“من دمشق هنا القاهرة” عبد الهادي البكار إعلامي سوري من الزمن الجميل

 

كثيرون منا يرددون جملة “من دمشق هنا القاهرة” لايعلموا لماذا قيلت ومن قالها،  لعل اسم عبد الهادي بكار لا يعني شيئاً بالنسبة الى الجيل الجديد.

أما عن خمسينات وستينات القرن العشرين في العالم العربي كان اسمه يصدح في كل مكان، كان جهاز الراديو في مجده الناصري، في وقتها بدأ التلفزيون ايضاً بسحر المشاهدين برؤية المذيعين الذين كانوا يسمعون أصواتهم الهادرة مثل عبد الهادي البكار وأحمد سعيد وغيرهم.

 

الإذاعة السورية..

هنالك عدة محطات تاريخية مهمة في مسيرة الإذاعة السورية، يجب التوقف عندها مطولاً للدلالة على عراقة وحضارة هذه الإذاعة ومواقفها الصلبة مع القضايا العربية.
مسيرة الإذاعة السورية تاريخ طويل يصعب الحديث عنه في صفحة أو صفحات، الدفاتر القديمة والذاكرة الشعبية للعاملين في الحقل الإعلامي تمتلئ بقصص وحكايا يجب توثيقها والحديث عنها.
رجال في الإعلام السوري بنوا ثاني إذاعة عربية بجهود مضنية وإمكانيات بسيطة، وسطروا في صفحات الإعلام أن رجالاً من سورية بنوا صرحاً إعلامياً كبيراً بجهود فردية وعشق للوطن.
استطاعت الإذاعة السورية الوطنية، منذ البث الأول قبل ما يقارب السبعين عاماً، أن تكون مصدر معلومات قوية لتعبئة التغيير الاجتماعي، ونقطة مركزية لحياة المجتمع ولتصبح قبلة لكل الفنانين العرب ومنارة لنشر الثقافة ومعملاً لصنع الكفاءات الإعلامية التي ساهمت فيما بعد في صناعة الإعلام الإذاعي والتلفزيوني في العديد من الأقطار العربية، فانطلق عبر أثيرها الأخوان رحباني، فيروز، عبد الحليم حافظ، حليم الرومي، فايزة أحمد، سعاد محمد، وديع الصافي، فيلمون وهبة، نجاح سلامة.
تمكنت الإذاعة السورية رغم إمكانياتها المتواضعة في البدايات أن تكون على مساحة الوطن العربي قولاً وفعلاً، حيث وقفت كالطود في عام 1956 م مع عروبة مصر حين أعلن الإذاعي عبد الهادي البكار عبر أثير إذاعة دمشق: “لبيك يا مصر” 

 

من هو عبد الهادي بكار..

صوت سوري دمشقي من دوما مواليد 1934 من أسرة متوسطة، غادر بلاده سوريا عندما أعلنت الوحدة بينها وبين الجمهورية العربية المتحدة ليستقر في القاهرة مذيعا عبر إذاعة صوت العرب، زوجته الدكتورة عائشة هالة طلس وابنه صخر.
عاش عبد الهادي البكار مأساة الأمة العربية، مأساة حلم الوحدة العربية، سُجن في قلعة دمشق، أوقف عن العمل عدة مرات في الدول العربية التي أقام فيها، تغرَّب في أصقاع الوطن العربي لأكثر من أربعين عاماً، تنقل بالعمل بين عدة وظائف وعدة دول فعمل بدمشق ما بين الإذاعة والتلفزيون وتنقل بين أكثر من سفارة عربية كمستشار ثقافي، بدمشق عمل مذيعاً للأخبار ومعلقاً في الإذاعة ثم في التلفزيون، وحين اختار النفي الطوعي خارج سورية عمل في لبنان والقاهرة وفي بغداد والجزائر وتونس والإمارات العربية، وكتب المقالات والدراسات في الصحف والمجلات العربية منها، صحيفة الأهرام وصحيفة الجمهورية وصحيفة الأخبار وصحيفة القاهرة، وفي بعض الصحف والمجلات اللبنانية وفي صحف دمشق البعث والثورة وتشرين، ثم انصرف إلى التأليف فألف عدداً من الكتب المهمة ذات الطابع السياسي منها صفحات مجهولة من تاريخ سورية الحديث.
في أواخر عهد الانفصال، وزمن وزارة خالد العظم رئيساً سافر البكار إلى لبنان، ومنها إلى مصر لاجئاً سياسياً معارضاً شرساً لحكم الانفصال، وليصبح مذيعاً تلفزيونياً مرموقاً في إذاعة صوت العرب وتلفزيون القاهرة. 
هنالك من يروي أن البكار هاجم وانتقد حكومة الانفصال على شاشة التلفزيون السوري، ومن ثم أسرع بتقديم استقالته من التلفزيون، وهرب إلى لبنان ومنه إلى مصر، قبل أن يتمكن رجال الأمن آنذاك من اعتقاله، وعاش جل حياته كلاجئ سياسي في مصر إلى جانب عبد الحميد السراج وغيره من اللاجئين السوريين الذين ارتبطوا بالمد الناصري، ولكن كما يروي البكار في كتبه ومقالاته فقد كان يشعر بالغربة في كل بلد عربي عمل وأقام فيه، كان يشعر بأن معاملة أهل البلد له هي معاملة يشوبها الحذر والريبة، وكأنه وافد أجنبي طارئ!؟

 

من دمشق.. هنا القاهرة..

عام 1956 بريطانيا وفرنسا واسرائيل ان اتفقت على ان تضرب اسرائيل سيناء المصرية حتى يتقدم الجيش المصري وتحاصره القوات البريطانية والفرنسية وتحتل قناة السويس التي اممها الزعيم جمال عبدالناصر، ونشبت الحرب واصدرت بريطانيا وفرنسا انذاراً بوقف الحرب وانسحاب الجيش المصري والاسرائيلي الى مسافة 10 كيلومترات في ضفتي قناة السويس، ولم توافق مصر لأنها ادركت الخطة بأن الانسحاب يعني التخلي عنها.
عندئذ اغار الطيران الملكي البريطاني والفرنسي على ابراج الإرسال الاذاعي وتم قطع الإرسال من اذاعة القاهرة عند كلمة «هنا القاهرة» وكان جمال عبدالناصر سيلقي خطاباً للعالم والشعب المصري بعد كلمة «هنا القاهرة» من على منبر جامع الأزهر، وكان عبدالهادي البكار مذيع ومخرج اذاعة سوريا وعندما وصله خبر قصف القاهرة قطع البث الاذاعي السوري وقال في الراديو «من دمشق، هنا القاهرة» لم ينتظر الأوامر من رؤسائه ولم يخش عواقب ما اقدم عليه من اعلانه «هنا القاهرة» من اذاعة دمشق.

عند ذلك اصدر الاتحاد السوفيتي انذاراً بضرب لندن وباريس وواشنطن وتل ابيب بالصواريخ الذرية، حال ذلك امرت اميركا كلا من بريطانيا وفرنسا بالانسحاب الفوري من الأراضي المصرية وكان النصر حليف مصر.

خلف البكار كتابات متناثرة في الصحف المصرية والعربية، وكتابه «المأزق» مصر والعرب الآخرون، أبو صخر مثال رائع لحبه النقي لوطنه ولأمته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.