من حقّي أن أحلم

هل يحق للإنسان السوري أن يحلم؟ هل يحق له أن ينعم بالعيش حرّاً كريماً؟ وهل يُسمح له بالمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية؟ وهل سيستطيع المساهمة في بناء جيل جديد من الشباب السوري الطموح بحياة تسود فيها العدالة والمساواة والحق في الارتقاء؟

241

بقلم: فهد ابراهيم باشا

هل يحق للإنسان السوري أن يحلم؟ أن يكون إنساناً ينعم بالعيش حرّاً كريماً، يشارك في بناء الحضارة الإنسانية والمساهمة في بناء جيل جديد من الشباب السوري الطموح بحياة تسود فيها العدالة والمساواة والحق في الارتقاء في السلم المجتمعي لكي يصل إلى ما يستحقه بحسب إمكانياته العلمية والإنسانية؟

هل الحلم هو “تتابع من الإحساسات والصور العقلية, والأفكار وسواها تمر عبر عقل النائم” كما ورد في قاموس ويبستر Webster أم أنه أكثر من ذلك؟

الإنسان والأحلام

حاول الإنسان دراسة الأحلام منذ القدم، فقد وجدت آثار عن تفسير الأحلام على الألواح الحجرية التي ترجع إلى سومر أقدم حضارة عرفتها البشرية، واعتقدت بعض الشعوب القديمة مثل الإغريق أن الأحلام عموما هبة من الآلهة لكشف معلومات للبشر وزرع رسالة معينة في عقل الشخص النائم.

قام سيغموند فرويد وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة بدراسة الأحلام وصنفوها بحسب طبيعتها وزمن حصولها. وتناولت الأديان والثقافات المختلفة تفسيرات الأحلام حتى أصبحت علماً كباقي العلوم يدرس في المعاهد والجامعات.

الأحلام في السياسة

في السياسة عرف التاريخ أحلاماً كانت مرتكزاً لصناعة التاريخ. فمن الأحلام ما كان قومياً توسعياً وهو السيطرة على شعوب أخرى كأحلام كل من الإسكندر المقدوني وقيصر ونابليون، بينما حلم كل من بسمارك وغاليباردي بتوحيد شعوبهم، وحلم هرتزل بالحلم الصهيوني، وماركس ولينين بالحلم الشيوعي، وهتلر بالحلم الآري الفاشي، بينما حلم تشرشل وديغول بأحلام وطنية استعمارية، وغاندي ومانديلا وغيرهم بأحلام تحررية من الاستعمار والتمييز العنصري.

تباينت أحلام المشاهير في التاريخ واختلفت فيما بينها وتقاطعت مع أحلامهم الشخصية من طرف وأحلام أبناء أوطانهم من طرف آخر، ودفع الملايين من الناس أرواحهم ثمناً لمحاولات تحقيق هذه الاحلام أو بعضها.

الستينيات من القرن الماضي

في الستينيات من القرن الماضي، وفي الوقت الذي كان “مارثر لوثر كينغ” يحلم بإلغاء التمييز العنصري في أمريكا في فترة كان مثل هذا الحلم يصنف كحلم من أحلام اليقظة التي لا يمكن تحقيقها، كانت شعوب الشرق الأوسط وعلى رأسها الشعوب العربية تحلم باستكمال حصولها على الاستقلال وبناء ديموقراطياتها وتوحيد صفوفها لمواجهة الحلم الصهيوني والإمبريالي.

قام سيغموند فرويد وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة بدراسة الأحلام وصنفوها بحسب طبيعتها وزمن حصولها. وتناولت الأديان والثقافات المختلفة تفسيرات الأحلام حتى أصبحت علماً كباقي العلوم يدرس في المعاهد والجامعات.

الدفعة الأخيرة من الحالمين

عاش جيلي (جيل الخمسينات والستينات) عصر الأحلام هذه، ونشأتُ وأنا من الدفعة الأخيرة التي استطاعت  أن تحلم: حلمنا بالحرية والاستقلال، والديمقراطية، والوحدة العربية، والعيش المشترك، وتوزيع الثروات، والتكافل الاقتصادي والاجتماعي على مستوى العالم العربي، والمشاركة في نماء الحضارة الإنسانية، وحلمنا بالحلم الأكبر وهو تحرير فلسطين، وحلمنا وحلمنا وحلمنا…..

ولكن أحلامنا العربية ما لبثت أن تكسّرت واحدة تلو الأخرى. فتفرقت الحكومات العربية التي تربعت على عروش الدول العربية المستقلة بالانقلابات والمؤامرات بدلاً من أن تتوحد، وأخذت هذه الحكومات تقمع شعوبها وتنشئ دكتاتوريات عسكرية بلباس مدني، أو ملكيات وإمارات من صناعة خارجية، وارتدت جميعها قناع المقاومة والتحرير كعذر للبطش والطغيان.

وعلى عكس شعاراتها المعلنة فقد اتخذت هذه الحكومات من شعوبها أعداء لها، وتآمرت فيما بينها وتصارعت على حساب نماء أوطانها. لقد مارست هذه الحكومات التي نصبها أعداء الوطن عمالتها وسرقت مقدرات شعوبها وأرزاقهم وعملت فساداً وهدماً في مجتمعاتهم.

حزب البعث والأسد وتكسير الأحلام

في سوريا جاء البعث ومن بعده الأسد ليعمل على إذلال الشعب السوري وتركيعه، ليؤسس لنظام الأسرة والطائفة، فاعتمد على المرتزقة وضعاف النفوس وزرع الفساد والرشوة في كلً شريحة من شرائح المجتمع وقي كلّ مؤسسة من المؤسسات العامة والخاصة.

عمل الأسد وحاشيته بشكل ممنهج على تمزيق المجتمع وزرع التفرقة والتمييز الديني والطائفي والأثني بين مكونات المجتمع السوري: دمّر الاخلاق وخرّب التعليم وصنّف المجتمع بين مرتزق موال أو عدو منبوذ.

والأهم من ذلك كله، نجح الأسد في اغتصاب حق الشباب السوري في أن يحلم. لقد فقدت أجيال السبعينات وما بعدها القدرة بأن يكون لها حلماً، وأصيبت أجيال شبابنا باليأس والخنوع، ورضخ الكثير منهم للأمر الواقع ففضلوا الهجرة عن التهميش، والحرية عن الديكتاتورية، والكرامة عن المذلة، وفقدت سوريا الملايين من خيرة شبابها، ونزحت موارد الوطن المؤهلة وتبعثرت أهم طاقاته في أصقاع المعمورة وأرجاءها، ونزف الوطن وفُرّغ من موارده وطاقاته الحضارية.

لقد استطاع نظام الأسد من تخويف السوريين وزرع الشك في نفوسهم، وزرع الخوف بينهم على كل المستويات: فرّق بين أعضاء الأسرة الواحدة، وسكان العمارة الواحدة، والحي والقرية والمدينة، حتى أصبح السوريون يخافون من بعضهم البعض في الداخل والخارج، فقد معظمهم الأمل في العودة إلى الوطن، وتسابقوا على الهجرة والتجنّس بجنسيات أخرى هرباً من وطن لا فرصة لهم فيه، لا حرية لهم فيه ولا كرامة، لا عدل فيه ولا مساواة، لا عدالة فيه ولا قضاء، لا أمل فيه ولا حلم.

الحلم السوري سوف يتحقق، ودماء الشهداء التي روت تراب الوطن سوف تزهر شبابا يحلمون ويعملون ويبنون وفي أيديهم غصن زيتون وقلم ودفتر وكمبيوتر وقلب كبير ملئ بالحب لسوريا والسوريين.

ضاعت أحلامنا بالجملة والمفرق وأخذ اليأس والاستسلام يتسلل الى نفوسنا، وظنّ الجميع وعلى رأسهم المغتصبون أنّهم قد نجحوا بترويض الشعب السوري وأنهم باقون إلى الأبد!!!

معجزة الثورة السورية

كانت المعجزة، وبدأ الربيع العربي، وأزهرت الطاقات الشبابية في العالم العربي تنادي بالحرية والتغيير وإسقاط الأنظمة الفاشية المجرمة، وانطلقت الثورة السورية لتبعث الأمل من جديد في وجدان كل سوري وطني حر، ولتعيد لجيل المستقبل الحق بأن يحلم بوطن للجميع يشارك فيه كل سوري بكفاءته وقدراته وعلمه وعمله.

نعم، وعلى الرغم من تمكن النظام من الالتفاف على ثورة الكرامة والحرية، ثورة الشرفاء والحالمين، وعلى الرغم من انقضاء تسع سنوات على عودة الحلم: ما زال السوريون اليوم في الداخل والشتات، يحلمون بتحرير الوطن والقضاء على نظامه المجرم، ويحلم شباب سورية ومواطنيها دون استثناء بالحرية والكرامة ونيل العلم والمعرفة والمشاركة في بناء الوطن على أساس الكفاءة لا التبعية. ويحلم كل طفل بالعودة الى منزله وحيه ومدرسته لكي يلعب ويتعلم ويزرع الأشجار، وتحلم المرأة السورية بالعودة والمشاركة والأمان والاحترام والمساواة ورعاية أسرتها وتربيتهم والعمل في بيئة اجتماعية تؤمن بالسلام والوئام والمسامحة والمغفرة والعدالة والمساواة. ويحلم سوريو الشتات بالعودة الى الوطن والمشاركة في بنائه. ويحلم شيوخ الوطن بساعة التحرير والضمان الجماعي والتكافل الاجتماعي والضمان الصحي.

الثورة السورية أعادت لي حقي بالحلم

أخيراً، يحلم الوطن السوري من خلال إيمانه بشعبه وإرادته التي لا تقهر، يحلم بأن تبنى على أرضه أعظم الديموقراطيات الحديثة في الشرق الاوسط، يحلم وطني بأن يحتوى جميع مكوناته ويراها تشارك في بنائه وأن تتفق على العيش المشترك والعمل من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية والتسامح وقلب صفحة الفرقة والخوف، يحلم وطني بأن يرسخ أبناؤه مفهوم الانتماء للوطن لا غير والإيمان بالمواطنة وقوانينها.

وأخيراً، أعادت لي الثورة السورية المباركة حقي بأن أحلم، وحلمي كبير يرقى الى حجم وطني وشعبي وتاريخه وتعدديته وقدراته التي لا تنضب. أؤمن بسوريا منارة الشرق الأوسط ورافدة العالم بالعلم والمعرفة والفن والشعر والحضارة.

وكم من الأحلام تحققت لشعوبها بفضل إرادتهم وتضحياتهم ومثابرتهم.

نعم، الحلم السوري سوف يتحقق، ودماء الشهداء التي روت تراب الوطن سوف تزهر شبابا يحلمون ويعملون ويبنون وفي أيديهم غصن زيتون وقلم ودفتر وكمبيوتر وقلب كبير ملئ بالحب لسوريا والسوريين.

فأبشر يا وطني…

النصر قريب بإذن الله….

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.