمر ِ..
لا أمرَ لهمْ : منْ دون ِ أمر ِ الغير ْ
فقصورهمْ..صندوقهمْ ..نَوّابهم ْ..أعلامُهمْ ..أقلامُهم ْ..
أقوالُهمْ.. أفعالهمْ..
تـــزويـــــر
وضعفهمْ ..وعجزهمْ ، مُمَنهجٌ .. وكاذبُ التبرير ْ

قدْ أصبحَ جميعهمْ ” مكلّفاً بمهمة ٍ ” : سِرّية ٍ ..علنيَّة ٍ
عنوانُها الإفقارُ والتدمير ْ
ثرواتـُنا .. خيراتـُنا .. “أحلامُنا ” في جيبهم ْ
وجرابهمْ ليسَ لهم ْ
وجيوبُهمْ وجحورُهم ليستْ لهم ْ
ما مِنْ ولاء ْ
باتُ الولاءُ للدولارِ وللقمار ْ
..فلما إذاً ، هذا السُعار ْ
يا بـِئسهمْ ، يا وَيحَهم ْ …
يا ويحَ مَنْ وأدَ الضمير ْ

لا تلمني يا عراقُ
لا تلوموني فلسطينُ
لا تلمني يا بنيْ
مَنْ تسائلْ ؟

مَـنْ تلومْ ؟

لمْ تعدْ أندلسُ في الأندلسْ
لم تعدْ ” أندلسُ ” إمارةً أو رُقـْعَةً ..
مدينةً ..أو مملكة ْ
لم تعدْ سَقـْطَ أمير ٍ غارق ٍ بينَ النساء ِ واللعب ْ
يذرفُ الدمعَ على مَلك ٍ أضاع ْ
ويسومُ عودةً مأمونةً ً أرضَ العرب ْ
أرضَ الجدود ْ..
لم تعدْ ” أندلسُ” – يا ولدي – خلفَ الحدود ْ
دَلفتْ كلَّ القصورْ
وغزتْ كلَّ البِقاع ْ
أصبحتْ فيهمْ – بأولي الأمر ِ – حكّاماً وأزلاماً
سلوكاً سارياً ..

أصبحتْ ” أندلسُ ” يا ولدي :
مَـتعَتُهمْ .. حِـرفَتُهم ْ.. لُـغَتُهم ْ
إيمانهمْ .. إدمانهم ..
وتوابيتَ البقاء ْ

مَنْ تُسائل يا بنيَّ..
مَنْ تلوم ْ
ليسَ مِنْ ” أمّ ٍ ” تلوم ْ
لا هــمُ باكونَ قدساً ضيّعوها..
أو فراتاً يجهدون ْ
كي يصيرَ ماؤهُ حبراً وخمراً..
ودماءً يحتسون ْ
كيفَ يبكي هؤلاءُ يا بنيَّ.. كيفَ يبكي هؤلاء ْ ؟
كيفَ يبكي الغاصبُ مَلكاً ..إذا باعَ ..
إذا ضاعَ الوطنْ

كيفَ يشكو الميتُ حسّاً ، حينما يدمى الوطن ْ ؟
كيفَ يبكي هؤلاءُ يا بنيَّ ..
وهمُ جَوقُ الطرب ْ
كيفَ يحزنُ هؤلاءُ يا بني ،
وهمٌ ” سيدا ” العربْ
فإذا ” أندلسُ ” يا ولدي :
بعضُ طـُـقوس ِ( المعركة )

لا تلمني يا بنيْ..
مَنْ تلومُ ..مَنْ تساءئل ..؟
ألفُ آه ٍ .. ألفُ آه ْ
كمْ كذبوا .. وصدّقوا ما كذبوا
بل ْ همُ لا يَصدقونْ
دمـّروا واستعمروا ..
باسم الحياة ِ والحضارةْ

نهبوا وخرّبوا
وادّعوا وكابروا .. منذُ قرون ْ
نَفََذوا منْ ضعفنا ، منذُ زمنْ
نفخوهُ .. كرَّسوهُ حاضنات ٍ للعفنْ
صنعوا ” منْ ذقننا ألفَ رسن ْ”
أفسدوا الأرضَ وباءً وفِـتـنْ

مَـنْ تـُسائل..؟
ضللوا أبناءهمْ .. أحفادَهمْ
شوَّهوهمْ ..شوّهونا..
شوّهوا الإنسانْ
جيّرَوا العِلمَ وألوانَ الحضارةْ
فَتَنتهمْ شوكة ُ السلطان ِ ..والشيطان ْ
زيـَّنوا الظلمَ .. وصاغوهُ وثــنْ
مَـنْ تسائلْ

طالما ” حِكمتهمْ ” ، مهما تَـغـنّوا يا بني ،
هيَ مِنْ وزنِ القنابل ْ
مَـنْ تسائلْ ..؟
هؤلاءِ ( السادةُ ) مِنْ خلف ِ البحار ْ ؟
أقراشَ البحار ..ْ
أم صعاليكَ الإمارةْ..
أمْ دمى العرش ِ..
وحرّاسَ الكـفـن ْ

لا تلمنا يا بني ..
لا تسائل ..ْ وليكـــن ْ
ولتكنْ قوّةُ الحقِّ التي فينا : وطن ْ
حِـكْمَـةُ الضعفِ التي فينا : وطـن ْ
فليكنْ ..

هذي فلسطينُ الشهادة ِ ، يا بنيَّ ، مِنْ أمامـَك ْ
هذا عراقـُكَ مرّة ً أخرى أمامـَكْ
ينقشونَ العصرَ في تاجِ الزمان ْ
ها هنا في موطنِ الإنسانْ
مهد ِ الحياة ِ واللسان ْ

وليكـــنْ..
هوذا التاريخُ ما بينَ يديك يا بنيْ
فلتقرأِ التاريخَ حتى يائه ِ
دونَ اختزال ٍ وانفعالْ
هُوَذا التاريخُ – نحيـــا – مرّةً أخرى على وقْعِ القتال ْ
فليكـــنْ …
هيَ دورةُ التاريخِ ما بينَ يديكَ ، يا بنيَّ ، ..فالتقِطـْها
ولتكنْ للحقِّ والحبِّ .. وللنور ِ ..وطــــنْ

لا تسائلْ يا بنيَّ ،
لا تسائل ْ ..كلّما سقطَ َ الحجابْ
إنْ يكُ في أرضِنا .. في أرضهم ْ
بانَ السرابُ والخرابُ
والكلابُ والذئابْ
فلنقــرع ِ الأبواب
ولنفتح ِ الأبواب ْ

هـذي فلسطينُ الشهادة ِ يا بني منْ أمامِك ْ
هذا عراقُكَ مرّة أخرى أمامك ْ
طوبى لها
طوبى له
طوبى إليكَ يا بنيَّ في الصباح ْ
حينَ نهوضِك عارفاً وخارجاً :

منْ أمرنا ..منْ عُذرِنا..منْ عصرنا
مما تركنا منْ حـُطام ٍ ورُكام ْ
ودروس ٍ .. وكلام ْ
حينَ ترعى النورَ والعلمَ
و تَقلِعُ للأمام ْ
للبناءِ المستدام ْ

ولتكنْ للحقِّ والحبِّ.. وللنور ِ ” قضيّة ْ”
يا نِعمَ مَنْ حََمَلَ الوصـيــة ْ

إنـّهــا أقدارنا حبلـــى ..
وأمُّـتي قادرة ..ْ
باريس 2000

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.