من ذكريات الطفولة ….وائل الشامي

كنت في العاشرة من عمري تقريبا عندما سجلت المطربة طروب أغنيتها اللطيفة ” طيرت العصفور ” في الإذاعة و التلفزيون . حفظت كلمات الأغنية عن ظهر قلب بعد أن تابعتها عدة مرات على جهازي التلفاز و الراديو. كانت قصة الأغنية عصية على الفهم بالنسبة لي. فلجأت إلى أخي مروان الذي يكبرني بتسع سنوات بهدف فك طلاسمها و سألته: لماذا تركها العصفور و طار بعيدا؟ فأجاب : لأنه كان جائعا، فقد كانت هي بعيدة عنه ولم تطعمه . قلت : وكيف هرب من القفص؟ من فتح له الباب ؟ فقال: ربما نسيي أحد ما باب القفص مفتوحا أثناء إطعامه ، فأتبعت بسرعة البرق : ولكن هي تقول أنه اعتاد أن يأكل من يدها فقط ؟ وهي كانت بعيدة ؟ هذا يعني أن القفص كان مقفلا طوال الوقت ؟! .ابتسم أخي و اقترب مني وبدت على وجهه ملامح الاستسلام و كأنه كان قد قرر الاعتراف بالحقيقة أو جزء منها على الأقل قائلا : وائل ….. هو ليس عصفورا في الحقيقة ، بل هو رجلا ، قد يكون زوجها مثلا ، هل فهمت يا شيخ الشباب ؟ أجبت معترضا بسرعة البرق : لا….لم أفهم ، لماذا تطعمه بيدها وهو كبير ؟ و لماذا يهرب إذا توقفت عن إطعامه ؟!… أخذ أخي نفسا عميقا جدا و حبسه في صدره فترة كانت كافية لتحول وجهه الجميل إلى اللون الأحمر، و رمى على الأرض جهاز الراديو المعطل الذي كان يحاول إصلاحه و التفت إلي مقتربا مني ببطء شديد قائلا بصوت منخفض لا يخلو من الحزم والجدية : ” هلكت ربي …..بس تكبر بتعرف كل شيء ….. خلص ” . أدركت تماما أنني لن أكون سعيدا فيما لو تفوهت بكلمة واحدة أخرى… فطويت أسئلتي منكسرا و انسحبت من أمامه بكل هدوء خشية إيقاظ الأسد الذي كان يقبع في داخله ذلك الوقت . تبا لهذ الإجابة التي كانت دائما المخرج و المنقذ للكبار في كل وقت !!…….
اليوم يا أخي وبعد مرور أربعين عاما ، أصبح لدي إجابة على تلك الأسئلة على ما أعتقد ، و أدركت من هو ذلك الرجل بالنسبة لها و ماذا كانت تقصد بالطعام الذي اعتاد عليه و هجرها بعد إهمالها له …. ولكن يا أخي ثمة أسئلة أخرى أصبحت بحاجة لإجابات ؟ ملايين العصافير التي كانت تزقزق في سمائنا و تلتقط حبات القمح المتناثرة في حقولنا بعد كل حصاد ، قد هجرت أعشاشها البرية على أغصان الزيتون إلى أقفاص في بلاد اللجوء وتركت بساتيننا و بيادرنا للغربان السود و الديدان الخضراء تعيث فيها فسادا ولطما !!! هل ستعود إلى أعشاشها يا أخي ؟ هل ستعود حقا ؟ أجبني يا أخي ؟ أجبني أرجوك ؟ لا تقل لي :” بس تكبر بتعرف كل شيء ” …فأنا عاجز عن الإجابة مع العلم أنني كبرت كثيرا ….نعم يا أخي …لقد كبر شيخ الشباب كثيرا……..نعم لقد هرم أخاك …

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.